شباب متحمسون للتراث يعيدون إحياء سينما ريو ببورسعيد
 
 

من الصعب الانتباه لمدخل سينما ريو في شارع الجمهورية، أحد أكثر شوارع بورسعيد ازدحامًا، فهو يكاد يكون مختفيًا دخل مبنى لا يشير إليه سوى لافتة صغيرة على الباب، محاطة بالإعلانات ولافتات المقاهي. لكن إن وجدت المدخل فستكتشف أنه يؤدي إلى مكان جميل.

بُنيت سينما ريو، أحد أقدم دور السينما في بورسعيد، في عام 1944 في حديقة خلفية لمبنى يقال إنه بني في عشرينيات القرن الماضي. في البداية كانت السينما تعرض أفلام أمريكية وسوفييتية بالأساس قبل تحولها إلى الأفلام المصرية مع تأميم قناة السويس في عام 1956.

أجهزة سينما ريو هي كذلك شديدة القدم – ماكينة عرض 35 مم، لأن السينما لم تتحول أبدًا إلى استخدام الأجهزة الرقمية؛ أجهزة التكييف محطمة؛ كما أن مقاعد السينما متعددة الأشكال لم تعد صالحة للاستخدام. بعد عرض الفيلم المصري الجيل الرابع والذي لا تزال إعلاناته معلقة على الجدران حتى الأسبوع الماضي – أغلقت السينما أبوابها في نهاية 2015 لضعف أحوال السوق.

هنا تدخلت مبادرة الحفاظ على التراث المحلي بورسعيد على قديمه المكونة من مجموعة من الشباب قررت التطوع للقيام ببعض التجديدات في السينما، مثل إصلاح أجهزة التكييف وبعض المقاعد، تنظيف المكان، وذلك بأموال قليلة حتى يعاد فتح السينما للجمهور لثلاث أيام في عطلات آخر الأسبوع. لكن السينما هذه المرة لن تعرض أفلامًا سوفيتية أو أمريكية أو مصرية تجارية، وإنما أفلامًا توفرها سينما بيت الفن في القاهرة، زاوية.

جرت عملية التجديد ضمن فاعليات “الناس والتراث” في كل من بورسعيد والقاهرة والمنصورة والمنيا، والتي أطلقتها مجموعات التراث المحلي في كل مدينة بدعم من وزارة الآثار والمعهد السويدي بالإسكندرية ومعهد الحوار الدانماركي المصري.

في شهر أغسطس شارك أعضاء “بورسعيد على قديمه” في ورشة عمل نظمتها زاوية في القاهرة لأفراد من خارج العاصمة حول إدارة السينما البديلة، ومن ثم اختارت زاوية فريق بورسعيد ليكون واحدًا من فريقين ستدعمهما زاوية ليتمكنا من تقديم عروضهما بانتظام، أما الفريق الثاني فكان من الإسماعيلية، ويبدأ عروضه هذا الأسبوع تكريمًا لمحمد خان تحت اسم” زاوية الإسماعيلية”.

في البداية كان فريق بورسعيد يستهدف تجديد سينما ديانا في مبنى كازا ديطاليا، وهو مبنى شيّده النظام الإيطالي الفاشي في عام 1936، لكن الفريق وجد المكان في حاجة إلى تجديدات ضخمة، كما أن القنصلية الإيطالية لم ترغب في استخدامه خوفًا على أمان المستخدمين، فتوجهت المجموعة إلى إبراهيم عثمان، مالك سينما ريو، وعقدت معه اتفاقًا بالقيام بعمليات النظافة الأساسية والتجديد مقابل ثلاث أيام من الإيجار المجاني لشاشة السينما.

افتتحت السينما بحفل موسيقي لفرقة كشك وعرض لفيلم “سينما باراديزيو” (1998)، الذي يروي قصة صبي عاشق للسينما ويعمل في عرض الأفلام. لكن الفيلم لم يكن جزءًا من برنامج زاوية – وإنما اختاره المنظمون لعلاقته بمشروعهم. بعد هذا العرض كان هناك عرض آخر بالتعاون مع محطات للفن المعاصر والذين سبق وأن تعاونوا مع “بورسعيد على قديمه” خلال الصيف حول مشروع ظلال المدينة على عدة شرفات في مبنى بالحي العربي ببورسعيد.

