اﻷولمبياد وخارجه: مَن يمثّل مَن؟

منذ ظهور حمادة طلعت في طابور العرض المصري في افتتاح أولمبياد ريو دي جانيرو حاملًا علَمَي مصر والسعودية، بدا أننا أمام مشاركة مختلفة، بل للدقة تعامل مختلف مع المشاركة للحدث العالمي الممتد لمدة 16 يومًا، وتعليق أعمق من المعتاد.

تعبّر ردود الأفعال، عادةً، عن روح التنافس الرياضية؛ تشويق مُرتبط بآراء وتحليلات يمررها مشاهد لآخر.

هذه المرة كان كلام جلسات المشاهدة الفعلية أو الافتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي جديدًا، لمحنا خلال الأيام الماضية جدلًا بشأن موضوعات تطرح نفسها من جديد، مختلفًا عن النقد أو السخرية من التمثيل الرسمي لتحسين مستوى الأداء.

قد يكون السبب إغلاق المجال العام الذي نعيشه خلال السنوات الثلاث الماضية، واستمرار غياب النقاش الحقيقي داخل المجتمع بشأن مواضيع محددة. هل يحدث هذا لأن هذه المواضيع لم تفتح من قبل بشكل واسع أو فعال!؟

نكتشف جميعًا أن المواضيع مفتوحة للنقاش بشكل دائم، مثل مسألة حجاب دعاء الغباشي في كرة الطائرة الشاطئية بمباراة مصر وألمانيا، خلال الأولمبياد.

فتح نقاش جديد بالتأكيد هو أمر جيد، حتى وإن كان بشأن صورتنا كمصريين. ولكن لماذا يزيد الحماس لفتح موضوعات محددة عندما نفكر في صورتنا؟ هل صورتنا محصورة في هذه الموضوعات بالفعل، وأبرزها الحجاب كبلد أغلب سكانه من المسلمين، أو التطبيع بما يلامس تاريخنا كشرق أوسطيين، أو حب السعودية الحليف الحالي لدرجة التماهي؟ هل يمكن الوصول إلى خبرة أو نقاط أساسية في أي نقاش منها؟

حينما نتأمّل معركة يكون علينا معرفة من يمثلنا بها. هذا ما يحدث كل مرة دون وعي منّا.

“مَن” يمثل “مَن”؟

إذا تأمّلنا بعض الآراء والتعليقات بشأن بعثة مصر، سنجد أن الرفض كان لأفعالهم وليس لإنجازهم الرياضي، الذي لم يزد حتى الآن عن الميداليات البرونزية.

الحديث طغت عليه المبالغة والخوف من “الفضائح” أو تأثر “سمعتنا” بهذه الأفعال، وهذا ما كان لافتًا من وجهة نظري، الشعور بالخزي والعار داخل حدث رياضي قوامه التقييم والتحكيم بالنقاط من جانب مُحكمِين لستة عشر يومًا، إلى جانب الحديث عن سمعة مصر، المبرر الحكومي الأكثر استخدامًا لمنع أي نقد. أمر يذكرنا بحكاية الزميلة شيماء التي سألت ليوناردو دي كابريو سؤالًا بسيطًا فتحوّل الأمر لجدل كبير، لنقاش تُشم فيه رائحة الخوف من الفضيحة، كأننا سنوصم للأبد بسبب ارتباك أو قلة خبرة واحد من مواطنينا.

لماذا نرى أن أحدًا يمثلنا؟ لماذا ننشغل بسمعتنا إلى هذا الحد؟

“حمادة يرجع” كان الوسم الأكثر مشاركة، رفضًا لحمل لاعب الرماية المصري حمادة طلعت عَلَم المملكة العربية السعودية. فسر اللاعب الأمر بأنه رفع “اسم الله” خوفًا من أن تدوسه الأقدام، لكنه لم يجب عن سؤال: لماذا لوح به به من الأساس؟

كانت هناك حالة من عدم قبول أن يمثلـ”نا” حمادة طلعت، دعاء الغباشي، وإسلام الشهابي، وهم ثلاثة من أصل 120 لاعبة ولاعبًا. رُفض هذا التمثيل لأننا نستحق ما هو أفضل، رغم أن المشاركة في حدث رياضي مثل الأولمبياد تتطلب بالأساس توافر مهارة وتدريب ومواظبة وتحمّل لسخافات كثيرة، مثل السخرية الدائمة كل أربع سنوات، والحصول على مكافآت مالية قليلة للغاية مقابل كل هذا المجهود.

