السلام والثورة المضادة في كولومبيا
 
 

ترجمة: عايدة سيف الدولة

صباح اليوم الجمعة، أُعلن عن منح الرئيس الكولومبي، خوان مانويل سانتوس، جائزة نوبل للسلام نظير جهوده في إبرام اتفاق السلام مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، المعارضة، في أغسطس الماضي، بعد أكثر من نصف قرن من الصراع الدامي، رغم أن الشعب الكولومبي كان قد رفض الاتفاق في الاستفتاء الذي جرى في الثاني من أكتوبر الجاري.

كان فارق الأصوات بين الرافضين والموافقين على الاتفاق صغيرًا، حيث جاءت نتيجة التصويت بفارق 53 ألف و894 صوتًا لصالح “لا”. نسبة الامتناع عن التصويت كانت عالية، حوالي 62%، في بلد يملك فيه 34 مليون و899 ألف و945 شخصًا حق التصويت، إلا أن 12.5 مليون فقط أدلوا بأصواتهم. لكن من المنظور الانتخابي، كانت النتيجة واضحة. فازت “لا”، ومن ثم لا يمكن تطبيق اتفاقية السلام.

البلاد اليوم في حالة شلل. مدت الحكومة فترة وقف إطلاق النار حتى يوم 31 أكتوبر، وبدأت المفاوضات مع معارضي الاتفاق. من جانبها مازالت (فارك) ملتزمة بالسلام، إلا أن هناك شائعات بأنها طلبت من قواتها (حوالي 5700 امرأة ورجل) أن تبدأ التراجع إلى مواقع أكثر أمنًا. أما الكولومبيون ما زالوا منقسمين بشدة إزاء نتائج الرفض والموافقة.

في وسط كل ذلك تبرز ثورة مضادة.

“لا” صغيرة.. “لا” كبيرة

وفقًا للتصويت، لم ينحز جانب “لا” لإنهاء العداء بين الجيش الكولومبي والقوات المسلحة الثورية بموجب الاتفاقية فحسب، وإنما رفضوا أيضًا الوثيقة المعقدة ذات الثلاثمائة صفحة التي تم التفاوض بشأنها مع أطراف ثالثة شملت بلدان أخرى و”المجتمع الدولي” ومؤسسات دولية، تراوحت ما بين مجلس الأمن والبنك الدولي (بغض النظر عن قيمتها).

حجم الوثيقة والوقت الذي استدعاه تحضير الاتفاقيات يعكسان تعقيد الصراع الكولومبي، وجسامة الأمور المرتبطة به والجذور العميقة للموضوعات محل التفاوض. فالأمر لا يتعلق فقط بإنهاء النزاع، وإنما، قبل كل شيء، بمحاولة التعامل مع العناصر الهيكلية الخاصة بتلك الحرب التي لا تبدو لها نهاية: إعادة توزيع الأرض، التمثيل السياسي، أمان الأصوات الجديدة والمعارضة، آليات العدالة الانتقالية التي تسمح بذكر الحقيقة لتحديد ما حدث.

مثلما ذكرت هنا، تحملت كولومبيا على مدى ستين عاما – عمر كامل – الحرب الأهلية في الماضي القريب، إضافة إلى قرنين من حكم الجمهوريين في الماضي البعيد، وخمسة قرون من الاستعمار الأوروبي في الماضي السحيق.

