مخاض عالم رائع جديد (3): مين اللي يقدر ينافس أوبر!

لا جدل حول تفوق أوبر في جودة الخدمة. الأمر لا ينحصر في شكليات كموديل السيارة وبشاشة السائق، ولا رفاهيات مثل تشغيل التكييف، وإنما يمتد لأمور مهمة مثل الشعور بالأمان ووجود آليات فعالة لمكافحة التحرش الجنسي. لكن تفوق أوبر وهيمنته لا يعتمدان على الجودة فقط، بل على عوامل هيكلية في الأسواق.

يقلقني السعي الدؤوب لفرض تقنيات اقتصاد المشاركة على التعليم مثلًا أو الرعاية الصحية. كما أتحسب ليوم تظهر فيه تقنية تُزعزِع مجال عملي. لذا اهتم برصد عجز التاكسي الأبيض عن المنافسة، وهو ليس أمرًا منزوعًا عن السياق العام في القاهرة، كما أن تفوق أوبر ليس منزوعًا عن السياق العام في كاليفورنيا.

منعُ مقدمي خدمة التاكسي في مصر والراغبين في الاستثمار فيها من تطويرها، يحدث بفعل فاعل. مثلًا سبقت إطلاقَ تاكسي العاصمة محاولةٌ لتأسيس شركة تدير أسطول تاكسيات متصلة بغرفة تحكم مركزية من خلال راديو قصير الموجة (لاسلكي)، ورفضتها الأجهزة الأمنية والجهات السيادية. المحاولة الثانية استُبدل فيها بشبكة الراديو الاتصال بالمحمول مع متابعة الأسطول من خلال أجهزة تحديد الموقع الجغرافي (جي بي إس)، واصطدمت أيضًا برفض أمني. لم تكتف الأجهزة الأمنية برفض فكرة غرفة التحكم المركزية من بابها، بل امتد الأمر إلى منع تقنية تحديد الموقع وعرقلة تطور نظم المعلومات الجغرافية، إما بالمنع أو برفض إتاحة ما تملكه الدولة من خرائط بتكلفة معقولة. إلى أن فرضت هيمنة الآيفون وخرائط جوجل تغييرَ السياسات. تأثير شركات كاليفورنيا على سلطاتنا واسع، وتنفتح أبواب الوزارات بل والرئاسة لممثليها. أما الشركات المحلية فلا تنفتح لها إلا متاهات البيروقراطية وكوابيس القيود الأمنية.

وبعيدًا عن محاولات التطوير التقني، طُرحت أفكار أكثر تقليدية لإقامة مشاريع نقل جماعي أكثر آدمية من الميكروباص، وأقل تكلفة من التاكسي. النقل الجماعي في أغلب بلدان العالم هو خدمة مدعومة من أموال الضرائب، أي أنه ليس مجالًا مغريًا بالاستثمار لمن يرغب في تحقيق هوامش ربح مرتفعة. لذا سعت تلك المشاريع لتأسيس تعاونيات للنقل الجماعي بقاعدة ملكية واسعة، يُمَثَّل فيها السائقون وقطاع من الركاب. اصطدمت تلك الأفكار بقصور تشريعي لا يسمح فعليًا بتأسيس تعاونيات.

أما عن التاكسي الأبيض نفسه، فسائقوه وملاكه، مثل كل المصريين، محرومون من حق التنظيم النقابي الحر. لذا لم تُتَح لهم المشاركة في صياغة مشاريع لتطوير الخدمة، ولا تحريك أسعار العداد لتتناسب مع زيادة أسعار الوقود أو قطع الغيار أو حتى السلع الأساسية، ولا تحقيق مرونة في التسعير تفرَّق بين أوقات الذروة وأوقات الهدوء النسبي، أو ساعات العمل وساعات الليل المتأخرة، ولا تفرِّق بين المشاوير داخل المدينة والمشاوير التي تستدعي ركوب الطرق السريعة. وهي حقوق متاحة لسائقي التاكسي في أغلب البلدان المتقدمة، ليعكس السعرُ التباينَ في المخاطر أو المشاق أو معدلات إهلاك السيارة.

