حرب المستندات في الطعن على مصرية تيران وصنافير
 
 

قررت دائرة الفصل في الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، اليوم السبت، تأجيل نظر الطعن المقام من هيئة قضايا الدولة على حكم محكمة القضاء الإداري ببطلان «اتفاقية تيران وصنافير» إلى جلسة ٧ نوفمبر المقبل لاستمرار المرافعات. وتقدمت هيئة قضايا الدولة (محامي الحكومة) وفريق المحامين المطعون ضده بعدد جديد من الوثائق والمستندات لهيئة المحكمة برئاسة المستشار أحمد الشاذلي.

وشهدت الجلسة مرافعات عدد من المحامين المطعون ضدهم وهم علي أيوب وأشرف عمران ومحمد قدري ومالك عادلي وعصام الإسلامبولي ومحمد كامل ومعصوم مرزوق، وطلب خالد علي تأجيل مرافعته للجلسة المقبلة للاطلاع والرد على ما قدمته هيئة قضايا الدولة. فيما قدّم محامي الحكومة 20 حافظة مستندات بما طلبته هيئة المحكمة في جلستها السابقة بالإضافة إلى وثائق أخرى.

مستندات هيئة قضايا الدولة

من أهم ما قدمته هيئة قضايا الدولة في جلسة اليوم محاضر جلسات لجنة الخمسين، التي كانت مكلفة بكتابة الدستور، وكذلك لجنة الخبراء التي تم الاستعانة بها خلال تلك الفترة، بالإضافة إلى محاضر اجتماعات اللجنة المصرية السعودية لدراسة أمر الجزيرتين. وهي المحاضر التي طلبتها هيئة المحكمة في جلستها السابقة.

كما تقدمت بصورة من المرسوم الملكي الصادر سنة 1951 بشأن تحديد خطوط الأساس للحدود البحرية المصرية، وصورة من قرار الرئيس الأسبق حسني مبارك الصادر سنة 1990 بشأن قواعد تعيين الحدود البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وكذلك قرار مجلس الوزراء بشأن تسليم الجزيرتين للملكة العربية السعودية.

كما تقدمت الهيئة بعدد من المكاتبات بين السلطتين السعودية والمصرية، تطلب فيها الأولى ترتيب زيارة إلى جزيرتي تيران وصنافير، وحملت المكاتبات ختم دار المحفوظات المصرية. وعلّق نائب رئيس هيئة قضايا الدولة قائلًا إن هذا رد على مزاعم المطعون عليهم بأن هناك أوامر سرية بحرق الخرائط والوثائق المتعلقة بالقضية «وهو كلام مرسل».

وأضاف: «لدينا جهات على أعلى مستوى، ومشهود لها بالكفاءة عالميًا. فنحن نملك الجمعية الجغرافية المصرية والتي لديها ما يكفي من خرائط تثبت صحة موقفنا». وبدأ في استعراض بعض هذه الوثائق والخرائط. فتقدم بأطلس مصري رسمي يعود إلى عهد الملك فؤاد، ويضم خرائط تم رسمها سنة 1928، وبه أربع خرائط مبيّن فيها جزيرتي تيران وصنافير باللون الخاص بالمملكة العربية السعودية. وهو ما علّق عليه المحامي خالد علي قائلًا: «لو الخرائط مرسومة سنة 1928 تصبح قبل وجود المملكة العربية السعودية، ولو رُسمت بعد ذلك فهي ليست مرسومة في عهد الملك فؤاد». وجاءت الوثائق موقّعة باسم رئيس الجمعية الجغرافية الحالي السيد السيد الحسيني.

كما تقدّمت هيئة قضايا الدولة بعدد من الصور الضوئية، المختومة والمعتمدة من دار الوثائق المصرية، لمذكرات ومكاتبات بين وزارتي الخارجية والحربية المصرية تخص العمليات العسكرية لاحتلال الجزيرتين سنة 1950. وكانت الهيئة قد تقدمت بهذه الوثائق في 25 يونيو الماضي لهيئة المحكمة التي تم ردّها بواسطة أحد المحامين المطعون عليهم.

