كَرَم «الناس العادية».. هكذا جُمعت وثائق تيران وصنافير
 
 

“ماما بتقولك بصي على الخريطة دي ووروها للقاضي عشان يعرف إنهم كدابين”، تنقل الباحثة أسماء علي هذه الجملة عن مراهق زارها وبحوزته كتاب مدرسي للصف الثالث الإعدادي، بالإضافة إلى رسالة ينقلها عن والدته مفادها أن الخارطة التي يحويها الكتاب تتضمن دليلًا على مصرية جزيرتي تيران وصنافير، على عكس الأكاذيب التي تسوقها السلطة، بحسب الأم، عن كون الجزيرتين سعوديتين.

فضلًا عن كونها باحثة وناشطة حقوقية، فأسماء هي زوجة المحامي الحقوقي مالك عدلي، أحد المدعين ضد الحكومة ورئاسة الجمهورية في دعوى إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، والذي تم القبض عليه وحبسه احتياطيًا -في زنزانة انفرادية في سجن طرة- على ذمة التحقيق في عدة تهم على رأسها “الترويج لشائعة أن تيران وصنافير جزر مصرية”. لتتلقى أسماء بعد ذلك “عدد يصعب حصره من رسائل التعاطف مع مالك”، حسبما قالت، بالإضافة إلى “زيارات من مواطنين أرادوا مد فريق المدعين في القضية بوثائق تاريخية تثبت تبعية تيران وصنافير لمصر”، وتتذكر أسماء كيف “تأثرت بشدة للقاء الفتي الذي نقل رسالة أمه الحماسية”، وتضيف: “رأيت كيف يهب أناس عاديون بسطاء الحال لنصرة قناعاتهم”.

كان عدد من المحامين، من بينهم خالد علي ومالك عدلي، ويوسف عواض، ومحمد عادل سليمان، وزياد العليمى، وطارق العوضي، قد قاموا برفع دعوى في شهر أبريل الماضي مطالبين بوقف تنفيذ وإلغاء قرار التوقيع على الاتفاقية التي وقعتها مصر والسعودية أثناء زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، والتي تتضمن تنازلًا عن الجزيرتين من مصر للسعودية، وهي الدعوى التي قبلتها محكمة القضاء الإداري في 21 يونيو الماضي وأصدرت حكمها بإبطال اتفاقية ترسيم الحدود، بما تضمنته من تنازل مصر عن الجزيرتين، واستندت المحكمة في قرارها إلى 23 وثيقة قدمها المدعين لتأكيد مصرية الجزيرتين، وبالفعل قالت المحكمة في حيثيات حكمها أن ما عُرض من وثائق تاريخية أكد ذلك، وهي الوثائق التي قال خالد علي في مؤتمر صحفي عقده في اليوم التالي؛ لشرح حيثيات الحكم، إن أيًا منها لم يكن بحوزته وقت إقامة الدعوى.

ورغم طعن الحكومة ممثلة في هيئة قضايا الدولة على حكم محكمة القضاء الإداري، ما يبقى القضية مستمرة، إلا أن كلمة السر في فوز المدعين ضد التنازل عن “تيران وصنافير” في الجولة الأولى من السجال القضائي بينهم وبين الدولة تظل هي الوثائق التي تثبت مصرية الجزيرتين، والتي كانت عملية جمعها مليئة بالتفاصيل التي كان معظمها ملهمًا.

حسن مسعد، المحامي في المركز المصري، قال لـ “مدى مصر” إن ما بدا لأول وهلة أمرًا عابرًا من قبيل منشور على الصفحة الشخصية لخالد علي على فيس بوك، ناشد فيه الناس تقديم ما قد يتوفر لديهم من وثائق، “انتهى إلى تطوع العشرات ممن لم نكن على صلة بأي منهم لمحاولة التعاون معنا بقدر الإمكان.. كان التجاوب لافتاً جدًا وأخذت الوثائق تتدفق علينا تباعًا”.

وكان “علي” قد كتب على صفحته الشخصية  في أبريل الماضي مناشدًا كل من يستطيع المساعدة: “القضية تحتاج إلى جهد بحثى وقانوني كبير على المستوى التاريخي والجغرافي والدولى والاستراتيجى والدستوري، لذلك ندعو كل من لديه القدرة على تقديم المعاونة البحثية فى هذه القضية ألا يبخل علينا بعلمه أو بما تحت يديه من وثائق”.

بدوره، قال خالد علي لـ “مدى مصر”: “توقعت تعاطف الناس مع القضية، لكن ما فوجئت به فعلًا كان تلك الشجاعة التي دفعتهم للالتفاف حولنا كلٌ بما استطاع.. رأيت بعيني الناس التي عهدناها أو كنا نظن أنها تخشى التدخل المباشر، تتجاوز خوفها هذا وتعلن -ضمنيًا- أنها تصدق روايتنا نحن لا رواية الحكومة”.

