كيف تفهم المتاهة القانونية لـ«تيران وصنافير» في خمس دقائق
 
 

أمس، الإثنين، تقدمت هيئة قضايا الدولة (محامي الحكومة) بدعوى منازعة أمام المحكمة الدستورية العليا لوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري ببطلان تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية وفقا لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والمملكة، بعد توقف الطعن على الحكم الذي تقدمت به الهيئة أمام المحكمة الإدارية العليا نتيجة طلب رد هيئة المحكمة المقدم من دفاع الطاعنين، الذي تقدم لاحقًا باستشكال عكسي للاستمرار في تنفيذ الحكم بعد تقديم الحكومة وأحد المواطنين استشكالين لوقف تنفيذ الحكم.

هكذا تحولت المعركة القانونية حول التنازل عن الجزيرتين إلى متاهة يصعب على غير المتخصصين السير في دروبها ومن ثم متابعة تفاصيلها وتطوراتها. لذلك يحاول “مدى مصر” في السطور التالية شرح مسار هذه المعركة منذ بدايتها وحتى الآن.

المسار الرئيسي للقضية: من القضاء الإداري إلى المحكمة الإدارية العليا

في ٢١ يونيو، قضت محكمة القضاء الإداري برئاسة المستشار يحيى الدكروري بـ”بطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في أبريل الماضي، والتي تضمنت التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة، مع ما ترتب على ذلك من آثار، أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري وضمن حدود الدولة المصرية، واستمرار السيادة المصرية عليهما، وحظر تغيير وضعهما بأي شكل أو إجراء لصالح أي دولة أخرى”، ورفضت هيئة المحكمة دفع الحكومة بعدم اختصاص المحكمة في نظر الدعوى.

طعنت هيئة قضايا الدولة على الحكم السابق أمام المحكمة الإدارية العليا، وتحددت جلسة ٢٦ يونيو لنظر الطعن. في تلك الجلسة تقدم المحامي محمد عادل، أحد الطاعنين على الاتفاقية، بطلب رد هيئة المحكمة. أجلت دائرة فحص الطعون بمجلس الدولة طلب رد المحكمة عدة مرات، وحددت في المرة الأخيرة يوم ٢٧ أغسطس لنظره.

ثلاثة استشكالات ودعوى أمام “الدستورية العليا”

في ٨ أغسطس الماضي، تقدم المواطن خيري عبد الفتاح إبراهيم باستشكال أمام محكمة الأمور المستعجلة بعابدين لوقف تنفيذ الحكم الصادر من القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية، بدعوى عدم اختصاص المحكمة بنظر الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لوقوعها ضمن أعمال السيادة. وحددت المحكمة جلسة ٣٠ أغسطس لنظر الاستشكال. وفي اليوم نفسه تقدّم خالد علي، المحامي وأحد الطاعنين، باستشكال عكسي أمام محكمة القضاء الإداري للاستمرار في تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية.

تقدمت هيئة قضايا الدولة أمس، الإثنين، دعوى منازعة أمام المحكمة الدستورية العليا، كما تقدمت باستشكال أمام القضاء الإداري لوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري ببطلان التوقيع على الاتفاقية.

تختص المحكمة الدستورية العليا بنظر النزاعات حول اختصاصات المحاكم. وتدفع هيئة قضايا الدولة بعدم اختصاص القضاء الإداري بالنظر في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية بصفتها من أعمال السيادة، بحسب تأويل الهيئة، وهو الأمر الذي رفضته محكمة القضاء الإداري في حكمها.

وجاء في بيان هيئة قضايا الدولة الصادر أمس، الإثنين، أن “حكم محكمة القضاء الإداري، الصادر في ٢١ يونيو الماضي، يتناقض بشكل صريح مع أحكام سابقة صدرت من المحكمة الدستورية العليا، تعتبر المعاهدات الدولية من أعمال السيادة التي لا يجوز للقضاء مراقبتها، ولا يجوز الطعن عليها أمام المحاكم العادية ومجلس الدولة”.