لكن البعثة الأولمبية تمثلنا. كل عضو بها يفعل ذلك، بل إن بعضهم صاحب قصة نجاح حقيقية تستحق التشجيع والحفاوة، وبعضهم يحتاج لتضامننا معه، مثل سارة أحمد بأزمتها مع وزارة التعليم، وإسلام الشهابي، الذي صار همّ أكبر قضايانا منصبًا على أكتافه.

هؤلاء يمثلوننا، وما نرفضه فيهم هو أساس مشاكلنا وسرّ تتابع أزمات مجتمعنا. أشخاص يسيرون ويحيون ويسافرون ويلعبون وهم أسرى لما تركناه دون نقاش تراكمي.

في المباراة، كان الشهابي مذعورًا. يكاد لا يلمس جسد آرون. يمسك البذلة البيضاء من أطرافها، وسرعان ما يفلت الإسرائيلي الأنامل المذعورة لمنافسه المصري.

قرار المشاركة كان لاتحاد اللعبة المصري وليس للاعب، ربما لهذا كان اﻷخير مهتزًا؛ لا يعرف كيف سينتهي مشهد كان يريد أن يكون بطله بأي شكل. ساسون لن يُهزم من تلقاء نفسه، مع الأسف.

المصافحة من عدمها ليست مسألة جديدة. لم يكن إسلام أول لاعب جودو يواجه إسرائيليًا، لكنه قدم للعرب المعاصرين أول خسارة معاصرة.

كان النقاش حول اللاعب منبتًا من الفراغ، هذا ما يحدث حينما تخرج الأمور عن حجمها الطبيعي، كأنه أول مصري يواجه إسرائيليًا. هناك حرب تدور على هذا الملعب. سبق أن واجه المصري رمضان درويش، لاعب الجودو في أولمبياد 2012، لاعبًا إسرائيليًا ولم يصافحه بعد فوزه بالمباراة. كما شهد العام الجاري مباراة بين أحمد وحيد، في بطولة الجائزة الكبرى للجودو بألمانيا، ولم يُسَلِم وحيد الفائز على منافسه. كما أن التصرف لا يخص مصر فقط، بل يلتزم العرب جميعًا بعدم المصافحة أو عدم المشاركة من الأساس. إذن المسألة ترتبط برمزية الهزيمة.

بعد المباراة منعت البعثة الرسمية الشهابي من التحدّث للصحافة حتى لا يُستخدم كلامه خلال التحقيق معه من جانب اللجنة الأولمبية الدولية، ثم تطوّر الأمر لعودته لمصر قبل إجراء هذا التحقيق.

إذن لعدم المصافحة والامتناع عن المشاركة تبعات، وهو ما أراد مسؤولو البعثة المصرية فرضه على أذهاننا ونحن نتجادل؛ كون اللاعب يدفع ثمنًا للموقف الذي ندفعه إليه، في محاولة لإبراز ما يتحمله المُمثِل من آثار، أنه ليس دمية في أيَادينا، ولكنه كذلك بالنسبة للبعثة، التي حركته كما أرادت ووضعته في الاختبار فهزم، وحينما أراد أن يصنع موقفًا كان مرتبكًا، وأعيد إلى مصر في صمت حتى يتوقف الجدل.

ما سبق قد يؤدي إلى رجحان كفة عدم المشاركة إمام أي إسرائيلي في المستقبل، لأن في الرياضة، ومجالات أخرى، قد يُهزم العربي، وهذا من الناحية الرمزية، ليس جميلًا وسيسبب جدلًا كبيرًا، لا تحبه البعثة الرسمية.

عمل فني

كان موضوع صورة رويترز الرائجة لمباراة مصر وألمانيا بكرة الطائرة الشاطئية، هو التباين وليس حرية الجسد. تكاملت فكرة التباين بشكل صارخ، لتتشابه حركة قفز اللاعبتَين. تطيران حتى الشبكة وتتطلعان إلى هدف واحد.

صارت دعاء الغباشي والألمانية، التي لم يذكر اسمها في معظم التغطيات العربية، جسدين متباينين. الأول مغطى بالكامل والآخر داخل زي من قطعتين، كما اعتاد جمهور هذه الرياضة الأولمبية المدرجة منذ العام 1996.