بالمقابل، تبنت الدولة سياسات تنموية خلقت وضعًا مثاليًا لأوبر بتوسعها في بناء أحياء ومدن جديدة، بدون الاستثمار في وسائل نقل جماعية، رغم انخفاض تكلفة مد خطوط قطارات في الصحراء المنبسطة، كما تجاهلت الدولة حجز حارات للأوتوبيسات على الطرق السريعة، وبدلًا من تقديم تسهيلات وحوافز للقطاع الخاص للدخول في مشاريع نقل جماعي، قدمت الدولة تسهيلات ائتمانية للمستهلكين شجَّعت على امتلاك السيارات الخاصة، واستمرت في توفير البنزين المدعوم للسيارات الملاكي، حتى بعد أن تحولنا لبلد تستورد الوقود بكثافة.

هذه السياسات التنموية لا تعبر فقط عن انعدام الكفاءة وقصر النظر والمركزية المفرطة في اتخاذ القرار، بل هي بالأساس تعبير عن الانحياز لمصالح شريحة من المجتمع، جنت ثروتها من الاستثمار العقاري، وصمَّمت المدن والأحياء الجديدة بناءً على رؤيتها للعالم وقيمها الثقافية وتصورها عن شكل الحداثة والرفاهية، الممثَّل في كومبوندات وسيارات خاصة تقطع مسافات شاسعة بين أماكن السكن والدراسة والعمل والترفيه.

هذه المنظومة القيمية ليست بمعزل عن التأثر بكاليفورنيا، فاقتصاد كاليفورنيا يكاد يكون الاقتصاد الحديث الوحيد الذي لا تلعب فيه وسائل المواصلات العامة والنقل الجماعي دورًا يُذكر، حتى مقارنةً بولايات أمريكية أخرى كنيويورك. كما أنها ليست مصادفة أن يسمى أحد أقدم مشاريع كومبوندات ضواحي القاهرة “بيفرلي هيلز” نسبةً إلى الحي الهوليودي الشهير.

كيف تقاس المسافة بين القاهرة وكاليفورنيا

يصر المتحمسون للتقنيات المزعزِعة والثورة التكنولوجية الرابعة على إنكار أي محتوى أيديولوجي أو ثقافي لهذه التقنيات، ويفسرون الانحياز الجغرافي بالأسبقية التاريخية فقط. وفقًا لهم، فكل ما يحتاجه “رواد الأعمال” في أي مكان على الكوكب هو فكرة. فرص الكل متكافئة في تحويل تلك الأفكار لمشاريع ناجحة بتكلفة منخفضة، على أساس أن تصميم برمجيات وتطبيقات جديدة لا يحتاج لعقود من التراكم الرأسمالي، اعتمادًا على تولي الشركات الكبرى كأبل وجوجل وأورانج وفودافون مهمة توفير البنية التحتية وإزالة العقبات البيروقراطية. نظريًا لا فارق بين شركة مصرية وأوبر إلا الأسبقية. طالما أن لدى الشركة المصرية فكرة تمثل حلًا ناجحًا لمشكلة حقيقية.

يمكن رصد تهافت هذه الأساطير بسهولة. فلو أن كل المطلوب فكرة، ولو أن الأسبق غالبًا يفوز، لما هيمنت أوبر أصلاً، ﻷنها ليست أول من اخترع آليات اقتصاد المشاركة، ولا أول من وظَّفتها في التشارك في السيارات الملاكي كبديل للتاكسي. لم تقدِّم أوبر تقريبًا أي حلول أو أفكار جديدة أو خصائص فريدة لم يأتِ بها منافسوها والسابقون عليها، اللهم إلا استراتيجيات لإغراق السوق ومزاحمة المنافسين بأساليب مطعون في قانونيتها.

حتى شرط أن تُقدِّم الفكرة حلًا لمشكلة حقيقية مجرد أسطورة. فمدن مثل باريس ونيويورك بها وسائل مواصلات عالية الجودة والكفاءة والانضباط وواسعة التغطية، كما أن خدمات التاكسي بها لم تكن مصدر شكوى واسعة مثلما في مصر، حتى يتسنى الحديث عن حلول ومشاكل. ومع ذلك اقتحمت أوبر تلك الأسواق بعنف يهدد أرزاق سائقي التاكسي، وبإلحاح يغري الحكومات بالتخلي عن التزاماتها تجاه وسائل النقل الجماعي (خصوصًا أن نقابات العاملين بمؤسسات النقل العام تتمتع بمركز تفاوضي قوي، نظرًا لامتداد تأثير إضراباتها على كافة أوجه النشاط الاقتصادي).