يبدو أن البلاد – أو على الأقل نسبة كبيرة من سكانها – تتوافق على أن النزاع له جذور استعمارية، وأن دائرة العنف والهيمنة التي بدأت بالاحتلال الإسباني تفاقمت خلال التاريخ الجمهوري غير الناضج لكولومبيا، بما حمله من حروب طويلة بين الطرفين، وفقر شديد، ونخبة عدوانية. وقد تجسدت نتائج هذا الاحتلال وتاريخنا في مرحلة ما بعد الاستعمار في مستويات فلكية من عدم المساواة الاقتصادية وتركيز ملكية الأراضي والانقسام الاجتماعي ما بين المناطق (داخل المدن وعبر البلاد)، والبطالة والنزوح الداخلي (يتراوح عدد النازحين داخليًا في كولومبيا ما بين ستة إلى ثمانية ملايين نسمة)، والجريمة، حيث ترتبط الأخيرة بطبيعة الحال على وجه الخصوص بإنتاج وتجارة المخدرات، وهي التجارة التي يتفق الكثيرون في كولومبيا أيضًا على أنها أصبحت الصناعة الوحيدة القادرة على الاستمرار في أمة غير صناعية، لازالت تترنح جراء 25 عامًا على الأقل من التكيف الهيكلي وسياسات “التجارة الحرة”، وكلها مشكلات ملموسة بشدة، فالواقع صوته عالٍ في كولومبيا.

Lights in contrast (Bogotá, 2009). Luis Eslava

Lights in contrast (Bogotá, 2009). Luis Eslava

“لا” الظاهرة

تباينت بشدة أسباب التصويت بـ”لا”. من الهام للغاية إدراك ذلك، لأن هناك منطقين حكما هذا التصويت: أحدهما ظاهر والآخر خفي، والموقفان يلعبان لعبة خطيرة في هذه اللحظة على التليفزيون والكمبيوتر وشاشات الهواتف المحمولة، وعلى فيسبوك وتويتر، وفي غرف المقار الحزبية، وفي أذهان كافة الكولومبيين بطريقة أو أخرى.

على مستوى الخلاف الظاهر يبدو أن هناك ثلاث مجموعات رئيسة ضمن من صوتوا بـ”لا”. أحدها تعترض ببساطة على فكرة الترحيب بالمقاتلين في الحياة المدنية، إما لأن هؤلاء المصوتين كانوا أنفسهم ضحايا مباشرين لـ”فارك” أو لأنهم يرون أن الحل الوحيد للتقدم هو شن حرب شاملة ضد القوات المسلحة الثورية. هذا الموقف يطلق عليه في كولومبيا اسم “تجار الحرب”.

يلي هذه المجموعة قطاع آخر ممن صوتوا بـ”لا” يعارضون الاتفاقيات لسببين: إما أنهم يشعرون أن اتفاقيات السلام شديدة التساهل أو الكرم مع المقاتلين فيما يتعلق بالعدالة الجنائية والتمثيل السياسي في المستقبل (إفلات أكثر من اللازم من العقاب)، أو أنهم يصرون على أن الاتفاقيات ككل تفتقد إلى الشرعية، إلى جانب كونها فاشلة في معاقبة الفدائيين عقابًا ملائمًا. هنا ينجم عدم الشرعية من شعور بأن المفاوضات لم تشمل كافة أصحاب المصلحة، أو أن الوثيقة النهائية لم يتم إعلانها بما يكفي أو شرحها للرأي العام.

فيما يلي بعض الأمثلة على التعليقات التي نسمعها من تلك المجموعة: “الاتفاقيات صيغت بشكل سيئ”، “يبدو أنهم يمنحون مساحة أكبر من اللازم للمقاتلين”، “إننا نمنحهم البلاد مجانًا”، “يمكن أن نتفاوض على ما هو أفضل”، “خفت من مستقبل غامض فصوتت بلا”.

وأخيرًا هناك مجموعة ثالثة لا يعجبها الأسلوب الذي دارت به المفاوضات، بمعنى الآلية أكثر منها المحتوى. مثلما هو الحال في المجموعة الثانية، يشعر المصوتون ضمن هذه المجموعة بأنه لم يتم التعامل مع الاتفاقيات كما ينبغي، وأن المقاتلين كانوا مترددين في بداية المفاوضات، وأنهم لم يبدو قدرًا من التعقل إلا أخيرًا، وأن الرئيس خوان مانويل سانتوس، محبطا نتيجة عدم قدرته على السيطرة على الأمور، انتهى به الأمر إلى التلاعب بالبلاد من خلال تنظيم استفتاء لاعتماد الاتفاقية كاملة بعد أن تم التوقيع عليها في العاصمة الكوبية هافانا. بالنسبة لهم، ربما لو أن سانتوس قد طرح الاستفتاء بشكل مختلف، لكانوا صوتوا بـ”نعم”. المهم هو أن هذه المجموعة، مثل مجموعة الثانية، ينحازون إلى التفاوض بشأن الوصول إلى حل للنزاع. إنهم يعتبرون أنفسهم منحازين إلى جانب السلام، لكن بطريقة أخرى، وليس بطريقة “اتفاقيات السلام”. إنهم ليسوا من تجار الحرب.

