شمعون بيريس بعيون ضحاياه

بمناسبة موت شمعون بيريس، نشر موقع “الانتفاضة الإلكترونية” مقالًا للمؤرخ الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيلان بابيه، يسرد فيه وقائع حياة الرئيس الإسرائيلي الأسبق، المعروف في الدوائر الغربية كـ”رجل سلام”، ويفضح دوره الحقيقي في تشريد الشعبين الفلسطيني واللبناني. ينشر “مدى مصر” ترجمة المقال هنا كاملًا.

***

لا شك أن قصائد نعي شمعون بيريس كانت قد صيغت قبل وفاته، منذ كشفت وسائل الإعلام عن نقله للمستشفى.

أما الحكم الأخلاقي على مسيرة حياته فقد صدر بالفعل من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي قال إن بيريس كان رجلًا غيّر مسيرة التاريخ الإنساني في سعيه الحثيث خلف السلام في الشرق الأوسط.

لكن يبدو لي في المقابل إن القليلين جدًا ممن ينعون بيريس سيتريثون قليلًا ليعيدوا قراءة حياته وأعماله بعيون ضحايا الصهيونية وإسرائيل.

فالرجل شغل مناصب سياسية عديدة كان لها تأثير كبير جدًا على حياة الفلسطينيين أينما كانوا، إذ شغل منصب مدير عام في وزارة الدفاع قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع، ووزيرًا لتنمية الجليل والنقب، ثم رئيسًا للوزراء ورئيسًا للجمهورية.

خلال كل هذه السنوات وعبر كل هذه المناصب، كانت القرارات التي اتخذها والسياسات التي تبناها تساهم في تدمير حياة الشعب الفلسطيني، دون أن يقدم في المقابل على أي فعل يخدم قضية السلام والمصالحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ولد شيمون بيرسكي [كما هو اسمه بالبولندية] في العام 1923 في بلدة كانت ضمن الأراضي البولندية وقتها، قبل أن يهاجر في العام 1934 إلى فلسطين، ثم يلتحق في سنوات مراهقته بمدرسة زراعية وينشط في العمل السياسي ضمن الحركة الصهيونية العمالية، التي قادت مسيرة الصهيونية قبل قيادتها لدولة إسرائيل الوليدة لاحقًا.

ككادر شاب في الحركة الصهيونية، لفت بيريس وقتها أنظار قيادات الهاجاناه.

القنبلة النووية

وبحلول العام 1947 كان بيريس قد أصبح عضوًا عاملًا في في الهاجاناه. وقتها أرسله قائده آنذاك ديفيد بن جوريون ليشتري من الخارج أسلحة استُخدمت عام 1948 في التطهير العرقي للفلسطينيين في حرب فلسطين- ونكبتها – ضد الوحدات العسكرية العربية.

عاد بيريس لإسرائيل، ليشغل منصب مدير عام وزارة الدفاع، بعد سنوات في الخارج قضى معظمها في الولايات المتحدة، وشهدت صفقات السلاح التي تعاقد عليها، كما شهدت جهوده لبناء البنية التحتية للصناعة الحربية الإسرائيلية.

شارك بيريس في تمرير تواطؤ إسرائيل مع المملكة المتحدة وفرنسا في غزو مصر عام 1956، وهي العملية التي كافأت فرنسا إسرائيل عليها، بتزويدها باحتياجاتها لبناء محطة نووية، وأشرف بيريس على البرنامج السري للتسليح النووي الإسرائيلي بعدها.

ومن ناحية أخرى، أظهر بيريس حماسًا كبيرًا تحت قيادة بن جوريون لعملية تهويد الجليل. فرغم التطهير العرقي عام 1948 بحق الفلسطينيين، بقى هذا الجزء من إسرائيل ريفًا فلسطينيًا بامتياز.