واستندت الهيئة في المنازعة التي أقامتها إلى الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا، في ٢١ يناير ١٩٨٤، بعدم قبول الطعن على معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام ١٩٨٤، والذي أكد عدم اختصاص المحكمة بنظر الاتفاقيات الخاصة بالعلاقات الدولية وتقتضيها السياسة العليا للبلاد لاندراجها ضمن أعمال السيادة التي ينبغي أن تنحسر عنها الرقابة القضائية الدستورية.

كما استندت الهيئة إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام ٢٠٠٧ بعدم قبول الطعن على الاستفتاء على التعديلات الدستورية باعتباره من أعمال السيادة التي لا تراقبها المحاكم.

أثر الاستشكالات والدعاوى القضائية الحالية على الحكم

ينفي المحامي خالد علي، أحد فريق الطاعنين على الاتفاقية، إمكانية إيقاف تنفيذ حكم القضاء الإداري بمجرد تقديم الاستشكال أو دعوى المنازعة أمام “الدستورية العليا”، موضحًا أنه “لا يمكن وقف تنفيذ حكم محكمة أو إلغائه إلا بحكم آخر من محكمة مصرية، وهو ما لم يحدث حتى الآن”.

ويضيف علي أن “الحكومة تسعى بكل السبل إلى وقف تنفيذ أو إلغاء حكم محكمة القضاء الإداري باستمرار الجزيرتين تحت السيادة المصرية لتتمكن من عرض الاتفاقية على البرلمان بغرض فرض واقع قانوني ودستوري جديد على مُجريات الصراع”. وهو ما يراه “مسعى فاشل” حتى الآن.

يشرح عادل النقطة الأخيرة قائلًا إنه فيما يخص دعوى المنازعة أمام المحكمة الدستورية العليا فإنه يتوقع أن تحكم المحكمة بعدم اختصاصها بسبب استمرار نظر الدعوى أمام المحكمة الإدارية العليا.

وكانت مصادر بالمحكمة الدستورية قد صرّحت لجريدة الشروق أنه لا صحة لما تردد عن أن “إقامة المنازعة يكفي بحد ذاته لوقف حكم القضاء الإداري”، مشيرة إلى أن المنازعة ستتداولها هيئة المفوضين ثم المحكمة الدستورية، بصورة عادية وفقاً للمواعيد المقررة قانونًا.

أما بخصوص الاستشكال المقدم من المواطن خيري عبد الفتاح أمام محكمة الأمور المستعجلة، فيقول عادل إنها محكمة غير مختصة في الأصل بالنظر في هذا النوع من القضايا.

يزداد الأمر تعقيدا مع الاستشكال المُقدّم من هيئة قضايا الدولة إلى القضاء الإداري لوقف تنفيذ حكم إلغاء الاتفاقية، وهو الاستشكال الذي سبقه استشكالًا عكسيًا آخر من فريق المحامين الطاعنين على الاتفاقية ويطالب بالاستمرار في تنفيذ الحكم. يقول عادل إن قانون مجلس الدولة يخلو من أي نص صريح يوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري بمجرد تقديم استشكال ضده. ويضيف: “أما في قانون المرافعات فهناك مادة توقف تنفيذ الحكم بمجرد تقديم أول استشكال على الحكم، وفي هذه الحالة سيكون الاستشكال العكسي الذي تقدمنا به للاستمرار في تنفيذ الحكم هو الأول، وبالتالي يُلغي أثر استشكال هيئة قضايا الدولة”.

في كل الأحوال، يرى عادل أن القضية مازالت أمام المحكمة الإدارية العليا، والتي من المنتظر أن تستأنف نظر القضية بعد الفصل في طلب الرد في نهاية الشهر الجاري، وأن الدعوى أمام “الدستورية العليا” والاستشكالات المختلفة لا تؤثر على مسار التقاضي أمام “الإدارية العليا”، ولا توقف تنفيذ الحكم ببطلان الاتفاقية. ويُجمل قائلًا إن “ما حدث هو محاولة للاتفاف الإعلامي والدعائي من الحكومة على تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية، ومحاولة إتاحة مادة للإعلاميين الموالين للنظام السياسي لتصوير الأمر أن الاتفاقية مازالت سارية، وأن الحكم قد تم وقف تنفيذه، وهو أمر غير صحيح”.

اعلان