“التدويل”.. أزمة جديدة تواجه النوبيين في طريق “العودة”
 
 

بعد صدور قرار جمهوري ثاني يهدد أحلام النوبيين بالعودة إلى أراضيهم التي هُجِّروا منها، بدأ عدد من النشطاء النوبيين في اتخاذ خطوات عملية لتدويل قضيتهم، ضمن إجراءات أخرى، في محاولة لضمان “حق العودة” الذي نص عليه الدستور الحالي، وهي الخطوات التي أثار بعضها جدلًا.

المحامي والناشط النوبي محمد عزمي أكد لـ “مدى مصر” أن مجموعات نوبية مستقلة ومنظمات مجتمع مدني تعكف حاليًا على تجميع الحجج والوثائق التاريخية اللازمة للتقدم بشكوى رسمية ضد الحكومة المصرية أمام اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، لوقف تنفيذ القرارين الجمهوريين 444 لسنة 2014، و355 لسنة 2016، وإعادة توطين النوبيين في الـ 44 قرية التي تم تهجيرهم منها، طبقًا للالتزامات التي أقرها الدستور للنوبيين.

وتنص المادة 236 من الدستور المصري على أن “تعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون”، بالإضافة إلى إلزام الدولة بـ “وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها فى مشروعات التنمية وفى أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلى، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذى ينظمه القانون”.

كان إقرار الدستور -في يناير 2014- متضمنًا تلك المادة بمثابة طمأنة للنوبيين بضمان حقهم في العودة لمنطقة النوبة الجديدة الواقعة حول بحيرة ناصر، وتعويضهم عن الأراضي التي تم تهجيرهم منها على أربع مراحل -انتهت في عام 1964- لبناء السد العالي.

غير أن تلك الطمأنينة تعرضت لضربة قاصمة بصدور القرار الجمهوري رقم 444، في نوفمبر 2014، بشأن تحديد المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية، الذي يقضي باعتبار 16 قرية نوبية أراضٍ حدودية عسكرية، والذي أقره البرلمان لاحقًا، في يناير الماضي، قبل أن يصدر السيسي في أغسطس الماضي القرار رقم 355 لسنة 2016 القاضي بإعادة تخصيص 922 فدانا من الأراضي المملوكة للدولة، لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاستخدامها في إقامة مجتمع عمراني جديد “امتداد مدينة توشكى الجديدة”، وهما القراران اللذان اعتبر المجتمع النوبي أنهما قد يقضيا، في حال تطبيقهما، على كل أحلام العودة التي ظن النوبيون أنها أصبحت قريبة المنال.

يقول عزمي إن القرار 444 يضع 16 قرية من القرى النوبية التي يُفترض أن يُعاد تسكين أهالي النوبة فيها ضمن نطاق المناطق الحدودية العسكرية غير المصرح للمدنيين الاستفادة منها أو السكن فيها، كما وضع القرار 355 قرابة الألف فدان من الأراضي الزراعية النوبية ضمن مشروع أراضي توشكى الجديدة التي لن يستفيد منها النوبيون بشكل حصري.

ويضيف: “هناك مماطلات من الدولة لتنفيذ الاستحقاقات الدستورية. المشروعات الاستثمارية تجري على قدم وساق لغير النوبيين، بينما يجد النوبيون أذنًا صماء من المسئولين حينما نطالب بالالتزامات الدستورية، على سبيل المثال، منطقة شرق وادي العلاقي التي تقع ضمن نطاق أراضي العودة أصبحت مطمعًا لكثير من الجهات التي تود بناء كومباوندات ومشاريع عقارية استثمارية، فهي أراضي تطل على النيل مباشرة ومرشحة لأن تكون منطقة حرة نظرًا لاعتبارها منفذًا بريًا كبيرًا يربطنا بالسودان”، ويستكمل موضحًا: “تقع الأراضي النوبية على منطقة تشمل كنزًا للاستثمارات للكثيرين لذلك تماطل الدولة في تسليمها للنوبيين مستخدمة الحجج الأمنية”.

ويرى عزمي أن اللجوء للجنة الدولية هو الحل الوحيد للضغط من أجل عودة حقوق المجتمع النوبي: “لن نسمح للحكومة بالتصرف في هذه المنطقة وسنشكل صداعًا لها حتى يمكننا العودة لأراضينا”. مضيفًا أنه بصدد تقديم طعن أمام المحكمة الإدارية ضد القرار الرئاسي رقم 355 لسنة 2016.

فيما كان القرار 444 على رأس النقاش الذي احتدم إبان مؤتمر “العودة حق” الذي عقدته مجموعة من المنظمات والحركات النوبية في قرية دابود بالنوبة منتصف سبتمبر الماضي، والذي انتهى بعدة توصيات أهمها مخاطبة رئيس الجمهورية بسرعة إصدار قرار جمهوري بإنشاء الهيئة العليا لتوطين وإعمار النوبة القديمة وتعديل قرار 444 بحيث لا يتعارض مع حق العودة. كما قرر المؤتمر منح الحكومة مهلة لمدة ثلاثة أشهر لتنفيذ الاستحقاقات الدستورية الخاصة بحق العودة، يحق للنشطاء النوبيين بعدها “اتخاذ الإجراءات اللازمة”.

من جهته، يصف النائب ياسين عبد الصبور، ممثل النوبة في البرلمان، موقفه لـ “مدى مصر” بإنه “بين نارين”؛ فهو وسط ما وصفه بـ “التعنت الواضح” من الدولة في تنفيذ التزاماتها الدستورية وتفضيلها للتعامل مع الملف النوبي من خلال الأجندة الأمنية فقط، من جهة، يقابله من الجهة الأخرى غضب الشباب النوبي أمام تجاهل قضاياهم.

لكنه على الرغم من ذلك يقول: “لا أعتقد أنه سيتم اللجوء للتدويل حاليا، فطبقًا للاتفاق الذي جرى في مؤتمر “العودة حق”، تم إعطائي فترة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد للعمل مع الحكومة من خلال البرلمان لضمان الاستحقاقات الدستورية”. ويضيف عبد الصبور، الذي ترأس المؤتمر، أنه -بصفته ممثلًا عن النوبيين- سيعمل في الفترة المقبلة على التواصل مع الحكومة والجهات الأمنية من أجل استصدار قرار جمهوري بإخراج الأراضي النوبية من محيط الحدود الأمنية الواردة في القرار 444، أو إبقاء الأراضي النوبية ضمن حزام الحدود الأمنية المذكورة مع إعطاء أبناء النوبة استثناء للسكنى في الأراضي واستغلالها.

ورغم تفهم عبد الصبور لسبب المخاوف الأمنية بالنسبة للنوبة ومطالب أهلها؛ فالتعامل مع وجود مجموعة لها حقوق على الحدود يتم النظر له دومًا كتهديد أمني، حسبما يقول، خاصة مع تواجد مخاوف غير حقيقية من نزعات انفصالية لدى النوبيين، إلا أنه لا يوافق على وجود مثل هذه المخاوف في الحالة النوبية، ويضيف: “هل يمكن لعشرة آلاف أسرة نوبية المطالبة بالانفصال؟ لماذا تصر الأجهزة الأمنية على تصدير فزاعة الانفصال لدى المسؤولين، أرى أن الأمر لا يتعدى كونه مجموعة من الأمنيين “بيسترزقوا” من كتابة التقارير الأمنية، فلا يوجد من هم أكثر وطنية من النوبيين”.

ويحذر عبد الصبور من أن تأجيل الاستجابة للاستحقاقات الدستورية سيخلق مناخًا غاضبًا قد يؤدي لتفجير الوضع في أي لحظة بين الشباب النوبي.