كان بيريس هو من أطلق فكرة مصادرة أراضي الفلسطينيين لصالح بناء مدن يهودية خالصة كالكرمل و الناصرة العليا، وفكرة توطين الجيش على نحو يضمن منع التواصل بين القرى والمدن الفلسطينية، وتحويل الفلاحين لعمالة مهمشة وطبقة عاملة محرومة.

هذه الحقيقة الكئيبة لا تزال حية إلى الآن.

بطل المستوطنين

اختفى بيريس من المشهد السياسي لبعض الوقت بعد إزاحة قائده السابق بن جوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل في العام 1963، على يد جيل جديد من القادة. وعاد لاحقًا بعد حرب 1967 لتولى منصب وزير المستوطنات، متوليًا عبر منصبه منح الشرعية لتوسع الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومع وصول حزب الليكود المؤيد للاستيطان للحكم في العام 1977، كانت البنية التحتية للمستوطنات اليهودية، وبالذات في الضفة الغربية، قد جعلت من حل الدولتين أمرًا مستحيلًا.

وفي العام 1974، كانت مسيرة بيريس السياسية قد أصبحت مرتبطة بشدة بمسيرة خصمه إسحق رابين. لم يكن أي منهما يحتمل وجود الآخر، لكنهما اضطرا للعمل جنبًا إلى جنب من أجل مصلحتهما السياسية.

ففي ما يتعلق باستراتيجية إسرائيل تجاه الفلسطينيين، جمعت بين الاثنين الرؤية الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية، التي تشتهي التهام أكبر قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، مع الإبقاء على أقل عدد ممكن من الفلسطينيين عليها. وعمل الاثنان معًا، وكتفا بكتف، على الإخماد الوحشي للانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987.

كان أول منصب تولاه بيريس، ضمن شراكته العسيرة تلك، هو منصب وزير الدفاع في حكومة رابين عام 1974. وكانت أول أزمة حقيقية يواجهها بيريس هي التوسع الكبير في حركة جوش ايمونيوم الاستيطانية اليهودية في نابلس بالضفة الغربية، ففي حين اتخذ رابين موقفًا مناهضًا لتلك المستوطنات الجديدة، ساند بيريس المستوطنين وأيَّد بناء تلك المستعمرات التي أصبحت تخنق نابلس حاليًا بفضل جهوده.

وفي العام 1976 كان بيريس – ضمن دوره كرأس حربة لسياسة الحكومة وقتها في الأراضي المحتلة- يشرع في تنفيذ سياسة جديدة تشمل عقد صفقة مع الأردن، تتضمن فرض الأخيرة ولايتَها على الضفة الغربية في ظل هيمنة إسرائيلية فعلية.

وبناء عليه، بادر بيريس بتنظيم انتخابات بلدية في الضفة الغربية، لكن نتيجتها خيَّبت أمله، بعدما أسفرت عن فوز مرشحين منتمين لمنظمة التحرير الفلسطينية بدلًا من المرشحين الموالين للبيت الملكي الهاشمي.

ومع ذلك فقد بقى بيريس لاحقًا، كسياسي معارض بعد العام 1977، مقتنعًا بما أسماه بـ”الحل الأردني”، وبقى على قناعته تلك حين عاد للسلطة ضمن تحالف مع الليكود في الفترة بين 1984 إلى 1988. وظل يخوض المفاوضات بناء على هذا المفهوم حتى اتخذ الملك حسين قرارًا بالتنازل عن أي علاقة سياسية بين الأردن و الضفة الغربية عام 1988.

وجه إسرائيل المحبب في العالم

أما التسعينيات، فقد شهدت تحول بيريس نحو المزيد من النضوج والتماسك، حتى أصبح قناع إسرائيل أمام العالم، سواء كان خارج الحكومة أو عضوًا فيها. واستمر في لعب هذا الدور حتى بعد صعود الليكود كأهم قوة سياسية على الأرض.

حمل بيريس في تلك الفترة لواء ما أسماه بـ”السلام”، حين وصل للسلطة كعضو في الحكومة في مطلع التسعينيات، وكرئيس للحكومة بعد اغتيال رابين في العام 1995، وكعضو في حكومة إيهود باراك من العام 1999 حتى العام 2001.