وبدأت يوم الجمعة عروض زاوية في سينما ريو، بعرض ثلاثة أفلام قصيرة – “حار جاف صيفًا” لشريف البنداري (2016) و”افتتاح مرحاض عام عند الكيلو 375” لعمر الزهيري (2013) و”أحد سكان المدينة” لأدهم الشريف (2012) ثم الفيلم الوثائقي “هدية من الماضي” لكوثر يونس هدية (2015) والتي تتتبع حب والدها المفقود وتجمع بينهما. أما يوم السبت فشهد عرض فيلمين آخرين هما ” موج” لأحمد نور، وهو فيلم من إنتاج عام 2012 يروي قصة مدينة السويس ويبرز دورها في ثورة 2011 وفيلم “جاي الزمان” لدينا حمزة من إنتاج عام 2015، عن والدها وكاتب الأغاني محمد حمزة.

من افتتاح سينما ريو

كذلك ينظم “الناس والتراث” في بورسعيد مباراة للـ tozla وهي أحد أنواع رياضة الشوارع الشبيهة بكرة القدم. كما ينظمون ماراثون بالتعاون مع مجموعة بورسعيد للركض على شكل مباراة للبحث عن الكنز لاستكشاف الأماكن التراثية في المدينة.

يقول محمد حسن البالغ من العمر 24 عاما وأحد مؤسسي “بورسعيد على قديمه” إنهم لم يقرروا بعد ما إذا كانوا سيستمرون في تعاونهم مع زاوية في سينما ريو بعد الافتتاح أم سيبحثون عن سينما أخرى. الإشكالية في سينما ريو تتعلق بأجهزة العرض، فأغلب دور السينما أصبحت تستخدم أجهزة العرض الرقمية باهظة الثمن، والتي يصعب على المبادرة أو صاحب الدار اقتناؤها. ستشمل الخطوة التالية في التعاون مع زاوية عرض بعض الأفلام التي ستعرض هذا العام ضمن بانوراما السينما الأوروبية. وعلى المدى الطويل تتمنى المجموعة أن تتمكن من تنظيم عروض منتظمة للسينما البديلة.

تأسست “بورسعيد على قديمه” في عام 2014، ورغم أنها غير مسجلة رسميًا إلا أنها نجحت سريعًا في أن تصبح مبادرة ثقافية هامة، حيث انضم إليها 150 شابًا، كما أصبحت المجموعة الأساسية الداعية للحفاظ على التراث في المدينة، ونظمت فاعليات عديدة مهتمة برفع الوعي بتراث بورسعيد المعماري والثقافي الثري، رغم التاريخ القصير للمدينة التي تأسست في عام 1859 مع حفر قناة السويس.

يشرح حسن أن كل عضو يساهم بخمسة عشر جنيهًا شهريًا كاشتراك عضوية لتمويل أغلب الأنشطة، بما في ذلك الجولات سيرًا على الأقدام وبالدراجات، والمشاريع مثل تنظيف السينما. لكنهم إذا أرادوا التسجيل قانونًا فسيحتاجون إلى مكتب، وهو ما لا يملكون تكلفته، حيث أن أسعار الإيجار في بورسعيد ليست منخفضة. ومن ثم فهم يعملون كمتطوعين دون الإمكانية القانونية للحصول على دعم، مثلما هو الحال مع الكثير من المبادرات الشبابية في مختلف أنحاء البلاد.

رغم غياب الشكل القانوني إلا أن هذا لم يؤثر على حماس المجموعة وجديتهم في العمل اللذين تركا أثرًا ملموسًا وواضحًا. ولا يقتصر الأمر على ذلك. حيث يبدو أن فاعلية نهاية الأسبوع ما هي إلا بداية التزام طويل المدى بعرض أفلام السينما البديلة في مدينة القنال التي يبلغ عدد سكانها 600 ألف.

___________

ترجمة: عايدة سيف الدولة

اعلان
 
 
روان الشيمي