“لا” الخفية

هناك أيضًا مجموعة من الأسباب الخفية التي دعمت موقف الرفض خلال حملة ما قبل الاستفتاء، ولا زالت تدعم هذا الموقف بعد الإعلان عن النتائج. كان جرامشي سيشمل هذه الأسباب ضمن مساحة المنطق. ترتبط هذه المجموعة بالظروف الهيكلية الأوسع في كولومبيا، وإن بقيت خافية عن الجدال اليومي، لا يتم التعبير عنها بشكل كامل أبدًا، وإن كانت تبرز من حين لآخر في النقاش، محاولة أن تؤثر بدرجة ما على المقترحات السياسية بشأن الخطوة التالية.

في رأيي أن هذه الأسباب الخفية تجعل الموقف الرافض للمجموعة الأولى، تجار الحرب، خطيرا للغاية، كما تجعل موقف مجموعتي الرفض الأخريين شديد الإشكالية، في أحسن الأحوال.

بعض هذه الأسباب الخفية اتضحت فورًا بعد الإعلان عن النتائج، حين أصبح من الواضح أن المناطق الهامشية الأكثر تأثرا بالنزاع، الريفية في كثير من الأحوال، قد صوتت بـ”نعم”، على حين صوتت المناطق الحضرية الأقل تأثرًا بـ”لا”.

هذا التوزيع الانتخابي لا يعني بالضرورة (مثلما تطرح العديد من التقارير الدولية) أن الأثرياء صوتوا بـ”لا” والفقراء بـ”نعم”، أو أن ضحايا النزاع صوتوا بـ”نعم” وسكان الحضر وكبار ملاكي الأرض وأصحاب المصانع صوتوا بـ”لا”، بسبب أمانهم النسبي. مثلما ذكرت أعلاه وهنا الأسبوع الماضي، النزاع في كولومبيا قديم وعميق في جغرافيا البلاد ونسيجها الاجتماعي. وقد تأثر به الجميع بصورة أو بأخرى.

إلا أنه يظهر أن السكان الذين عانوا طويلًا من الآثار المباشرة للعنف ويواجهون في المستقبل مخاطر العنف المباشر في حال اشتعال النزاع من جديد، هم من يدعمون اتفاقية السلام. وليس من قبيل المفاجأة أن هذه المناطق هي أيضًا بعض من أفقر المناطق في البلاد، مناطق لازال يسود فيها التركيز الشديد لملكية الأراضي، وحيث الظروف المعيشية للسكان من صغار المنتجين شديدة السوء.

Plebiscite results. Green: Yes. Orange: No. Registraduría Nacional, Colombia.

Plebiscite results. Green: Yes. Orange: No. Registraduría Nacional, Colombia

هذا هو الحال، على سبيل المثال، في بوجايا، وهي بلدية في قطاع شوكو على المحيط الهادي. لقد عانى سكان بوجايا من مذبحة بشعة بواسطة القوات المسلحة الثورية في مايو 2002، قتل خلالها 119 من المدنيين. وقد دعم سكان بوجايا اتفاقيات السلام ككتلة واحدة، مثلما كان الحال في مجمل شوكو، حيث صوت 96.15% من السكان بـ”نعم”. المصوتون بـ”نعم” في هذه القطاعات من البلاد يراهنون على مستقبل مختلف، وغفروا لواحد من أبرز الممارسين للعنف في مناطقهم.