وبدلًا من اقتسام السلطة على الضفة الغربية وقطاع غزة مع مصر أو الأردن، كان بيريس وقتها يأمل لاقتسامها مع منظمة التحرير الفلسطينية. وتقبل ياسر عرفات قائد منظمة التحرير الفلسطينة وقتها الفكرة، راجيًا على ما يبدو أن تؤدي في نهاية المطاف لتحرير فلسطين.

حاز هذا المفهوم على ثناء حار من حلفاء إسرائيل في العالم، كما جري النص عليه في اتفاقية أوسلو عام 1993.

كان بيريس في هذا الوقت سفيرًا مبشرًا لهذا السلام المزعوم الذي منح إسرائيل غطاء عالميًا سمح لها بترسيخ حقائق على الأرض أتاحت لها بناء أبارتهايد يضم بانتوستانات فلسطينية متناثرة [نسبة للمناطق التي كان يعيش فيها السود بعدما نقلوا إليها بالقوة في جنوب إفريقيا].

وليس فوز بيريس بجائزة نوبل للسلام عن هذا المسار، الذي لم يسفر إلا عن خراب فلسطين وتشريد شعبها، إلا دليلًا جديدًا على لا مبالاة حكومات العالم و جهلهم واستهزائهم بحقيقة معاناة هذا الشعب.

لكننا محظوظون بكوننا نعيش الآن في هذا العهد الذي استطاع فيه المجتمع المدني في العالم فضح حقيقة هذه “المسرحية”من ناحية، وتمهيد الطريق من ناحية أخرى لبناء عالم جديد عبر الحملات الساعية لسحب الاستثمارات من إسرائيل وفرض العقوبات والدعوة لتبني حل الدولة الواحدة.

قانا

إضافة لهذا، ساهم بيريس خلال الفترة التي قضاها رئيسًا للوزراء في معاناة الشعبين الفلسطيني واللبناني، حينما أمر في أبريل من العام 1996 بقصف الجنوب اللبناني كله ردًا على المناوشات الطويلة بين حزب الله اللبناني والجيش الإسرائيلي هناك، حيث مسرح عمليات مقاومة حزب الله ومجموعات أخرى ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر بين العامين 1982 و2000.

قتل القصف الإسرائيلي ضمن عملية “عناقيد الغضب” وقتها أكثر من مئة شخص من المدنيين، خلال فرارهم من القصف ومن عناصر قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام المنحدرين من جزر فيجي، بالقرب من بلدة قانا.

ورغم انتهاء تحقيق الأمم المتحدة في الحادث باستبعاد ما ذهبت إليه إسرائيل من كون الأمر جرى على سبيل الخطأ، لكن المذبحة لم تهز سمعة بيريس العالمية كـ”رجل سلام”.

أما القرن الحالي فقد لعب فيه بيريس دور “الرمز” أكثر مما لعب دور السياسي، مؤسسًا مركز بيريس للسلام -على أرض كانت تابعة للاجئين فلسطينيين قبل مصادرتها منهم- والذي يواصل تسويق الدعوة لتأسيس دولة فلسطينية على قطعة صغيرة من الأرض، وفي ظل أقل قدر من الاستقلال والسيادة.

أمر كهذا لن يفشل فقط، لكنه سيؤدي، في حال استمر العالم وفيًا لإرث بيريس هذا، إلى استمرار معاناة الفلسطينيين بلا نهاية.

لا تمثل مسيرة بيريس في واقع الأمر إلا عملية تجميل لوجه الصهيونية، لكن الحقائق على الأرض تعرِّي دوره الحقيقي في إذكاء المعاناة والصراع. والوقوف على هذه الحقيقة الآن يساعدنا على المضي في طريق المستقبل، ومحو ما يمكن من المظالم التي ساهم بيريس في صناعتها.

اعلان
 
 
إيلان بابيه