وكذلك تقدمت الهيئة بمستند وصفته بالسري والهام، يحمل اسم وزارة الحربية، شعبة البحوث البحرية، تحت عنوان «السمات العامة لأهم جزر البحر الأحمر». وجاء في هذا المستند أنه «ومن أهم الجزر السعودية في البحر الأحمر، جزيرتي تيران وصنافير»، ولم تفصح المحكمة عن تاريخ الوثيقة لسريتها. وجاءت الوثيقة حاملة ختم الأمانة العامة لوزارة الدفاع. كما تقدمت بكتاب لرئيس الجمعية الجغرافية المصرية السيد السيد الحسيني، يُفترض أنه يثبت سعودية تيران وصنافير، غير أن القاضي سأله «قرأت صفحة 60؟»، فرد محامي الدولة «نعم» وهو ما علّق عليه خالد علي «سيبها لنا ياريس ده رزق وجالنا».

وقال نائب رئيس هيئة قضايا الدولة أن الخرائط التي يجب أن يعتد بها هي الخرائط التي تصدرها الدولة لأنها «تمثل الحقائق العلمية الموثّقة» وأن الخرائط السياسية هي المرجع السليم. كما تقدّم بمذكرة إضافية بها ثلاثة أسباب للطعن على حكم الدرجة الأولى، هي: الإخلال بقواعد التدخل في الدعوى بسبب عدم تيقّن المحكمة من مدى أهلية الطاعنين على الاتفاقية، وكذلك الخطأ في تفسير النصوص الدستورية، بالإضافة إلى ما وصفه فساد الاستدلال ومخالفة ما جاء في الأوراق، حيث أن الاتفاقية موضوع الدعوى لم تشمل أي عبارة تشير إلى «التنازل عن الجزيرتين»، وهي العبارة التي تكررت في نص الحكم 13 مرة، بحسب قول محامي الدولة.

مستندات المحامين الطاعنين على الاتفاقية

تقدّم فريق المحامين، كل على حده، بعدد من المستندات، من أهمها ما تقدّم به المحامي علي أيوب من مكاتبات بين وزارتي الخارجية والحربية ومصلحة الحدود البحرية تخص رفع العلم المصري سنة 1950 على الجزيرتين. وكذلك خطاب وزارة المالية المصرية لوزارة الحربية الذي جاء فيه أن «هذه الجزر مصرية» بحكم وقوعها ضمن الأراضي التي يتم تحصيل أموال ضرائب عنها.

كما تقدّم بصورة من رسالة دكتوراة بعنوان «تيران وصنافير مصريتان» أشرف عليها السيد السيد الحسيني، رئيس الجمعية الجغرافية الحالي، وهو ما يتعارض مع ما جاء لاحقًا على لسان الأخير سواء في تصريحاته الصحفية أو الكتاب الذي قدمته هيئة قضايا الدولة ويفيد أن الجزيرتين سعوديتين.

واستند أيوب أيضًا إلى أطلس المملكة العربية السعودية الصادر سنة 2000، والذي يشير إلى أن الجزيرتين تقعان ضمن الأراضي المصرية، وكذلك كتاب الباحث السعودي عبد الله عبد المحسن السلطان، بعنوان «البحر الأحمر الصراع العربي الإسرائيلي»، الصادر سنة 1985، والذي أقر فيه أن الجزيرتين ضمن جزر مصر الـ24 في البحر الأحمر.

كما تقدم بأطلس جغرافيا أفريقيا وأوروبا الصادر سنة 1908، وكتاب «النخبة الأزهرية في تخطيط الكرة الأرضية»، تأليف إسماعيل علي، مدرس علم تخطيط البلدان في الأزهر الشريف سنة 1903، وكلاهما يؤكدان مصرية الجزيرتين.

