شهيرة فهمي: مسار مهني تناغم مع لحن الثورة
 
 

شكلت أنشطة شهيرة فهمي، مثل أنشطة العديد من المهندسين المعماريين، حلقة وصل بين الممارسة العملية والبحث والحياة الأكاديمية. لكنها أيضًا أقحمت نفسها بشدة في أنشطة مختلفة تمامًا، ما ينبئ بمنهجها الفريد.

وكإنسانة تصنع منتجاتها وتصاميمها بيديها، وبصورة أساسية عبر ما تطلق عليه عملية الحفر subtraction، تتباهى ذات الـ 42 عامًا بنفسها، وبقدرتها على الاستفادة من كل ما تقع يداها عليه. تشير إلى قدح أبيض أبدعته من كتلة واحدة من الطمي باعتباره تجسيدًا لمنهجها بالكامل.

تقول شهيرة فهمي: “أحب أن أبدأ بقطعة واحدة، أبدأ في نحتها حتى أجسد شيئًا ما، وتعتقد أيضًا أن عملها يتلاقى بقوة مع عنوان معرض القاهرة الآن: مدينة غير مكتملةضمن فاعليات أسبوع دبي للتصميم.

shahira-fahmy-cup-jpg-copy

وبالفعل، يظل المسار المهني لشهيرة فهمي كمهندسة معمارية غير مكتمل، وهو واقع تعتقد أنه فُرض عليها جرّاء التقلبات السياسية في مصر. إذ توقفت عن ممارسة الهندسة المعمارية، عندما دفعت شهورٌ من الاضطراب السياسي والاقتصادي الكثير من المستثمرين إلى الانسحاب من البلد عقب ثورة 25 يناير 2011.

ولشعور شهيرة فهمي أن مزاولة مهنة الهندسة المعمارية والتصميم في مصر لم تعد مجدية لها، بدأت في السعي وراء فرص جديدة بعيدًا عن مجال عملها ووطنها، بل وبدأت في مساءلة طبيعة عملها حتى الآن.

تضمنت ثمار هذا التحول في مسارها الوظيفي حصولها على زمالة بحثية في جامعة هارفارد استمرت لمدة عام، موضوعها المراقبة والأسوار والمجتمعات السكانية المغلقة في مصر، وانتهت منها في يونيو الماضي. ومنذ ذلك الحين، تسعى فهمي وراء مشروع جديد. وعندما التقينا للحوار في حديقة فندق ماريوت في حي الزمالك الراقي بمدينة القاهرة، أخبرتني أنها على أهبة الاستعداد لولوج عالم التمثيل وصناعة السينما، وهو عالم تتطلع إليه بهدف مد جسور الصلة مع عالم العمارة.

أسست فهمي شركتها الخاصة شهيرة فهمي مهندسون معماريونShahiraFahmyArchitects” عام 2005. وكان أول مشاريعها التصميم الداخلي لبعض المكاتب الإدارية والقاعات والمسارح في حرم الجامعة الأمريكية المتكامل الجديد، في حي التجمع الخامس بمدينة القاهرة الجديدة المتاخمة للصحراء.

بعدها، عملت على ابتكار تصاميم لمنازل وأماكن ومجمعات سكنية خاصة مختلفة، في القاهرة والمناطق المحيطة بها، مثل مول دزاينوبوليس Designopolis” للأثاث الراقي بمدينة الشيخ زايد، ومطعم تاماريTamarai ” المغلق الآن في مجمع أبراج النيل الفخمة في وسط القاهرة، وبعض الفيلات في مجمع آلجريا Allegria” التابع لمجموعة سوديكالعقارية في مدينة 6 أكتوبر.

ولها أعمال خارج مصر أيضًا، مثل اشتراكها بالتعاون مع استديو أوكتوبي Octopi”، ومقره لندن، في تصميم المقر الجديد لمؤسسة دلفينا Delfinaبالعاصمة البريطانية عام 2014، وفازت في عدة مسابقات، أبرزها فوزها عام 2011 بتصميم منطقة جديدة بمنتجع أندرمات Andermattبجبال الألب السويسرية مع شركتين أخريين، والمقرر انتهاؤه في عام 2018.

05-andermatt-model-2

تتسم تصاميمها بالتعقيد كأنها أشبه بالمتاهة، لكن بدون زخرفة. ولديها ميل للواجهات الملساء والحواف الحادة والأسطح المنحدرة، وتميل إلى استخدام ألوان الأرض القويةبدون ظلال أو درجاتمثل الأبيض واللون الرمادي الداكن. وربما تنبع جماليات التصميم لديها من رغبة مبكرة لديها في المزج بين عشقها للفن وعشقها للفيزياء والرياضيات.

ولدت شهيرة فهمي في القاهرة لأم كانت مهندسة معمارية. وتروي أن فرصتها في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة اصطدمت بعدم اجتيازها صف الفن في المرحلة الثانوية بسبب تقييم المدرس لرسمها الذي لم يستطع فهم درجة أصالته. لذا اتجهت إلى دراسة الهندسة المعمارية في جامعة القاهرة لتصبح المؤسسات التعليمية جزءًا هامًا من حياتها منذ ذلك الوقت.

وفي الجامعة قابلت مرشدها، د. عبد الحليم إبراهيم أستاذ التصميم والنظرية المعمارية، وهو مهندس معماري شارك في تصميم سفارات مصرية عديدة وكذلك شارك في مشروع تطوير مثلث ماسبيرو وقصر القاهرة للفنون الجميلة والمتحف المصري الكبير وحرم الجامعة الأمريكية بالقاهرة الجديد.