رغم ذلك، وفي نفس الوقت تظهر نتائج الأحد الماضي أيضًا أن المناطق الرئيسة والمدن في منتصف البلاد أصبحت ملجأ للكثيرين من النازحين نتيجة الحرب، ومن ثم أصبحت مناطق كارهة للغاية للمقاتلين والنزاع. كمثال جيد على ذلك، يمكننا النظر إلى كيفية تصويت الأحياء المختلفة في بوجوتا. بشكل عام ساهمت المدينة بأعلى تصويت بالموافقة على المستوى الوطني. ولكن إذا نظرنا إلى الأعداد بحسب كل منطقة في المدينة سوف نجد أن بعض أفقر المناطق صوتت بـ”لا”، مثل أوسمه، بوسا، سيوداد بوليفار. يمكننا قول الأمر نفسه بالنسبة للقطاعات القريبة من الحدود مع فنزويلا، حيث استشعرت الحرب الأهلية الكولومبية بشدة في العقود الأخيرة، وحيث اقتنع الكثيرون بأن الخيار الوحيد هو التصويت بـ”لا” هلعًا من إمكانية “ثورة شيوعية” (بالنظر إلى جيرانهم الغارقين في أزمة اقتصادية).

إذًا أحد الأسباب الخفية للتصويت بـ”لا” يخص القطاع الكبير من السكان الكولومبيين الباحثين عن “قبضة قوية”. فقد سأم هؤلاء الرافضين للاتفاق من الحلم بمستقبل أفضل وعدم الثقة في الحاضر. إنهم يرغبون في ما هو حقيقي. إنهم يرغبون في وجود عسكري وبوليسي في الشوارع والمناطق الريفية. إنهم يرغبون في السيطرة وشعور بالنظام، وكلما كان ذلك أقرب كان أفضل.

وجوه “لا” الخفية

الأسباب الخفية الأخرى وراء التصويت برفض الاتفاق ترتبط ارتباطا مباشرا بالنقطة الأخيرة. فهنا يجب أن تتوجه أنظارنا إلى وجه ألفارو أوريبي، رئيس البلاد في الفترة من 2002 إلى 2010 وعضو الكونجرس الحالي عن حزبه الوسط الديمقراطي.

يمثل أوريبي نموذج الشخص القوى، الرجل المناسب، رجل اللحظة. الكثيرون يستمعون له، إنه يتحدث بالمنطق. إنه من كبار ملاك الأراضي، محب للخيول، ثري، واثق من نفسه، محافظ في ملبسه، لا يخاف الهجوم على أعدائه، خبير في التلاعب بالمؤسسات وتجنب الهجوم والتحقيقات، كاره لكل ما هو شيوعي، اشتراكي، كوبي، فنزويلي أو ما شابه. قُتل والده بواسطة القوات المسلحة الثورية في عام 1983 أثناء محاولة اختطاف، ويميل إلى استخدام القوة، ومن ثم فقد سيطر على الخيال الجمعي لقطاع كبير من كولومبيا لما يقرب من خمسة عشر عامًا.

فيما يتعلق باتفاقيات السلام، برز أوريبي كقائد طبيعي لحملة الرفض. وباستخدام كافة خصاله الشخصية رفض كل دعوة للمشاركة في مائدة المفاوضات. وبدلا عن ذلك سعى إلى إجهاض المناقشات في كل فرصة سنحت له.

فور إعلان نتائج الاستفتاء وفور اتضاح أنه ومؤيديه قد “فازوا” بدأ أوريبي في وضع خطته لإعادة كتابة اتفاقيات السلام التي تمت صياغتها بكثير من المعاناة. نتيجة لذلك التف حوله كل من تجار الحرب والمصوتين الذين كان جل اهتمامهم هو مسألة الإفلات من العقاب، إضافة إلى قطاعات أخرى من المصوتين بـ”لا” الذين ظلوا، حتى الأسبوع الحالي، بعيدين عن المشهد العلني.

طرح أوريبي أربع نقاط على المائدة، لا تعكس أي منها الحجج التي استخدمتها حملة الرفض ضد حملة الموافقة في الفترة السابقة على الاستفتاء. وقد غابت الحجج ذات الصلة بعدم الشرعية والإفلات من العقاب من مقترحات حملةالرافضين في فترة ما بعد الاستفتاء. بدلًا من ذلك بدأ صوت الآخرين، تحالف التصويت بـ”لا” الأكثر خفاءً، في الظهور على السطح.

بدايةً، ودون ذكر لأن هذا الأمر محوري في اتفاق السلام الأصلي، طالب أوريبي بالعفو للمقاتلين من الرتب الصغيرة. وجه الاختلاف هو أن أوريبي لم يحدد كيفية تطبيق هذا العفو. وعلى وجه الخصوص لم يذكر إذا كان يرغب في اشتراط “ذكر الحقيقة” للحصول على هذا العفو (وهو الأمر الذي نصت عليه الاتفاقيات الأصلية صراحة).

فُهم هذا الجانب من مقترح أوريبي بشكل عام على أنه تكرار لأساسيات الاتفاقية ومن ثم أنه، والرافضين بشكل عام، ليس لديهم اعتراض ذي شأن على تعزيز “الإفلات من العقاب” في إطار الاتفاق المنعقد بهافانا. ومن ثم اعتبر الإعلام والرأي العام أن هذا الاقتراح دليل على أن أوريبي يحاول كسب مساحة سياسية والاستيلاء على عملية السلام لطرحها باعتبارها مبادرة منه. إلى هنا، والأمر ليس سيئًا للغاية.

ثانيًا، وهنا تبدأ الأمور في التعقيد، أعلن أوريبي أنه من الهام تقليص العنصر الاجتماعي في اتفاقيات السلام، خاصة فيما يتعلق بالإصلاح المالي الذي يصاحب العملية الانتقالية لتمويل الالتزامات الاجتماعية للاتفاقيات. بحسب أوريبي، سوف يؤدي الإصلاح المالي إلى زيادة الضرائب على المستثمرين الأجانب، وهو القطاع الذي طالما دعمه بوضوح لسنوات كثيرة. كما أصر على أن اتفاق سلام يعرض “المبادرات الخاصة” للمخاطر سوف يدمر أي فرصة للسلام في المستقبل. بمعنى آخر، النيوليبرالية مقدمة على ما عداها.

ثالثًا، يريد أوريبي مد قواعد العفو الخاصة بالمقاتلين إلى أفراد من الجيش الرسمي. وقد أطلق على هذا المقترح اسم “فسحة قضائية” للعديد من ضباط الجيش ممن لم يقترفوا جرائم حرب خطيرة. وفي رأيي أن هذا المقترح شديد الخطورة. فهو لا يذيب الفروق بين القوات النظامية وغير النظامية ولا يشترط العفو بذكر “الحقيقة” فحسب، بل يشير إلى أن أوريبي يمد يده للأفراد غير الراضين من الجيش الذين كانوا حتى هذه اللحظة إلى جانب الحكومة وعملية السلام. الأمر يتعلق هنا بقوة ضاربة في شكل سلطة سيادية خالصة. حيث للحكومة أن تقرر الاستثناءات، خاصة إذا كانت الدولة هي من تمارس العنف. هذا أمر جلل يكاد يتساوى مع الإفلات من العقاب.

رابعًا وأخيرًا، دعا أوريبي للالتفات إلى الأصوات المعارضة على اليمين باعتبارهم “ممثلين” هامين للمجتمع المدني، الذي يجب أن يكون طرفا في مفاوضات السلام ما بعد الاستفتاء، وخاصة القيادات الدينية و”القيادات الأخلاقية” (خاصة الشخصيات الوطنية المسيحية) وقيادات أخرى بارزة من المصوتين بالرفض، بينهم الرئيس المحافظ السابق، أندريس باسترانا، والمحقق العام، أليخاندرو أوردونيز، الذي فقد منصبه أخيرًا نتيجة فساد في عملية توليه المنصب لفترة ثانية.