كانت هجمات إعلامية قد طالت النشطاء النوبيين المشاركين في مؤتمر “العودة حق” والداعين لتدويل القضية في حال عدم استجابة الدولة لمطالبهم، إذ اعتبر الإعلامي أحمد موسى في إحدى حلقات برنامجه “على مسئوليتي” أن توصيات مؤتمر “العودة حق” تحمل “رسالة تهديد للدولة المصرية”، كما أشار تحديدًا لحملة جمع التوكيلات لتدويل القضية النوبية من خلال تبني القضية للمحامي أجنبي، وتساءل: “مين هو الناشط اللي بيتولى أهالينا في النوبة؟ مين يديك الحق عشان تعمل تدويل لقضية مصرية؟ والنشطاء دول بيتكلموا باسم مين؟ هل بيتكلموا النشطاء دول باسم حد برة؟ باسم حد جوة؟”.

فيما وصف أحمد ناجي قمحة، رئيس وحدة دراسات الرأي العام والإعلام بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، توصيات المؤتمر بأنها “توصية تحمل التهديد للدولة المصرية بالإستقواء بالخارج، كما أنها تحرض على ارتكاب فعل يمس استقلال البلاد وسلامة أراضيها”، وأضاف في مقال له بعنوان “البرادعاوية والنوبة.. العشق الحرام”أن “هناك فارق كبير بين من يطالب بحقوقه، وبين من يهدد بالحصول عليها عبر اللجوء للمنظمات الدولية، بما يعد مساسًا بمقدرات الدولة المصرية وبسيادتها وبقيادتها”، رابطًا بين ما قام به النشطاء النوبيون وما أسماه بـ “حروب الجيل الرابع”، التي قال إن من أدواتها “جذب أبناء الدولة نحو أعمال تؤدي إلى “زعزعة الاستقرار” لتحويل الدولة المستهدفة إلى دولة فاشلة، تكون أول ملامح “إيجاد أماكن داخل حدود الدولة المستهدفة، لا سيادة لها عليها، عن طريق دعم مجموعات محاربة وعنيفة أو انفصالية للسيطرة على هذه الأماكن. وبخروج جزء من الدولة عن السيطرة، يصبح خارج سيادتها، ما يقودنا إلى ما يطلق عليه إقليم غير محكوم، أو بالأحرى إقليم محكوم من قبل قوى أخرى خارج الدولة، وينتهى الأمر إلى تحويل الدولة إلى دولة فاشلة يستطيع أعداؤها التدخل والتحكم فيها”. كما اعتبر توصيات المؤتمر “تحرض على ارتكاب فعل يمس استقلال البلاد وسلامة أراضيها، حيث لم تحدد هذه التوصية ما هي الإجراءات التي يحق للنشطاء اتخاذها، إلا إن هذه الإجراءات معلومة للجميع، وبدأت بالفعل عبر جمع توكيلات من مواطني  النوبة لمحامي دانماركي دولي “كريستيان هارلنج” من أجل تقديم شكاوى ضد مصر في المنظمات الإقليمية والدولية. وهو ما يمثل إضرارًا بمركز مصر الدبلوماسي أمام العالم”.

وفي حين يؤكد المحامي والناشط محمد عزمي أن المحامي بالفعل يحمل الجنسية الدنماركية، إلا أنه يوضح أنه شخصيًا لا يحبذ رفع القضية من خلاله، موضحًا: “بالفعل هناك حملة توكيلات من أجل توكيل هذا المحامي وأنا أراها خطوة غير موفقة، فمن الأفضل أن يتبنى القضية مصريون حتى لا يتم المزايدة علينا كما يحدث دائمًا”.

