القوة العربية المشتركة.. الفكرة التي وُلدت ميتة
 
 

انطلقت اليوم، الاثنين، أعمال القمة العربية العادية السابعة والعشرين في العاصمة الموريتانية نواكشوط، والتي يغيب عنها 14 زعيمًا عربيًا بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وهي القمة التي من المقرر أن يصدر في ختام أعمالها -حسبما نشرت وكالة أنباء الشرق اﻷوسط- بيانًا يحمل اسم “إعلان نواكشوط”، والذي خلا من أي إشارة إلى “القوة العربية المشتركة” التي مر عام كامل على الإعلان عنها لأول مرة.

وفي حين نشرت صحيفة الوطن عن مصادر دبلوماسية أن القمة العربية ستناقش تشكيل القوة العربية المشتركة، مشيرة إلى وجود “اتجاه لإلغاء فكرة تشكيل القوة العربية المشتركة، من خلال قرار رسمى للدول الأعضاء، مثلما صدر قرار رسمى بتشكيلها فى القمة السابقة”. نفت صحيفة اﻷهرام، نقلًا عن مصادر عربية في نواكشوط، بروز أي خلافات عربية بشأن مشروع القرار الخاص بإنشاء القوة العربية المشتركة، مؤكدة أن النقاشات المتعلقة بهذا الموضوع أحيلت إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب أول أمس، والذين أحالوه بدورهم إلى القادة في قمتهم اليوم.

كانت القمة العربية قد أقرت في اجتماعها اﻷخير في مارس من العام الماضي بشرم الشيخ مبدأ تشكيل قوة عربية مشتركة، بناءً على دعوة توجه بها السيسي، “لمواجهة التحديات وصيانة الأمن القومي العربي”، حسبما جاء في البيان الختامي للقمة.

وأتت الدعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة على خلفية تحديات سياسية شهدتها مختلف أنحاء المنطقة في ذلك الوقت. إذ كانت المملكة العربية السعودية منهمكة، بمساعدة قوات عربية أخرى، في عمليات “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين في اليمن، بينما انشغلت مصر بتوجيه ضربات إلى مواقع تنظيم الدولة اﻹسلامية في ليبيا انتقامًا لذبح عدد من المواطنين المصريين هناك، إضافة إلى مواجهتها مع متمردين تابعين لتنظيم الدولة في سيناء.

وبعدما أشار السيسي في كلمته أمام قمة العام الماضي إلى تشكيل فريق رفيع المستوى تحت إشراف رؤساء أركان القوات المسلحة للدول الأعضاء لدراسة كافة الجوانب المتعلقة بإنشاء القوة العربية المشتركة وآلية تشكيلها. كلفت القمة الأمين العام للجامعة العربية بدعوة فريق رفيع المستوى تحت إشراف رؤساء أركان القوات المسلحة بالدول الأعضاء للاجتماع خلال شهر من صدور القرار لدراسة كافة جوانب الموضوع واقتراح الإجراءات التنفيذية لإنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة وتشكيلها وعرض نتائج أعمالها في غضون ثلاثة أشهر على اجتماع خاص لمجلس الدفاع العربي المشترك لإقراره.

وبالفعل، بعد أقل من شهر من اجتماع القمة، اجتمع رؤساء أركان القوات المسلحة بالدول العربية لدراسة كافة جوانب موضوع إنشاء القوة العربية المشتركة واقتراح الإجراءات التنفيذية وآليات العمل والموازنة المطلوبة لإنشاء هذه القوة.

وفي أغسطس الماضي، وبعد شهور من المباحثات، استعدت جامعة الدول العربية لاجتماع مجلس الدفاع العربي المشكل من وزراء الدفاع والخارجية العرب ﻹقرار البروتوكول الخاص بالقوة العربية المشتركة. غير أن الجامعة أعلنت، قبل يوم واحد من الانعقاد، عن تلقيها طلبًا من المملكة العربية السعودية بتأجيل عقد اجتماع مجلس الدفاع، إلى موعد لاحق. وهو الطلب الذي أيدته كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والعراق.