أعجب د. إبراهيم، الذي لم تلتق به إلا في عامها الثاني بالجامعة، بتصاميمها. وتروى أنه في يوم ما طلب مقابلتها بعدما لاحظ إمكانياتها الواعدة في الإبداع والابتكار.

تتذكر فهمى قائلة: “كان أول شخص جذب انتباهي لهذا الأمر، وهو ما لا يزال يثير دهشتها.

وكان إبراهيم حريصًا على تذكيرها في مرحلة مبكرة بحقيقة كونها امرأة في عالم يهيمن عليه الرجال. وتروي بانفعال كيف حذّرها من أن الجميع سوف يطالبها في نهاية الأمر بالتخلي عن العمارة، وأنها يجب ألا تعيرهم أدنى انتباه.

وفي الواقع، كما تقول شهيرة فهمي، فإنها تخرجت في عام 1997 وكانت الأولى على دفعتها وقادها ذلك إلى العمل كمدرس مساعد في قسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة. وظلت تشغل هذه الوظيفة لعشر سنوات تالية. وبالتزامن مع ذلك، سعت للحصول على درجة الماجستير في العمارة، أيضًا من جامعة القاهرة، والتي استطاعت خلالها أن تستغرق في الدراسة والقراءة والكتابة عن نظرية قواعد تشكيل الفراغ space syntax.

house-with-pyramids-view_page_5

وفي عام 2014 عادت للتدريس الجامعي، وهذه المرة كأستاذ زائر في كلية الدراسات العليا للعمارة والتخطيط والصيانة في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، حيث تستقر هناك حاليًا بصورة جزئية.

وعند المقارنة بين التجربتين، تشيد فهمي بروح الإبداع والشغف والجهد التي تسري في عمل طلاب العمارة بجامعة القاهرة، وترثي لافتقادهم الشديد للتعرض للحياة العملية. وتوضح فهمي أن طلاب جامعة القاهرة يفتقرون، إلى حد كبير، للتبادل الاجتماعي والثقافي وسبل الوصول للمعرفة على عكس نظرائهم في جامعة كولومبيا.

انضمت فهمي إلى جامعات بارزة كباحثة، وقامت بأبحاث تتعلق بدور العمارة في قمع العصيان والسيطرة على الجماهير في قاهرة ما بعد عام 2011 ضمن برنامج زمالة هوتشينز Hutchins” في معهد “W. E. B. Du Bois” البحثي التابع لمركز هوتشينزللدراسات الأفريقية والأفروأمريكية بجامعة هارفارد للعام الجامعي 2015- 2016، وكذلك زمالة بيركمان كلاين Berkman Klein” للإنترنت والمجتمع.

وتناول مشروعها البحثي تحت عنوان عمارة من الباطن: عمارة المراقبةبالدراسة الانتشار الهائل غير المسبوق للأسوار/ البوابات في المدينة وحولها، سواء التي تحيط بالأماكن السكنية أو التعليمية أو المؤسسية أو المساحات العامة.”

ولا تعتبر شهيرة فهمي الوحيدة التي تدرس تلك الظاهرة، حيث أن الكثير من المهندسين المعماريين والمتخصصين في التخطيط العمراني والمراقبين يعزون كثرة الأسوار والبوابات إلى الصراع الاجتماعي الحاد الذي يلجأ فيه القاهريون الأثرياء، بصورة متصاعدة، إلى حماية أنفسهم من نظرائهم الأدنى ثروة.

لكن، تتناقض تصاميم فهمي، التي تعود لسنوات ممارسة العمل، مع أبحاثها الأخيرة، مثل الحرم الجامعي الجديد للجامعة الأمريكية بالقاهرة ومجمع آلجريا“. وعلى ما يبدو، تعزو ذلك إلى تطورها المهني، والذي تأثر بصورة جذرية بثورة عام 2011.

وترى شهيرة فهمي أن ظهور تلك الأسوار والبوابات، للمجمعات السكنية وحرم الجامعات المغلقة التي تحوطها الأسوار العالية، يوحي بوجود مشكلة بالغة في المدينة نفسها“. وبعبارة أخرى تمثل هذه الأسوار والبوابات أعراض تفكك المدينة.

تتركنا مقابلة شهيرة فهمي، غير مندهشين من قدرتها على التفكير بنظرة ناقدة في خبرتها السابقة، ومن أملها في التحول نحو مهنة التمثيل. وحتى أثناء الحوار الخفيف المبهج معها لا تنفك تظهر شغفها بالولوج في منعطفات فلسفية حادة تتعلق بمغزى عملها والحياة ذاتها.

وكثمرة للعيش في أنحاء العالم والمرور بخبرات في مختلف أوجه مهنة الهندسة المعمارية تعرب شهيرة فهمي لي عن اعتقادها بأنه لا توجد حياة في كل شئ مكتمل“.

لذا تتقبل حالة عدم اكتمال مسارها المهني في الهندسة المعمارية وتأمل في الرجوع إليه يومًا ما، برؤية جديدة مفعمة بالحياة.

هذا النص يُنشر بالتعاون مع موقع كايرو أوبزرفر بمناسبة معرض القاهرة الآن! مدينة غير مكتملة، والذي ينسقه محمد الشاهد من كايرو أوبزرفر في إطار فعالية أسبوع دبي للتصميم

__________________

ترجمة ابتهال مخلوف

اعلان
 
 
إنجي حجازي