أما الناشط النوبي عبد الفتاح مرجان، والذي كان أحد الحاضرين الفاعلين في مؤتمر “العودة حق”، والذي عمل مع باقي المجموعات النوبية لاستصدار توصيات المؤتمر، فيشرح لـ “مدى مصر” أن هناك انقسامًا بين النوبيين حول اللجوء للتدويل كحل للأزمة، مستدركًا: “البعض يرى أن اللجوء للتدويل هو معاداة للدولة، وأنه من الصعب الضغط بهذا الشكل على الحكومة -خاصة في الوضع السياسي الحالي- للاستجابة لمطالب قد تكون فوق طاقتها”، ويوضح أنه بناء على ذلك كانت المهلة التي تم منحها لعبد الصبور خلال المؤتمر حلًا مرضيًا لأصحاب وجهة النظر تلك، لكنه يستكمل: “في المقابل، هناك من يرون أن المهلة لن تؤدي لنتائج جديدة وأنه من المهم اللجوء للتدويل، وهذا حق لهم ولا يمكن لومهم على ذلك”.

فيما يرى الناشط النوبي محمد الشيخ أنه لا توجد مشكلة في توكيل محامي أجنبي للعمل على القضية، طالما أنه محام مُعتمد وخبير في مثل هذه القضايا، ويضيف: “لا يجب أن نخضع للابتزازات التي تتهم النوبيين بالاستقواء بالخارج، التدويل فكرة قديمة طرحناها في مؤتمرات سابقة، كان آخرها عام 2010 بأسوان إبان حكم مبارك. اللجوء للقضاء الدولي حق طبيعي، والدستور المصري ينص على أن الاتفاقيات التي توقع عليها الحكومة لها قوة القانون في كل الأحوال”.

أما الناشطة الحقوقية النوبية فاطمة إمام فتوضح أنها مؤيدة للجوء للتدويل، وتقول: “لقد وصلنا لمرحلة لم نعد فيها قادرين على التعامل مع الحكومة. توقعنا في 2014 أن الدولة قد غيرت أخيرًا نظرتها في التعامل مع النوبيين، لكن الوقت أثبت لنا أن كل هذه الضمانات الدستورية مجرد حبر على ورق”.

ولكنها على الرغم من ذلك لا ترى أن خطوة التدويل ستأتي بأي نتائج إيجابية. وتوضح أن هناك مشكلات قانونية مرتبطة باللجوء للتقاضي الدولي، أولها أن النوبيين لم يستنفدوا بعد كل مستويات التقاضي أمام المحاكم المصرية، “فما زال أمامنا باب الطعن أمام القضاء الإداري ضد القرارين 444 و355، وهو ما قد يأخذ وقتًا طويلًا في التقاضي”. كما أن عدم تصديق مصر على البروتوكولات المؤسسة للعديد من العهود الدولية يضع عراقيل كبيرة أمام اللجوء للتقاضي الدولي، حسبما تقول، “بحيث لا يتبقى لنا سوى اللجوء لآليات خاصة بمقرري الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أو اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ورغم ما تمثله هذه الحلول من إحراج للحكومة على المستوى الدولي، إلا أنها لا ترغم الدولة على اتخاذ أي خطوات فعلية للتغيير”.

وتشير إمام في هذا الصدد إلى قرار اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في مارس 2013 بإدانة الحكومة المصريةبشأن الاعتداءات الجنسية والجسدية التي تعرضت لها مجموعة من الناشطات والصحفيات في يوم “الأربعاء الأسود” أثناء مظاهرات الاحتجاج على تعديل الدستور في 5 مايو 2005. حيث طالبت اللجنة الحكومة بإعادة فتح التحقيقات في الاعتداءات، والتي كان النائب العام قد أغلقها في 2005 وتقديم الجناة للمحاكمة، مع تقديم تعويض بمبلغ سبعة وخمسين ألف جنيه مصري لكل من الشاكيات الأربعة في الدعوى.

وتقول إمام: “إيه اللي حصل بعد كده؟ إيه الإجراءات اللي اتخذتها الحكومة؟ ولا حاجة، ولا الهوا”.

وتختتم الناشطة الحقوقية بقولها إن الدولة ترى في النوبيين مجموعة تثير المشاكل والهواجس الأمنية على الحدود، وتضيف: “لا تدرك الحكومة المصرية أن عدم حل المشاكل وعدم إعطاء الحقوق لأصحابها هو ما يؤدي لتفاقم المشاكل الأمنية”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين