في هجاء المنتجات الفخمة: السيارة نقاب تكنولوجي

إذا سألت مجموعة من الناس ماذا يريدون في حال امتلاكهم المال، سيُسارع بعضهم إلى القول : “نفسي في عربيّة”، وبالفعل فإن ذلك الحماس لشراء السيارات ينتج عنه وصول حجم إنفاق العالم العربي سنويًّا على شراء السيارات إلى 58 مليار دولار سنويًّا.

وإذا كانت تلك هي أمنيات الكثير من الناس، وإذا كان ذلك الكم الهائل من الدولارات ننفقه سنويًا على اقتناء السيارات، فعلينا التوقف قليلًا لتأمل هذه الظاهرة عن قرب، ولتحليل أبعادها.

في الوقت الذي تتزايد فيه السيارات في بعض الدول، فإن هناك دولًا أخرى تحاول جاهدة الحدّ من استعمال السيارات الخاصة، عن طريق -مثلًا- منع استعمالها داخل المدن واستبدال المواصلات العامة والدراجات بها، كما في هولندا على سبيل المثال.

النقد الكلاسيكي للسيارة

حينما بدأت السيارة في الانتشار في الستينيات داخل المجتمعات الاستهلاكية الكبرى -كأوروبا وأمريكا- ظهر في الوقت نفسه نقد شديد لها. وكان من أهم من تحدثوا عن ذلك المفكران الكبيران أندري جورز (André Gorz) وإيفان إليتيش (Ivan Illich). فقد كانت السيارة بالنسبة لأندري جورز منتجًا فخمًا، ما يعني أن قيمتها تعتمد على ندرتها، وذلك على عكس جهاز كالغسّالة مثلًا التي يمكن لأي شخصٍ اقتناؤها واستعمالها دون أن يضر استعماله باستعمال الآخر لها، أما السيارة فلكي تستعمل جيدًا ويُستفاد منها، لابد أن تكون الطرق غير مزدحمة، وأن تكون هناك أماكن يمكننا ركنها فيها مطمئنين عليها.

تؤسس السيارة بهذا الشكل نمطًا من العلاقات مع الآخر، وهو نمط تنافسي بالأساس، فلكي يمكنني أن أقود سيارتي وأصل إلى هدفي، على الشوارع أن تسمح بذلك، ما يعني أن سائق السيارة لا يريد أن يمتلك كل شخص سيارة، لأن إذا حدث ذلك، ونتيجة للزحام، فلن يتحقق الهدف المراد منها. وهذا انتصار قوي للأيديولوجيا البرجوازية التي تُعلي من الفردانية، فاعتبار السائق للآخر منافسًا يمنعه من المرور، ويهدد أمان وسلامة سيارته، وقد يأخذ مكانه عند المرور أو الركن، كل ذلك يسبب إعلاء قيم الفردانية وتفضيل الذات. كما أنه يتسبب في علاقات عنيفة مع الآخر كاستعمال “الكلكس” بصوته القوي الذي لا ينطق، وإنما هو إشارة تهديدٍ فقط، وعودة للوحشية ولما قبل استعمال الإنسان للغة.

وبسبب المنافع الاقتصادية التي تدرّها السيارات فقد انتشرت ولم تعد منتجًا فخمًا ونادرًا، وعليه فقد وجب أن يُلائم شكل المدن ومعمارها ذلك المنتج المنتشر، والذي يتطلب تغيير وتوفير مساحات معينة.

أولًا: احتلت السيارة مساحة كبيرة من معمار المبنى السكني، فأصبح الطابق الأرضي يخصص كجراج للسيارات، وأصبح الباحث عن سكنٍ يسأل أولًا إذا كان السكن مناسبًا له ولسيارته!

ثانيًا: تحولت الشوارع إلى طرق سريعة للسيارات، فابتعدت المباني السكنية عن بعضها البعض لتفسح مساحة للسيارات كي تمر، وبعد أن كان الشارع للناس (المارّة) أصبح اﻷخيرون على الهامش، تقام لهم كباري فوق الطرق لعبورهم، أو أنفاق تحت الطريق لمرورهم، أما المتن فأصبح للسيارات.

ثالثًا: كانت فكرة المواصلات أن تقرِّب بين الناس وتسهّل لقاءاتهم، ولكن ما حدث بالفعل أنه نتيجة لظهور السيارة وانتشار أيديولوجيتها الفردانية، أصبح ملاكها يفضّلون السكنى في المدن الجديدة البعيدة عن الناس، لأنهم سيستطيعون هكذا بسهولة العودة إلى مركز المدينة للعمل أو لشراء احتياجاتهم، فأصبحت المدن أكبر، وأصبح أفراد المجتمع أبعد عن بعضهم البعض.

رابعًا: تحولت الأماكن الاجتماعية كالأسواق أو المطاعم أو دور السينما إلى أماكن فردانية لابد أن نتواجد فيها بصحبة السيارة، فقد ظهرت مثلًا مطاعم الـ drive in، فبعد أن كان الفرد يخرج من بيته ليمارس طقسًا اجتماعيًا، يذهب إلى المطعم ويختار وجبته برويَّة ويجلس مع رفيقه ليتحدث، ويرى الناس من حوله وتتنامى إلى أذنيه شذرات من أحاديثهم، أصبح يطلب طعامه وهو في سيارته ويفصله عن الآخر زجاج السيارة.

إن السيارة عند أندري جورز ليست فقط وسيلة مواصلات، بل حدثٌ غيّر طريقة التفكير وشكل العالم.

نجد عند إيفان إيليتش نقدًا أكثر جذريّة تمكن تسميته بـ”النقد التكنولوجي”، فإذا كانت قيمة الآلة التكنولوجية تتحدد بمدى نفعها لمستخدمها فإن قيمة السيارة تكمن في سرعتها. وبالفعل فإن السرعة الممكنة للسيارة تصل أحيانًا إلى 200 كم/ساعة، ولكن سرعتها الحقيقة بين المدن تصل أحيانًا إلى 120كم/ساعة، لأسباب متعددة كجودة الطرق أو قوانين المرور في البلاد المختلفة التي تحجم من هذه السرعة الفائقة، أما سرعتها داخل المدينة نفسها فتقل عن ذلك بسبب الزحام والمارة وضيق الطرق. لقد حسب إيفان إيليتش نوعًا ثالثًا من السرعات وهو ما أسماه بـ”السرعة الإجمالية”، فالقانون الفيزيائي يقول إن السرعة تساوي المسافة على الزمن، أما السرعة الإجمالية فلا تساوي مسافة الرحلة على زمنها فقط، بل مسافة الرحلة على زمن القيادة والزمن المستغرق في العمل على جمع الفرد لثمن السيارة وصيانتها وإمدادها بالبنزين، وإذا حسبنا كل هذا قياسًا إلى ثمن ساعة من قوة عمل مهندس على سبيل المثال فإن السرعة الإجمالية للسيارة تهبط إلى20 كم/ساعة، وهي في الحقيقة سرعة الدراجة.

كانت فكرة إيفان إيليتش هي أن بعض الطرق المتَّبعة لزيادة الإنتاجية تُنتج عكسها، أي ضَعف الإنتاجية، فإذا كان تاريخ تطور المواصلات يمضي في اتجاه زيادة السرعة لتوفير الوقت، فإن مرحلة السيارة التي تأتي، كمرحلةٍ أعلى من القطارات، تمثّل عودة في السرعة إلى الوراء، إلى ما قبل اختراع القطار.

