بل ما العمل بعد أن قضى النظام على الحركة الحقوقية المستقلة؟

قرأت مقال الأستاذ خالد منصور في “مدى مصر” والذي جاء بعنوان “هل ينجح النظام في القضاء على الحركة الحقوقية المستقلة؟“، وكنت حريصة على استيعاب كل جملة فيه؛ لكني منذ البداية وحتى نهاية أخر سطر، ظلت تتزايد لدي قناعة بأن السؤال لا يجب أن يكون “هل ينجح النظام في القضاء على الحركة الحقوقية المستقلة؟”، بل “ما العمل بعد أن قضى النظام على الحركة الحقوقية المستقلة؟”. لا تأتي ملاحظتي لأني متشائمة أو فقدت الأمل في المستقبل، بل لأنه السؤال الأكثر واقعية الآن. وسأشرح أسبابي باختصار.

منذ نهايات العام 2010 وأنا منخرطة بصورة أو بأخرى في أنشطة مختلفة مع منظمات حقوقية، ما بين مشاركة في ورش تدريبية مرورا بالعمل التطوعي ونهاية بالعمل في وظائف صغيرة كانت دائما في نهاية سلم وظيفي معقد، وبالطبع ليست لدي الخبرة التي يمتلكها الأستاذ خالد منصور لكن كل ما أعرفه هو أن كل القرارات التي اتخذتها الأنظمة المتعاقبة منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير حتى الآن تجاه المجتمع المدني قد أثرت عليّ بشكل سلبي وفي النهاية تسببت في أن أضطر مجبرة لتحويل مساري المهني بعد قرابة ثلاث سنوات في عمل شاق من منظمة حقوقية لأخرى، وها أنا أبدأ من الصفر في مجال أخر دون أن أجد محلاً في سيرتي الذاتية لتلك السنوات الثلاث التي قضيتها في العمل الحقوقي. بمعني آخر، فقد كنت “باحثة” وانتقلت من منظمة حقوقية لأخرى، لكن دون أن تصدر لي ورقة بحثية واحدة، وكل ما شاركت فيه مع زملائي أو بمفردي ظل قابعا في ملف صغير على أجهزة الكمبيوتر الخاصة برؤسائي في كل منظمة عملت بها، لنفس الأسباب: تعقب النظام، الخوف من الملاحقة، الخوف من إثارة الغضب، ناهيك عن أننا كنا نعمل في كل مرة وفوق رؤوسنا شبح اقتحام الأجهزة الأمنية أو الإغلاق أو عدم القدرة على دفع رواتبنا.

وفي النهاية وصلنا إلى مكاتب مغلقة، أو مفتوحة على فراغ! ثم نسأل أنفسنا الآن: وهل قضى النظام على المنظمات الحقوقية؟ طيب، إذا لم يكن قد فعل بعد، فما مفهوم “القضاء على المنظمة الحقوقية”؟!

يتطلب العمل الحقوقي بالأساس الاستقرار ووجود بيئة قانونية داعمة، وأيضا ثقة أو على الأقل تقديرًا من النظام السياسي، وقبلها ثقة الناس أنفسهم وقناعة راسخة لديهم بأن المجتمع المدني هو الذي يلعب دور همزة الوصل بينهم وبين صناع القرار، وبأن آراء الحقوقيين توضع في الاعتبار عند وضع السياسات والقوانين، بالإضافة إلى وجود نظام واضح وشفاف يتم من خلاله تلقي التمويل من المنظمات الأجنبية، ونظام أوضح في محاسبة المخالفين للقانون، مع وجود قانون داخلي ينظم عمل الحقوقيين في المنظمات المختلفة، ومستوى من الأمان والحماية للمدافعين عن حقوق الإنسان، وطبعا نزاهة الصحافة حتى لا تُستخدم كمنصة لتشويه عمل المنظمات الحقوقية نتيجة معارضتها لسياسات الحكومة أو إلقاء رئيس منظمة لخطاب “عدائي” تجاه  النظام أمام محفل دولي.

ما الذي يمتلكه العاملون في المنظمات الحقوقية في مصر الآن من كل هذه المعايير؟ بدون تردد.. لا يمتلكون شيئاً، بل إن المنظمات الحقوقية ومديريها والعاملين فيها يواجهون انتهاكات أسوأ من الإغلاق: الحبس الاحتياطي لمدد غير محددة، والملاحقات القضائية، وتشويه السمعة، والمنع من السفر حتى أصبحت مصر سجنا للجميع، باختلاف الأسوار والسجان، مثلا، علاء عبد الفتاح بداخل سجن يتحكم في حياته سجان ومأمور سجن ووزير الداخلية ورئيس الجمهورية، وحسام بهجت يتحكم في حياته رئيس المحكمة وقاضي التحقيق ووزير العدل ووزير الداخلية ورئيس الجمهورية، وضابط بنضارة شمسية داخل مطار القاهرة. ما الفرق؟!

أنا مضطرة لطرح المزيد من الأسئلة: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المنظمات الحقوقية المستقلة الآن بالنسبة لقضايا الناس وحقوق الإنسان؟ ما مدى قدرتها على إحداث التغيير في القوانين التي تصدر كل يوم؟ ما مدى قدرتها على التواجد في وسائل الإعلام المصرية لترد على الأقل على ما يٌقال عنها وليس مد الصحفيين بمعلومات عن حالة حقوق الإنسان، تصمد أمام ما تقدمه الحكومة؟ ما فرص براءة المتهمين أمام المحاكم المختلفة في قضية “التمويل الأجنبي”؟ ثم ما مقدار ثقة المواطن العادي في الحقوقيين والمنظمات الحقوقية، خارج الدائرة الضيقة التي تحفظ العهود والمواثيق الدولية وتتواجد في ورش العمل -التي كانت تُعقد- تتحدث عن الشرعة الدولية وحقوق الإنسان؟

كنت أتمنى أن أرى في ابتسامة الحقوقيين حسام بهجت وجمال عيد وعزمهما على مواصلة العمل الحقوقي أملا في بداية جديدة حتى لو على المدى البعيد، لكني لا أرى ذلك على الأقل في الظروف الحالية، وفي ظل غياب الإجابات عن أسئلة منطقية بشان مستقبل العمل الحقوقي في مصر. يمكن أن نجد تفسيرات عدة لابتسامة شخص يواجه خطر السجن، ويمكن أن نقول الكثير عما يكمن خلف العزم المعلن على مواصلة العمل الحقوقي الآن في ظل سياسات عدائية. بالنسبة لي، على الأقل، فليس من الحكمة إعلان ذلك حتى لا يتم جلب المزيد من العداء في معركة غير متكافئة!

منذ بداية هذا العام ولدى رأي لم أغيره بعد، هو أن الحركة الحقوقية التي بدأت في منتصف الثمانينات قد انتهت الآن، وليس بوسعنا إحياء ميت، لكن يمكننا العمل على ميلاد لحركة جديدة تستفيد من الثقوب التي خلفتها الممارسات القمعية لهذا النظام، وتحاول أن تعمل وفق القوانين الحالية أو المنتظر صدورها. أما رموز الحركة الحقوقية القديمة فيمكن أن يساهموا في بناء الحركة الجديدة، إذا استطاعوا أن يفلتوا بأقل الخسائر من أنياب النظام، شريطة أن يكونوا هم راغبين في العمل بدءًا من نقطة الصفر بأدوات جديدة، وقبلها أن يمتلكوا القدرة على تقييم ما كان بسلبياته وإيجابياته، مع الوضع في الاعتبار أن البيئة السياسية والاجتماعية والقانونية تختلف الآن تماما عن تلك التي بدأت فيها الحركة الحقوقية منتصف الثمانينات، وأن وسائل الضغط القديمة لا يمكن أن تجدي نفعا الآن، بما فيها ضغط المنظمات الدولية وحكومات الدول الكبرى. فنحن نعيش لحظة تمتلك أثيوبيا فيها أدوات للضغط أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة وروسيا معا ولعقود قادمة، ونعيش في بيئة لن تقبل الحقوقي الذي لا يمتلك غير الاستناد إلى المواثيق الدولية وخطابات الأمين العام للأمم المتحدة. فإذا كان الأمر كله نصوص قوانين، فالسلطة لديها قوانين، وخطابات توجه للداخل والخارج، ترى حقوق الإنسان بطريقة مغايرة ولديها من الجرأة ما يمكنّها من التحدث بقوة عن حق الناس في الطعام والصحة والتعليم في مقابل حرية التعبير والتنظيم والاعتقاد وكأن الأمر تمكن تجزئته على هذا النحو المجحف.

إذا كان هناك أمل فهو في الناس أصحاب الحقوق، وهؤلاء يحتاجون إلى خطاب يختلف كلية عن لغة التقارير الحقوقية وبيانات التنديد والشجب والاستنكار. لا يمكن أن نستلهم الأمل في مستقبل الحركة الحقوقية فقط لأن الشمس تظهر في موعدها كل صباح، أو لأن حقوقيا يبتسم وهو يواجه شبح تقييد الحرية في قضية ظالمة. فالأمل كما يرتبط بثقة الإنسان في عدالة القضية التي يدافع عنها، يرتبط أيضا بقدرته على تجاوز المحنة بخطوات سليمة وعمل مستمر، وأيضا قدرة مستمرة على قراءة الواقع وتعديل الخطط لتتناسب مع صعوبة البيئة والاستفادة من نقاط ضعف الخصم وإجباره على التراجع بدون أن يُسجن المحامي أو يموت المظلومون كمدا في السجن!

ختاما، لا أقصد من تعقيبي على مقال الأستاذ خالد منصور أن أقول إن على العاملين في المجتمع المدني جلد أنفسهم، أو التضحية بها في سبيل استمرار الحركة الحقوقية، لكن ما نريده هو حركة حقوقية قوية وحقيقية أيضا، ليست مجرد مكاتب يتواجد فيها أشخاص تسيطر على ساعات نومهم كوابيس الاقتحام والسجن والنفي، بل حركة حقوقية يتمتع فيها الحقوقيون ولو بالحد الأدنى من الأمان والاستقرار حتى يمكنهم الدفاع عن حقوق الناس. إذا كان الحقوقيون هم بالنسبة للمظلومين خط الدفاع الأخير أمام ممارسات الظلم وسحق كرامة الإنسان، فماذا يمكن أن يحدث إذا تم سحقهم هم أيضا ونحن نتحدث عن الأمل في المستقبل، مستمدا من شجاعتهم وهم يواجهون شبح السجن؟ يجب أن نعمل كيلا يُسجنوا، بل نعمل من أجل الإفراج عن كل المسجونين ظلما منذ الخامس والعشرين من يناير حتى الآن. كيف؟! هذا السؤال لن يجيب عنه شخص واحد، بل جماعة الحقوقيين الموجودين خارج السجن الآن، بإعادة تنظيم أنفسهم وتوحيد جهودهم، وقبل كل ذلك بالأمل المستمد من المعرفة الحقيقية بماذا يريدون وماذا يمتلكون ومن يواجهون.

اعلان
 
 
سعاد أبو غازي