أوردونيز، الذي اشتهر في البلاد لحرقه كتبًا “شريرة” خلال سنوات دراسته الجامعية، ولرفضه التام للإجهاض، ولحملاته من أجل الحفاظ على “القيم الأسرية”، تحدث علانية على “أيديولوجيا النوع الاجتماعي” الواضحة في الاتفاقيات، حيث يرى أوردونيز، ومثله القيادات الدينية والأخلاقية التي ذكرها أوريبي، أن ذكر السكان من ذوات الجنسانية غير النمطية في الاتفاقيات هو مزيد من نشر أيديولوجيا خطيرة يجب منعها بأي ثمن. ومن ثم أصبحت حقوق حركة ذوي الجنسانية غير النمطية، التي ناضلوا من أجلها من خلال قنوات رسمية في المحكمة الدستورية في كولومبيا والمشرعين، محل معارضة كجزء من الاعتراض على اتفاقيات السلام. هنا تضرب القبضة القوية مرة أخرى، هذه المرة في أكثر أشكالها ذكورية وحرصًا على الجنسانية الغيرية باعتبارها الشكل الوحيد المقبول.

الثورة المضادة

مع تجمع المواقف المختلفة من بين المصوتين بـ”لا” يكشف أنه من دقيقة لأخرى ومن ساعة لأخرى تبرز ثورة مضادة في كولومبيا تحت رعاية نتائج التصويت يوم 2 أكتوبر 2016، حيث تندمج الأسباب المرئية والخفية تحت دعوى أننا، نحن الكولومبيين، قد أعلنا أنفسنا: مطالبين بالقبضة القوية.

نتيجة لذلك فحجج “لاشرعية” الاتفاقيات، و”الإفلات من العقاب” الذي تسمح به وافتقادها للجوانب الاجتماعية، استبدلت الآن بطرح أجندة ما بعد النزاع تستند إلى اقتصاد سياسي أكثر تقييدًا، ومزيد من العنف والتمييز وحقوق أقل للأقليات.

وعلى حين تتبلور تلك الثورة المضادة، تلاحظ البلاد كيف أن الخريطة الانتخابية، الملونة بالأخضر والبرتقالي نتيجة الممارسة الديمقراطية يوم الأحد الماضي، تعكس الآن وجود أفكار محافظة عميقة ومصالح النخبة والمخاوف عميقة الجذور. مثلما هو الحال مع استفتاء بريكست في المملكة المتحدة، تبرز خريطة كولومبيا الانتخابية بسبب نتائج الاستفتاء لتحكي حكاية كراهية واستبعاد.

إنه أمر يثير الكثير من القلق بالنسبة لمجتمعات الجنسانية غير النمطية. حتى خلال الفترة السابقة على الاستفتاء كانت صورا كاريكاتيرية تدور على صفحات التواصل الاجتماعي باعتبار أن التصويت بـ”نعم” يدور على أرضية المثلية الجنسية، حيث صُوٍر تيموشنكو، القائد الرئيسي للقوات المسلحة الثورية وأحد أبرز الشخصيات المشاركة في مفاوضات السلام في هافانا، وهو يضاجع الرئيس خوان مانويل سانتوس، في لوجو على شكل نعم، ما غزا رأيًا سائدا بأن البلاد من خلال توقيعها على اتفاقية السلام تتنازل عن “فحولتها” جنبًا إلى جنب مع سيادتها.

photo-3

تيموشنكو، القائد الرئيسي للقوات المسلحة الثورية، والرئيس خوان مانويل سانتوس، في لوجو على شكل نعم.

لقد أصبح مؤيدو التصويت بـ”لا”، الذين نشروا هذه الصورة، في مقدمة المناقشات بشأن مستقبل البلاد. إنهم لا يدفعون في اتجاه استخدام القبضة القوية مع القوات المسلحة الثورية فحسب، بل يروجون أيضًا لاحتقارهم لمجتمعات الجنسانية غير النمطية، كما لو كان هذا الاحتقار مشمول بشكل مباشر ضمن إلى 6 ملايين و431 ألف و376 صوتًا بالرفض، وبالتالي مجمل البلاد الملزمة بالموافقة على نتائج الاستفتاء.