بالإضافة إلى ما سبق، سلّم أيوب خريطة للشرق الأوسط أعدها مكتب لفض المنازعات البحرية في بلغاريا، وهو جهة معتمدة لدى الأمم المتحدة. وجاء في الخريطة، المعدّة سنة 2008، أن جزيرتي تيران وصنافير خاضعتين لمصر، بما ينفي أنهما كانتا موضع نزاع، فضلًا عن كتب ومستندات أخرى.

وتقدّم المحامي مالك عادلي بعدّة خرائط ومستندات، أهمها صورة من الخريطة التي تم رسمها بعد اتفاقية تعيين الحدود بين مصر والدولة العثمانية سنة 1906 وفيها تقع جزيرتي فرعون وصنافير على خط طول واحد، وهو نفسه خط الحدود المستقيم، بما يجعل من صنافير مصرية، كما هو الأمر بالنسبة لفرعون. وحصل عادلي على الخريطة من كتاب «مشكلة طابا»، للكاتب أحمد فؤاد وعدد آخر من الجغرافيين، وهم أنفسهم أصحاب الترجمة المعتمدة لاتفاقية الحدود بين مصر والدولة العثمانية. وجاء في الكتاب عدد من المكاتبات تثبت وجود جنود مصريين على جزر فرعون وصنافير وتيران، قبل وبعد توقيع الاتفاقية.

كما طالب المحامي عصام الإسلامبولي في مرافعته بضرورة أن «تُجهز» المحكمة على نظرية السيادة، واصفًا الأخيرة بالنظرية «اللقيطة». وقال: «إننا أخذنا تلك النظرية من القانون الفرنسي، وأنها ظهرت لأول مرة في فرنسا أثناء نزاع بين الملكية الفرنسية ومجلس الدولة ليحجب بعض الأعمال عن سلطة القضاء الإداري، وبالتالي لم يكن يلزمنا أن نأخذ بها، فضلًا عن الإبقاء عليها». وأضاف أن مواد الدستور الحالي تقضي على نظرية أعمال السيادة، وتطرح بدلًا من الفصل بين السلطات، فكرة التوازن بين السلطات. فلم يعد للسلطة التنفيذية أعمالًا تمارسها دون مراجعة سواء من السلطات القضائية أو التشريعية.

كما طرح الإسلامبولي أيضًا مسألة بطلان صفة المُوقّع على الاتفاقية، قائلًا: «المفروض رئيس الجمهورية يوقع وليس رئيس الوزراء. والتفويض يكون في الأمور القانونية فقط وله حدود. وعندما يمنح الدستور لرئيس جمهورية صلاحيات تخصه بشخصه، لا يجوز التفويض فيها. وهو أمر ينظمه القانون رقم 42 لسنة 1969».

كما تقدّم الدكتور محمد كامل، المحامي، بنص اجتماع مجلس الأمن رقم 659 بتاريخ 15 فبراير 1954 والذي جاء فيه نصًا أن الجزيزتين «جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية» منذ ترسيم الحدود مع الدولة العثمانية. وذكر نص الاجتماع أن مصر حاربت على الجزيرتين إلى جانب القوات البريطانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وأن لا الدولة العثمانية ولا المملكة العربية السعودية تواجدت بأي قوات عسكرية عليهما، حتى خلال فترة النزاع بين الدولة العثمانية ومصر على ترسيم الحدود بينهما.

تيران وصنافير في اجتماع مجلس الأمن رقم 659 بتاريخ 15 فبراير 1954

تيران وصنافير في اجتماع مجلس الأمن رقم 659 بتاريخ 15 فبراير 1954

وأضاف كامل أن تصريح ولي ولي العهد السعودي لعدد من الصحف بأن مصر قامت بتسليم الجزيرتين مقابل الدور السعودي المساند لمصر، يثبت أن المملكة ليس لها حق فيهما.

وفي مرافعة السفير السابق والمحامي، معصوم مرزوق، قال إنه سنة 1945 حدث اجتماع بين روزفلت وملك السعودية آنذاك، ضمن فيه رئيس الوزراء البريطاني للأخير الحفاظ على عرشه وحماية مصالحه. وعلّق معصوم على ذلك أنه من غير المتوقع بعد ذلك أن تطالب المملكة العربية السعودية سنة 1955 من الحكومة المصرية، وكانت وقتها مصر تحت الاحتلال البريطاني، أن تحمي جزيرتي تيران وصنافير بالنيابة عنها.