تغيب حكاياتهما، وصوتهما كذلك. عند مشاهدة الصورة لا نجد الشريكة الأخرى لكل واحدة في الفريق. كما أن نتيجة المباراة غائبة. يتجسد الاختزال في كل ما يخص هذه الصورة باستثناء جسدي اللاعبتين.

جلوس على دكة

النقاش حول الحجاب مسألة بقيت بلا حلول، لدينا خطاب معه وآخر ضده. ورغم كونه مسألة تتطلب تفاهمًا من الجميع، لكن هذا لا يحدث.

قليلًا ما نتفهم خصوصية مسألة مثل الهوية وعلاقة الفرد بمجتمعه، لأنها صعبة.. لا يمكن أن نكون تحرريين وهستيريين في الوقت نفسه، بأن ندعو كل امرأة تضع حجابًا على رأسها لخلعه، ليس لأن هذا جيد أو سيئ، بل لأنها لابد أن تكون هي مستعدة لأن تخوض صراعها.

المرأة صاحبة هذه المعركة، وليس الرجل بالمناسبة، قد يكون الأخير سببه وقد يكون مشبعًا بالقيم المحافظة لدرجة حصار المرأة ومنعها. لكن المرأة، أبدًا، ليست شيئًا نرفع عنه قماشًا لأننا نريد تحريرها.

لم يكن زي دعاء مخالفًا، حيث تشترط كرة الطائرة الشاطئية أن يرتدي اللاعب/ اللاعبة ملابس تناسب السواحل، وأن يكون اللاعبان حافيين. الملابس متطابقة للفريق الواحد ومرقمة، وتظهر الأرقام بلون مختلف عن الزي، أي قد يكون لباس السباحة “بروكيني” أو “بكيني”.

لا يوجد عمل جاد أو سعي لكسب معارك النَفَس الطويل. يمكن للدولة بث الشكوك بسهولة ضد أي فئة مهنية أو جماعة سياسية أو أشخاص ينتجون الفنون، وتنجح، مع الأسف، بزعم حماية الخصوصية الثقافية أو قيم المجتمع أو الأمن والسلم الاجتماعيين أو سمعة مصر وصورتها.

نُجبر على دخول هذه المعارك، وندافع عن موقعنا بعيدًا عن الصورة النمطية أو موقعنا داخلها. يصبح صراعنا شخصيًا، يبدأ من الصفر، فمن يسبق في خوض الصراع يكسب مساحته الشخصية، ويظل يدافع عنها بضراوة للأبد. لا تتراكم هذه الخبرات لتسهل العملية مستقبلًا.

يتابع الجيل السابق رؤية حماس الأصدقاء الجدد/ أفراد المجتمع مجسدًا لخوض هذه المعركة ضده. يكون انسحاب الأفراد الأحدث سنًا نحو دَّكَّة الانتظار إشارة على النضج. نجلس إلى جوار السابقين، رغم معرفتنا أن النقاش سيستمر، وأن علينا متابعته حتى وإن كنا خضناه كثيرًا، لأنه لم يكتمل أبدًا. المحصلة أن المكاسب لا تتراكم.

معاركنا في هذا المجتمع شخصية، مثل خوض في رمال ناعمة لا ينشغل أحد بنزالنا، كأنها رحلة دائرية أبدية حول النفس وليست في مواجهة قوى محافظة مسيطرة. بينما تتشكل صورة ثابتة، لا تتفكك إلا وسرعان ما تتكون مرة جديدة. نحن العرب المسلمين المصريين الشرق أوسطيين، نخوض نقاشات جديدة/ قديمة أملًا في نزع هذه الأوصاف عن أنفسنا لتكون صورتنا ذاتية لا جماعية. ألا نمثل إلا أنفسنا؟

إذا تأمّلنا ما يجمع الفرد منا بالمقربين منه، سنجد أنه ليس المجتمع، ولا الخبرة المكتسبة من التفاعل معه أو محاولات نقلها، وإنما الأمر أقرب لجلوسنا على دكة الانتظار لنجري حديثًا وديًا، بلا أمل في خسارة أو مكسب. صرنا نتفهم الحياة، هذه الدورة المكررة، بتفهم وود.

تسير أيامنا وتضعنا الحياة في اختبارات صعبة وأمام نقاشات أبدية قد تحرّك الأفكار الراكدة لعل النقاش يتجدد.

اعلان