وكشفت صحيفة الشروق وقتذاك أن ذلك كان التأجيل الثاني للاجتماع بعدما كان مقررًا عقده في يوليو من العام الماضي. وقال السفير السعودي في القاهرة أحمد القطان في تصريحات لصحيفة الشرق اﻷوسط إن التأجيل يرجع إلى “عدم التوصل إلى صيغة متكاملة ونهائية تلقى قبولًا لدى كل الدول العربية لهذه القوة العسكرية”.

غير أن أي جديد يتعلق بهذه الصيغة المنتظرة لم يظهر في الأفق منذ ذلك الوقت، بعد مرور عام كامل، ووسط تضارب الأنباء حول مصير القوة العربية المقترحة.

من جانبه، يرى الباحث العسكري، العميد صفوت الزيات، أن القوة العربية المشتركة هي “أغنية قديمة” نسمعها اﻵن “بمطربين جدد وتوزيع جديد”، لكن هذا لا يغير من حقيقة اﻷمر الواقع شيئًا.

وترجع فكرة القوة العربية المشتركة تاريخيًا إلى معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، التي وقع عليه سبع دول عربية عام 1950. وطبقًا لها، تتألف لجنة عسكرية دائمة من ممثلى هيئة أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة لتنظيم خطط الدفاع المشترك وتهيئة وسائله وأساليبه.

فيما يقول “الزيات” إن أي تحالف عسكري يعمل على أساس وجود تحالف سياسي يتفق على اﻷهداف والتهديدات المشتركة، وهو اﻷساس الذي يمكن عليه بناء القوة العسكرية المشتركة سواء في هياكلها أو قيادتها أو تمويلها. مؤكدًا أن “البعد العسكري يأتي دائمًا في أعقاب البعد السياسي”.

ويضيف أن النظام السياسي العربي مهترئ، وهو أمر يتجلى بالنسبة إليه في اجتماع القمة العربية التي انطلقت اليوم والتي تعبر عن إجراءات شكلية أكثر منها خطوات سياسية حقيقية.

بدوره، يقول الدكتور محمد حسين، أستاذ العلاقات الدولة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن هناك أسبابًا مختلفة تمنع إنشاء القوة العربية المشتركة، يأتي على رأسها اختلاف اﻷنظمة العربية في مواقفها من القضايا الملحة كالموقف من اﻷزمة السورية وحرب اليمن، ووجود صعوبات فنية كالاتفاق على تشكيل القيادة والتمويل ومصادر السلاح.

واعتبر “الزيات” أن مشروع القوة العربية المشتركة “ولد ميتًا”، بسبب غياب اﻹجماع العربي على التهديدات المشتركة، موضحًا أن دول الخليج ترى في إيران التهديد اﻷكبر لها، بينما تعتبر دول أخرى أن التهديد اﻷكبر الذي يواجهها هي إسرائيل أو حركات المعارضة فيها، أو اﻹرهاب، واستكمل بأن توازن القوى السياسية اليوم يميل لمصلحة الدائرة الخليجية، معتبرًا أن سياسة المملكة العربية السعودية تميل لبناء تحالف إسلامي سني في مجابهة التحالف الشيعي بقيادة إيران.

كانت السعودية قد أعلنت في منتصف ديسمبر الماضي عن تشكيل تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب، يكون مقره العاصمة السعودية الرياض، حيث يتأسس بها مركز عمليات مشتركة لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب، وتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود، حسبما جاء في بيان التأسيس. وأعلنت 17 دولة عربية انضمامها للتحالف الجديد -من بينها مصر- إضافة إلى 17 دولة إسلامية أخرى. وهي القوة التي اشتركت مع القوة العربية المشتركة في أن أيًا منهما لم تتعدى مرحلة التفكير أو تدخل حيز التنفيذ.

اعلان
 
 
محمد حمامة