الثورة في المضارع

لخص فياي براشاد الوضع الحالي بوضوح: “لو أن نتيجة التصويت كانت في اتجاه مخالف لأمكن لكولومبيا أن تظهر للعالم أن حتى الحروب الأهلية العصية يمكن أن تنتهي. كان يمكن أن يكون في ذلك رسالة لسوريا والكونغو، رسالة بقدرة المفاوضات الوصول إلى عقد اجتماعي جديد. لكن ذلك لم يحدث. حتى في أثناء ما يحاول الرئيس سانتوس وقيادة القوات المسلحة الثورية الاحتفاظ بتفاؤلهم بشأن الوصول إلى اتفاق، تشير عودة السيد أوريبي إلى أن كولومبيا قد تدير ظهرها لسلام حقيقي.”

مع مواجهة هذا الواقع والتشاؤم الذي ألقى به على البلاد، لازال من الضروري أن نتذكر أنه يوم 2 أكتوبر فاز التصويت بـ”لا” على التصويت بـ”نعم” بما لا يزيد عن حفنة أصوات.

مثلما ذكرت قبل الانتخابات، لقد كان الاستفتاء فرصة للكولومبيين أن يصروا مع أنفسهم وأن يقولوا فيما بينهم أننا لسنا الصورة النمطية عننا. وأن يظهروا لأنفسهم أنهم على وعي بتاريخهم. أعتقد أن هذا هو ما حدث يوم الأحد الماضي بين من صوتوا بـ”نعم”، وهو ما زال يحدث لهم ولمن يدركون حدود التصويت بـ”لا”.

أثناء كتابة هذه السطور، أكدت المجتمعات الأصلية على اختيارهم التصويت بـ”نعم” للسلام ولاتفاقيات السلام. كما أن الأطفال عبر البلاد صوتوا بـ”نعم”.

ووقفت حركة الجنسانية غير النمطية وأكدت مرة أخرى على انحيازها لاتفاقيات السلام. وهم جاهزون للتصدي للفكرة الخالية من المنطق بشأن “أيديولوجيا النوع الاجتماعي”، وللمطالبة المباشرة بحقوقهم وموقعهم في حاضر ومستقبل كولومبيا.

كما صوت الطلاب بـ”نعم”، وهم يتظاهرون في هذه اللحظة في كافة أنحاء كولومبيا مطالبين “بالسلام الآن”.

Marcha por la Paz (Carrera 7, Bogotá, 5 October 2016) Natalia Angel

Marcha por la Paz (Carrera 7, Bogotá, 5 October 2016) Natalia Angel

Marcha por la Paz (Plaza de Bolívar, Bogotá, 5 October 2016) Paola A. Acosta

Marcha por la Paz (Plaza de Bolívar, Bogotá, 5 October 2016) Paola A. Acosta

إذ ينهار حطام التاريخ أمام أقدامنا يجب علينا، نحن الكولومبيين والسائرين معنا على نفس الدرب، أن نتذكر أن عوالم أخرى ممكنة. هكذا علمنا التاريخ. يجب أن نلتقط ذكريات أوقات أخرى أفضل من هذه وهي تمر من أمام عيوننا. هذه الصور لا تكشف عن نفسها، كما حذرنا والتر بنجامين، إلا في لحظات الخطر. ومهمتنا هي أن نستجمع شجاعتنا لنجعلها حقيقة.

ملحوظة: يجب أن أشكر روز بارفيت وجنيفر ايفانز على تعليقاتهما واقتراحاتهما ودعمهما الكريم في التحرير. كذلك شكري لناتاليا أنجل وباولا أندريا أكوستا للسماح لي باستخدام صورهم لمسيرة السلام يوم 5 أكتوبر 2016. وكل قصور في هذا المقال هو لي.

نشرت نسخة سابقة من هذا المقال في كريتيكال ليجال ثينكينج

اعلان
 
 
لويز اسلافا