وحكى “علي”، مستشار المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والذي قاد فريق المحامين المدعين ضد الاتفاقية، بعضًا من المواقف التي عايشوها أثناء عملية البحث عن الوثائق التي كانوا يحتاجونها لإثبات صحة دعواهم، قائلًا: “في البداية كنا في حاجة لجمع القرارات الرسمية الصادرة بشأن الجزيرتين والمنشورة في “الوقائع المصرية”.. لم يكن الأمر صعبًا نظريًا، لكن بعض العاملين في تلك المطابع تطوعوا -دون طلب منا- لاستخراج صور منها على نفقتهم الشخصية حين علموا غرضنا من طلبها”، مضيفا: “تكرر الأمر نفسه تقريبًا خلال بحثي في الهيئة المصرية العامة للكتاب عن مراجع مفيدة لإثبات تبعية الجزيرتين لمصر تاريخيًا، وهو البحث الذي تزامن مع موعد الجرد السنوي المحدد سلفًا.. وفوجئت بالعاملين يوقفون أعمال الجرد لمساعدتي حينما علموا بالهدف من وراء بحثي، حتى استطعت العثور على كتاب نعوم شقير “تاريخ سيناء” الصادر عام 1906 و”موسوعة سيناء” وكتاب “سيناء عبر التاريخ”.

أما سامح سمير، المحامي في “المركز المصري”، وعضو فريق المحامين المدعين في القضية، فقال إن من وصفهم بـ “دائرة الأصدقاء” قد “ساهم من يعمل منهم في جهات حكومية بتيسير استخراج صور من أوراق رسمية يسمح القانون أصلًا بالاطلاع عليها والحصول على صور منها، لكن فعليًا كان الحصول عليها عسيرًا في ظل محاولات التعتيم على المعلومات بشأن الجزيرتين، وخاصة إذا كان طلب الحصول عليها يسهم مباشرة في دعوى قضائية للطعن على الاتفاقية”.

كانت تصريحات المصادر الرسمية، وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد أكدت على أن الجزيرتين سعوديتين، وهي التصريحات التي أيدتها الدوائر الرسمية، والكثير من الإعلاميين الموالين للنظام، وذلك في مقابل الأصوات التي دافعت عن مصرية تيران وصنافير، والتي كان أعلاها التظاهرات التي شهدتها شوارع القاهرة والمحافظات رفضًا للتنازل عنهما، ما نتج عنه حملة اعتقالات لعدد من المشاركين في تلك التظاهرات، فضلًا عن الكثير ممن لم يشاركوا فيها، والذين كان من بين التهم الموجهة لهم “الترويج لأخبار كاذبة” مفادها أن الجزيرتين مصريتين.

من جانبه، استكمل “علي” متذكرًا ملامح تعاون المواطنين مع فريق الدفاع عن مصرية تيران وصنافير: “حصلنا من باحث ومعد برامج تليفزيونية على كتاب باللغة الإنجليزية صادر عن وزارة المالية المصرية عن حدود مصر سنة 1945. بينما منحنا مهندس من هواة جمع الخرائط القديمة أطلس وزارة المعارف المصرية الذي يعود للعام 1922، كان رجلًا حريصًا بشدة على مقتنياته من الخرائط القديمة لكنه قال إنه سعيد بأن مساهمته تلك ستذهب لإثبات مصرية تيران وصنافير”.

وأضاف: “تمكنّا من الحصول على كتاب صادر عن وزارة البيئة عن المحميات الطبيعية المصرية من ابنة أحد الكتاب الذين ساهموا في صياغة الكتاب، والتي جاءت من الاسكندرية خصيصًا لتعطينا الكتاب، كما جاءت شابة أخرى خصيصًا من كفر الشيخ لتسلمنا صورًا ضوئية لكتاب الرحالة البريطاني أوجست فالين، والذي تمكنّا لاحقًا من الحصول على نسخة أصلية منه استعارتها أستاذة جامعية من مكتبة الجامعة الأمريكية، وأرسل لنا أحد المقاتلين الذين شاركوا في حرب أكتوبر أطلس القوات المسلحة عبر وسيط من جانبه، وسلمتنا سيدة تعمل في قطاع السياحة أطلس جامعة كمبريدج الصادر عام 1940 والذي كان ضمن مقتنيات أسرتها”.

أما حسن مسعد فقال لـ “مدى مصر”: “قابلت في ميدان طلعت حرب أشخاصًا لا أعرف أسماءهم حتى، قدموا لي كتبًا قديمة لعلها تفيد في القضية “، مضيفًا: “ثمة من جاء من بلدته الريفية في الشرقية خصيصًا حاملًا كتاب -استبعدناه لاحقًا من قائمة الوثائق التي ضمتها أوراق القضية- رأى أنه سيفيدنا، بخلاف من أرسل لنا أطلس المملكة العربية السعودية عبر البريد من إحدى دول الخليج العربي، كما حصلنا بالطريقة نفسها على صورة رسمية من خرائط المنطقة من مكتبة برلين”، ووصف “مسعد” كل تلك المبادرات بـ “شغف الناس لإثبات أن الأرض مصرية”.

وفي الوقت الذي وصلت قضية الجزيرتين إلى محطة مجلس الدولة، الذي ينتظر أن يفصل نهاية الشهر الجاري في الطلب المقدم من المحامي محمد عادل سليمان لرد دائرة فحص الطعون في المحكمة الإدارية العليا، والتي تنظر طعن الحكومة على قرار المحكمة ببطلان التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تضمنت التنازل عن تيران وصنافير. عقب خالد علي على تلك المواقف التي عايشها هو وفريق المدعين في القضية أثناء عملية تجميع الوثائق قائلًا: “كان حماس الناس والجهد الفائق الذي بذلوه لجمع كل ما تمكنوا من جمعه من وثائق هو الدليل الأبرز من وجهة نظري على مصرية تيران وصنافير.. هؤلاء الناس يدافعون عن تيران وصنافير لإنها أرضهم.. هذا هو الدليل لا ما تحويه الوثائق نفسها”.

اعلان
 
 
بيسان كساب