وأضاف أنه عمل لأكثر من 40 عامًا في وزارة الخارجية المصرية، وذلك بعدما كان ممن حاربوا سنة 1973 لتحرير سيناء، وكذلك رأس إدارة المعاهدات الدولية بالوزارة، وهو ما جعله مطلعًا على هذا الملف مثل غيره من الملفات. وشدد أن «السعودية لم تنازعنا ولا مرة بشكل جدي على ملكية هذه الأرض” لافتًا إلى أن “مصر كانت في حرب مع السعودية في الفترة من 1962 وحتى 1968 في اليمن، واستخدمت المملكة خلال تلك الفترة كل الادعاءات الممكنة ضد مصر، إلا أنها لم تذكر على الإطلاق أن لها جزيرتين في وديعة مصر».

وتقدم بكتاب منشور من وزارة الدفاع به خطط العمليات العسكرية سنة 1956، سواء المصرية أو البريطانية والفرنسية، وقال إن جميعها يثبت أن «تيران وصنافير كانتا مصريتين».

وأضاف «حتى لو احتللنا الجزيرتين طوال هذه الفترة، فالقانون الدولي يعطينا الحق فيهما طالما أن أحدًا لم ينازعنا فيهما كل هذا الوقت».

وقال أيضًا إنه عام 2010، عندما أرسلت المملكة العربية السعودية إخطارًا إلى الأمم المتحدة بالقواعد التي ستتبعها المملكة لتعيين حدودها، فإن مصر اعترضت وقتها على ذلك القرار، مما ينفي ما جاءت به هيئة قضايا الدولة أن قرارًا قد صدر سنة 1990 بتسليم الجزيرتين، مضيفًا أنه «حتى لو صدر هذا القرار فسيكون غير دستوري وفقًا لدستور 1971».

وأكد أنه وفق ما جاء من تصريحات على لسان ولي ولي العهد السعودي من أن مصر سلّمت الجزيرتين في مقابل مساعدات السعودية، وكذلك تصريحات الصحفي مكرم محمد أحمد من أن الملك سلمان أصر على إنهاء أزمة الجزيرتين قبل وصوله إلى مصر، تصبح اتفاقية ترسيم الحدود باطلة بحسب اتفاقية فيينا للمعاهدات الدولية والصادرة سنة 1979. حيث تنص الأخيرة على بطلان أي اتفاقية إذا ما شابها ضغوط على أي من ممثلي الحكومات.

وفي النهاية طلب خالد علي تأجيل مرافعته، ملتمسًا من المحكمة تأجيل الدعوى ليتمكن من الاطلاع على ما قدمته هيئة قضايا الدولة والرد عليه، كما طالب برفض كافة الصور الضوئية للمستندات التي قدمتها هيئة قضايا الدولة وتمسك بعدم الاعتداد بكل الصور التي حملت أختام «صورة طبق الأصل»، لأنها صادرة من الخصم الذي يملك السيطرة المادية والقانونية التي تسمح له بالإخلال بتكافؤ الفرص في هذا النزاع، على حد قوله.

وطلب علي من محامي هيئة قضايا الدولة الإجابة في الجلسة المقبلة على سؤالين وهما: ما هو السند القانوني لتوقيع رئيس الوزراء على الاتفاقية؟ ولماذا رفض وزير الدفاع المصري التوقيع عليها، بينما من وقّع عليها من المملكة السعودية هما ولي ولي العهد ووزير الدفاع السعودي؟

وطالب المستشار الشاذلي، رئيس الدائرة، نائب رئيس هيئة قضايا الدولة بالإجابة على الأسئلة في الجلسة المقبلة، بالإضافة إلى ضرورة أن تقدم الحكومة أصل الخريطة التي تم رسمها سنة 1906 للحدود بين مصر والدولة العثمانية.

اعلان