قضية النوبة بين التدويل وقمع الدولة

الملف النوبي ليس وليد اليوم وإنما هو شديد القدم رجوعًا إلى العهد الاستعماري، حيث بدأت مأساة التهجير منذ تقسيم النوبة بين مصر والسودان في عام 1898، والذي أعقبه بناء خزان أسوان في 1902 لأغراض استعمارية، تهدف إلى التوسع في زراعة القطن لاستغلاله وتصنيعه. تبع هذا تعلية 1912 وعام 1932، وبناء السد العالي الذي أغرق النوبة التاريخية.

ارتبطت كل هذه الإنشاءات التنموية بهجرات قسرية جائرة، خسر النوبيون فيها ممتلكاتهم وأراضيهم، ولعل أقسى تهجير كان التهجير الأخير في 1964، الذي انتزع النوبيين من بيئتهم الزراعية، وأسكنهم أراضي قاحلة في ظروف معيشية بالغة القسوة.

في التهجير استعان النوبيون على حياتهم بتعويضات لا ترقى لما ضحوا به من ممتلكات ودور وأراض، ولا يمكن أن توصف إلا بأنها لمام لا يذكر.

ورغم اختلاف الأنظمة المتعاقبة، لم تلق القضية النوبية أي اهتمام يُذكر من السلطة، سوى تقديم بعض الحكومات حلولًا مبتسرة وغير ناجزة مثل وادي كركرفي عهد مبارك، الذي حاولت به الحكومة، بالتعاون مع حلفائها من النوبيين، حل مشكلة إعادة توطين النازحين النوبيين.

ورغم أن الثورة حملت بشائر لحل الأزمة بين النوبيين والدولة، إلا أن هذه الآمال سرعان ما ذهبت سدى بسبب تعسف الدولة.

شارك النوبيون في الحراك الثوري، وتبنوا مبدأ المواطنة الذي يساوي بين كل المصريين، وكان لديهم إيمان راسخ بأن قضيتهم ستُحل، إذا ما تولت السلطة حكومة رشيدة تسعى لإعطاء كل ذي حق حقه. وتصدرت شخصيات نوبية بارزة الحراك السياسي، مثل الحقوقية النوبية منال الطيبي التي اختيرت كشخصية عامة في اللجنة الدستورية في عهد الإخوان، وتلاها الأديب النوبي حجاج أدول في لجنة الخمسين التي أعدت دستور 2014، الذي تضمن حقوقًا للنوبيين أُقرت للمرة الأولى، مثل حق العودة على ضفاف بحيرة النوبةالمعروفة باسم بحيرة ناصر، واعترف بالتعددية الثقافية وجرّم التمييز على أساس اللون والعرق، وأقر حق النوبيين كسكان مناطق نائية في التنمية، على أن تجري استشارتهم في مشروعات التنمية التي تستهدف مناطقهم.

ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فقد صدر القرار الجمهوري 444 في 2014، ليحدِّد، في انتهاك سافر لحق العودة الدستوري، القرى من قرية العلاقي إلى قرية أدندان كمناطق حدودية. وتبعه قرار قرار 355 المتعلق بتنمية مدينة توشكي، والذي استبعد النوبيين من أي مشاورات حول تنمية هذه المدينة، على عكس ما ورد في الدستور. وإلى جانب عدم مناقشة قانون إعادة النوبة، رغم انتهاء أعمال اللجنة وإرسال مسودة القانون لمجلس الوزراء، إلا أن القانون لا يزال حبيس الأدراج.

هكذا سُلب من النوبيين أهم ما أُقر لهم من حقوق في الدستور، ولم يبق أمامهم إلا السعي الحثيث للحفاظ على حقوقهم الشرعية، فسلكوا طريق التقاضي رفضًا للتعسف الحكومي وانتهاك حقوقهم التي أقرها الدستور، حيث رفعت قضيتان لإيقاف القرار 444 في القاهرة وأسوان. ولكن المؤشرات لم تكن إيجابية، فقد خرج تقرير هيئة مفوضي الدولة، في قضية عن توطين النوبيين حول البحيرة، برفض توطينهم هناك. ولهذا ذهب قطاع من النوبيين لتدويل القضية، بعد انسداد الطرق المحلية أمامهم، ورغم أن مصطلح التدويلقد يُقابَل برفض وبتخوفات من الكثيرين، كما قد يهاجَم من يدعو إليه، إلا أن أعداد الداعين إلى التدويل تتزايد .