السيارة نقاب تكنولوجي

إذا لم تكن السيارة توفِّر الوقت كما سبق أن شرحنا، فعلينا أن نتساءل إذن عن فائدتها، وعن سبب استمرار الناس في استعمالها. تكمن الإجابة على هذا السؤال في كلمة واحدة: “النقاب”، فالسيارة تلعب الدور نفسه الذي يلعبه النقاب، وهو غطاء شخصي يفصل بين الفرد والبيئة المحيطة به، فسائق السيارة يظل في مجاله الخاص أينما كان داخل سيارته، التي تلعب دور وحدةٍ خاصة ينتقل بها صاحبها في كل مكان، يمارس بداخلها ما يمارسه في بيته (يلبس كما يريد، ويستمع إلى ما يريده من الموسيقى، ويدعو من يريد… إلخ).

وكالنقاب، يقوم هذا الغطاء الشخصي بدورين: يُخفي، ويحمي صاحبه. فمن ناحية تخفي السيارة سائقها عن الأنظار، ويلصق بعض أصحاب السيارات علامات تدل على مكانتهم الاجتماعية (كشعار القضاء أو الشرطة أو الجيش أو علامة الطب …إلخ)، ليظهروا كمواقع اجتماعية، وليس كأفرادٍ، مثل المنقبة التي لا تظهر إلا كمسلمة، دون أي إشارات شخصية أخرى.

ومن ناحية أخرى، تحمي السيارة سائقها من اعتداءات البيئة المحيطة به، كالحرارة أو الضوضاء، والأهم من ذلك أنها تحميه من اللقاء مع الآخر الذي لا يرغب هو في رؤيته.

رغم ما تقدمه السيارة من حلولٍ متعددة لمشاكلٍ نقابلها يوميًّا إلا أنه حلٌ يفاقم المشكلة، فإذا افترضنا أن كل ذوي المكانات الاجتماعية العالية مختفون وراء زجاج سياراتهم، ويحلُّون هيكل السيارة محل أجسادهم، إذن فمن يظهرون في الشارع بأجسادهم دون هياكل سياراتهم، يبدون ضعفاء ومنحدرين من طبقات اجتماعية متدنية.

ورغم أن السيارة تحاول حماية صاحبها من اعتداءات البيئة المحيطة به -كما سبق الذكر- إلا إنها أصبحت مصدرًا سياسيًّا للاعتداءات، فهي تُزيد من الضوضاء والزحام والتلوث والحرارة، وأصبحت كل سيارة تمثّل خطرًا حقيقيًّا على الحياة، سواء للأطفال أو للبالغين. إذن، يضع سائق السيارة -ومن أجل أمانه الشخصي فقط- المجال العام في حالة خطرٍ وقلقٍ دائمين.

وتحولت الميادين العامة من حدائق بسيطة للأفراد وأماكن للتعايش، إلى “صينية” لتنظيم مرور السيارات إلى الشوارع المختلفة.

إن استخدام السيارة كحلٍّ فرديٍّ يقف عقبةً أساسية أمام مشاركة الأفراد كلهم في حل المشكلة جماعيًّا، فالسيدة التي تقابل تحرشات يومية نتيجة ارتدائها ما تريد، تستخدم السيارة كوسيلة لحمايتها من الآخر، ورغم تفهمنا لذلك إلا أن ذلك يمنعها من البحث عن حلٍّ مجتمعيٍّ للأزمة، كالانخراط مع صاحباتها ممن يعانين المشكلة نفسها، بل تلجأ إلى السيارة كحلٍّ فردي.

يمكننا إذن الدعوة إلى مدينة بلا سيارة خاصة، تصبح مكانًا أهدأ وأرحب للتعايش، وتجبر ساكنيها على قبول الآخر بهويته الفردية المختلفة، ويمكننا القول إن خلع النقاب -التكنولوجي- هو الحلّ.

وفي النهاية، هل يمكن طرح السؤال حول العلاقة بين السيارة المستخدِمة للبنزين ونفط الخليج، وبين النقاب الآتي من تقاليد وعادات الجزيرة العربية، لأن السيارة في الواقع تقوّي -اقتصاديًّا -أيديولوجيات الخليج؟

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن