تحت ضغط الأزمة: المصريون يتخلون عن مصوغاتهم والتجار يصدرونها
 
 

واصلت أسعار الذهب ارتفاعها المستمر منذ بداية العام الجاري، ووصل سعر الجرام عيار 21، اليوم الإثنين، إلى 546 جنيهًا، مقارنة بـ 260 للجرام في يناير الماضي، ويأتي الارتفاع وسط أزمة تضرب صناعة الذهب في مصر.

وخلال جولة في منطقة الصاغة بالحسين، رصد «مدى مصر» نشاطًا من فريقين من المواطنين، يحاول الأول الاستفادة من ارتفاع أسعار الذهب عبر بيع مصوغاته، بينما لجأ الفريق الثاني إلى السبائك الذهبية كطريقة آمنة للادخار في ظل انخفاض سعر صرف الجنيه.

وفي حين يقول وصفي واصف، رئيس الشعبة العامة للذهب والمصوغات بالغرفة التجارية، إن الطلب على المصوغات تراجع خلال الشهور الماضية. يوضح ملاك دانيال، أحد ملاك محلات المصوغات، أن الطلب على المشغولات الذهبية «تراجع بشكل كبير منذ منتصف 2015، بينما زاد الإقبال، من ناحية أخرى، على شراء السبائك والجنيهات الذهبية»، وأرجع التجار تراجع حركة بيع المصوغات إلى أزمة الدولار وارتفاع أسعار الذهب عالميًا.

وارتفعت أسعار الذهب عالميًا خلال العام الجاري بنسبة 14% ليصبح ثمن أوقية الذهب 1,270 دولارًا (40.84 دولار للجرام) يوم الخميس الماضي، مقارنة بـ 1,115 دولارًا للأوقية (35.85 دولار للجرام) في يناير الماضي، بحسب بيانات تستبعد أثر التضخّم نشرها موقع ماكرو تريندس.

الأزمة تضرب الأسر وأصحاب الأعمال

محمود عوض، تاجر مصوغات بمنطقة الدقي، يقول إنه نظرًا لعدم وجود طلب كافي على شراء مشغولات ذهبية جديدة، فهو يعتمد حاليًا على شراء البضائع المستعملة من الزبائن الراغبين في البيع. فيما يقول ملاك دانيال إنه توقف عن شراء بضائع جديدة بسبب الكساد، مضيفًا: «الناس تبيع مصوغاتها لتتمكن من توفير نفقات معيشتها».

وأدى تعديل السياسات المالية، المتّبع منذ انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2014، بما في ذلك فرض ضرائب جديدة ورفع الدعم على الطاقة، إلى حدوث قفزات في معدلات التضخم. ومن المتوقع أن يزداد إحساس الأسر -التي تعاني بالفعل جراء ارتفاع الأسعار- بالأزمة مع استمرار رفع الدعم وتطبيق ضريبة القيمة المضافة.

كان بنك الاستثمار «أرقام كابيتال» قد توقع أن يرتفع معدل التضخم ليصل إلى نسبة 18-20% بحلول نهاية العام الجاري وأوائل العام القادم، في حين توقع صندوق النقد الدولي أن تصل معدلات التضخم إلى 17.3% في 2017، بالمقارنة بـ 14%خلال سبتمبر الماضي.

ضعف الجنيه يحيي تجارة السبائك

على الجانب الآخر، يقول دانيال إن الطلب على سبائك الذهب زاد خلال الشهرين الماضيين، وتحديدًا منذ بدأت التوقعات بتعويم الجنيه. فيما فسر محمود عوض إقبال المواطنين على شراء السبائك تحديدًا لكونها وعاء ادخار آمن من وجهة نظرهم، وأنهم يفضلونها على المصوغات لعدم وجود مقابل «مصنعية» بها. وبينما حدد بائع آخر نسبة الزيادة في مبيعات السبائك عن الشهر الماضي بـ 80%، أكد بائع ثالث أن النسبة تضاعفت.

كان السعر الرسمي للجنيه المصري قد انخفض بنسبة 14% منذ بداية 2016، فيما انخفض سعره في السوق غير الرسمية بمقدار النصف، ليرتفع سعر الدولار من نحو 7.8 جنيه في منتصف يناير إلى حاجز الـ 16 جنيه خلال الأسبوع الماضي. تزامنًا مع توقعات متزايدة باتخاذ الحكومة قرار تعويم الجنيه، بعد موافقة صندوق النقد الدولي، في أغسطس الماضي، بشكل مبدئي، على إقراض مصر 12 مليار دولار، مع اشتراطات بإجراء عدد من الإصلاحات الاقتصادية.

وتعاني مصر من أزمة دولار منذ ثورة 25 يناير 2011، وأحداث العنف اللاحقة لها، والتي أدت إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية والسياحة، وكلاهما مصدر رئيسي للعملة الصعبة.

الاستثمارات البديلة وسيناريو 2013

إقبال المواطنين على شراء الذهب كحل آمن لحفظ مدخراتهم مع تراجع سعر العملة، هو حالة متكررة بحسب رامي فكري، مدير أحد محلات استيراد الذهب، والذي يقول إن ذلك سبق أن حدث عام 2013، حين وصل سعر جرام الذهب إلى 350 جنيه، فأقبل الزبائن على شراء كميات كبيرة من السبائك، غير أن الأسعار العالمية انخفضت لاحقًا بشكل كبير، ما أثر على سعر الذهب في مصر، ليتراجع سعر الجرام إلى 240 جنيهًا، ما تسبب في خسائر كبيرة للمشترين.

كانت أسعار الذهب قد تراجعت عالميًا، في يونيو 2013، إلى 1,209 دولارًا للأوقية (38.37 دولار للجرام)، بعدما وصلت إلى 1,628 دولارًا للأوقية (52.35 دولار للجرام) في مارس من العام نفسه، وفقا لـ«ماكرو تريندس».

أما عصام أمين، وهو أحد تجار ومستوردي المصوغات، فيشير إلى سبيل آخر يلجأ له المواطنون حاليًا لحفظ أموالهم السائلة، وهو تحويلها إلى سندات في البنوك؛ للاستفادة من زيادة سعر الفائدة.

كان البنك المركزي قد لجأ إلى رفع نسب الفائدة أكثر من مرة منذ نهاية العام الماضي، وذلك للحد من التضخم، ووصل سعر الفائدة على الإيداع البنكي إلى 11.75%، وسعر الفائدة على الإقراض إلى 12.75%.

التصدير ملاذ التجار

مع انخفاض سعر الجنيه، وقلة الإقبال على شراء المصوغات في السوق المحلية، تحول العديد من تجار الذهب في مصر إلى تصدير المصوغات إلى سويسرا ودول الخليج العربي.

عصام أمين، الذي يعمل في استيراد الذهب منذ نصف قرن، يقول إنه لم يستورد مصوغات جديدة منذ قرابة عام كامل، كما قام بإعادة تصدير الكثير من مخزون بضاعته إلى سويسرا ليعاد صهرها مرة أخرى. وهي الخطوة التي أثبتت جدواها الاقتصادية بالنسبة له بعد انخفاض سعر الجنيه. من جانبه، يضيف رفيق عباسي، رئيس شعبة الذهب في اتحاد الصناعات المصرية، قائلًا «نقوم الآن بتصدير المواد الخام المتوفرة لدينا إلى بلدان مثل المملكة العربية السعودية وسويسرا ودبي، بسبب وجود فائض من الذهب لدينا».

  • 1 أوقية ذهب = 31.1 جرام.
اعلان