والتدويل في حالتنا هو تقديم قضية أمام الآليات الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ويختصم فيها النوبيون الحكومة المصرية لانتهاكها القانون الأعلى في البنية التشريعية المصرية، وهو الدستور. ولكن قبل الإقدام على الاختصام أمام اللجنة الأفريقية، علينا استنفاذ كل الحلول الوطنية، أي المرور بكل درجات التقاضي المصرية قبل التوجه للجنة الأفريقية، وإلى جانب ذلك يمكن إعداد ملف عن القضية النوبية لعرضه في الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقق الإنسان في الأمم المتحدة، وأخيرًا تقديم ملفات إلى المقررين الخاصين في الأمم المتحدة، ممن تتقاطع اختصاصاتهم مع مواضيع القضية النوبية.

قد يرفض البعض تدويل القضية وأخذها إلى مستوى آخر من التعاطي، إلا أنني أؤكد أن القضية جرى تدويلها بالفعل منذ عام 2005، حين حضر الأديب النوبي حجاج أدول مؤتمر الأقليات في الولايات المتحدة وعرض هناك مجريات الوضع النوبي، وحين حضرت كذلك الحقوقية النوبية منال الطيبي الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في عام 2010.

ومن موقعي كباحثة في القانون الدولي لحقوق الإنسان أؤكد أن الآليات الدولية والإقليمية شُرّعت ليختصم بها المواطنون حكوماتهم، إذا ما حدث أي إجحاف أو انتهاك لحقوقهم. ومصر من أكثر الدول توقيعًا وتصديقًا على اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية، والتي بالتصديق عليها تصبح جزءًا من التشريع الوطني المصري، ويمكن للمواطنين المصريين استخدامها. ولا يمكن وصم المواطنين بالعمالة أو بالتآمر على أوطانهم لأنهم لجؤوا إلى الآليات الدولية، حيث أن الدول ارتضت وأقرت المواد المتعلقة بلجوء مواطنيها للآليات الدولية واختصاص هذه الآليات الدولية. كما لا يمكننا تجاهل أن كل المعلومات متاحة على الإنترنت، ولا يمكن حصرها أو إلغاؤها ، فمصادرها متنوعة ومنتجوها متنوعون وينشرون معلومات ومواقف عن القضية سواء محليًا أو دوليًا، شاء من شاء وأبى من أبى.

كما أنه من المهم الإشارة إلى أن هناك تاريخًا وتراكمًا من استخدام الآليات الدولية لمحاسبة الدولة على انتهاكاتها، وقد استُخدمت الآليات الدولية من قبل الحركة الحقوقية المصرية بشكل مكثف، سواء في الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان، أو عبر تقديم قضايا للجنة الأفريقية، مثل قضية الاعتداءات على الناشطات في يوم الأربعاء الأسود الذي حكمت فيه اللجنة لصالح الناشطات، وأمرت الحكومة المصرية بتعويضهن، وإن امتنعت الحكومة المصرية عن تنفيذ الحكم. كما استخدم الحقوقيون المصريون آلية تقارير الظل ردًا على التقارير الرسمية التي تقدمها الحكومة عن وضعية حقوق الإنسان للجان المختلفة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة .

نهاية، فمع تعقيدات القضية النوبية يجد النوبيون أنفسهم بين مطرقة تعسف وصلف الدولة وسندان الاتهامات بالعمالة والسعي نحو الانفصال. وفي هذه الظروف تبقى أي خطوات للنوبيين مدفوعة بالعجز عن إيجاد وسائل للتفاوض الحقيقي مع الدولة على حقوقهم المشروعة، وبالتالي نجد أنفسنا أمام تجربة وسائل مشروعة قانونيًا أخرى، وهي اختصام الحكومة في الآليات الدولية، حتى وإن لم يرض الكثيرون، وأولهم الحكومة نفسها التي لا تزيد الوضع إلا تعقيدًا.

ولا أجد كمؤيدة للتدويل إلا القول إن الطرق قد سُدّت أمامنا كنوبيين نسعى إلى المواطنة الكاملة واستعادة حقوقنا الشرعية، وإن التقاضي المحلي لا يؤدي لنتيجة ناجزة، ومع الوقت تتعقد القضية أكثر وأكثر، وتتقلص مكتسباتنا وتُنتهك حقوقنا بشكل منهجي، فلا يبقى أمامنا إلا التصعيد وطَرْق أبواب جديدة نتمنى أن تأتي بنتائج إيجابية طال انتظارها، ويبقى السؤال حول ما إذا كانت الحكومة المصرية ستنصاع للشرعة الدولية لحقوق الإنسان أم ستتجاهلها كما دأبت مطولًا.

اعلان
 
 
فاطمة إمام سكوري