لو كانت الفرص متكافئةً حقًا، لرأينا تطبيقات وخدمات ناجحة عالميًا صادرة من بلاد لها إسهاماتها المهمة في تطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ومع ذلك لا ريادة أوروبا الغربية في تطوير الوِب، ولا ريادة الإسكندناف في تطوير المحمول، ولا ريادة كوريا الجنوبية في تطوير الشبكات، ولا ريادة اليابان في تطوير الإلكترونيات، انعكست في قوائم التطبيقات الأكثر انتشارًا. بل أن المنافسة من ولايات أمريكية غير كاليفورنيا نادرة.

يقوم نموذج كاليفورنيا ووادي السيليكون على تخمة في التمويل تسمح بتغيير قواعد السوق، بحيث تُعفى الشركات من ضرورة تحقيق أرباح، مقابل أن تحقق نموًا مطردًا ومتسارعًا، على أساس أن نمو قاعدة المستخدمين وتزايد اعتمادهم على الخدمة المقدمة يعكس قيمة مضافة يمكن تحويلها لأرباح في مرحلة لاحقة. وفقًا لهذا النموذج، لا يحقق المستثمر مكاسب من توزيع أرباح الشركة، بل من حصيلة بيع الشركة نفسها، بأضعاف ما استثمر فيها، لشركة أكبر تتولى هي مسؤولية تحويلها لوحدة رابحة أو حتى امتصاص الخسائر المستمرة في صورة تخفيض ضريبي (بيع أنستاجرام لفيس بوك مثلًا)، أو يحقق المستثمر مكاسبه بعد إدراج الشركة في البورصة من خلال المتاجرة في الأسهم التي يرتفع سعرها، لتعكس حصة الشركة من السوق ومعدل نموها والقيمة المضافة، بغض النظر عن تكاليف التشغيل وصعوبة جني الأرباح. السر وراء تفوق أوبر بكل بساطة هو تمويل خرافي يسمح للشركة بتحمل خسائر ضخمة عامًا وراء عام. لا تحقق أوبر أرباحًا في الوقت الحالي، ولا حاجة لها لتحقيق أرباح على المدى القريب، ولا حتى المتوسط. هذا التمويل يسمح لها بإغراق أي أسواق تلاقي فيها منافسة أو مقاومة، بأن تصرف مثلًا مكافآت إضافية للسائقين لاستقطابهم بعيدًا عن المنافسين، كما يسمح بالإنفاق على حملة دعاية وعلاقات عامة واسعة التأثير، بما فيها على صانعي القرار، والأهم أنه يسمح بالتوسع السريع في أسواق جديدة دون الحاجة للتأني والدراسة المرتبطة أساسًا بحسابات المكسب والخسارة، والأخطر هو إمكانية تحمل تكاليف أي نزاعات قضائية مع منافسين أو سائقين أو زبائن أو ممثلين للحكومات المحلية أو المجتمع المدني، ومد إجراءات التقاضي لاستنزاف الخصوم، ثم التسوية خارج المحاكم، قبل صدور أحكام نهائية قد ترسخ مبادئ ملزمة.

عند مرحلة ما من هذا النمو السريع يتحول الأمر لاحتكار للسوق بفضل ما يسمى بـ”تأثير الشبكة”. فأي سائق جديد سيفضِّل أوبر على المنافسين بسبب اتساع قاعدة المستخدمين، والأمر ذاته ينطبق على الركاب. وطبعًا نظام تقييم السائق والراكب أكثر كفاءة مع زيادة عدد المستخدمين وعدد الرحلات.

تحمُّلُ خسائر في مراحل التأسيس، أو لوضع قدم في سوق جديدة، هو سلوك طبيعي في أي نشاط رأسمالي، لكن تمويل خسائر فادحة لفترة ممتدة بغرض السيطرة على السوق يُسمَّى عادة إغراقًا وَسَعيًا للاحتكار. أما ضخ أموال لدرجة تعفي قطاعًا ما من أعباء تحقيق أرباح، فيسمى عادة دعمًا مستترًا، ويُفترض أن التوسع فيه مضرٌ للتنافسية ومشوه للأسواق. لو تبنت شركة مصرية تعمل في الفضاء المادي (صناعات غذائية مثلًا) استراتيجية مشابهة من إغراق معتمدٍ على دعم يقوِّض التنافسية سعيًا لفتح واحتكار سوق أوروبية مثلًا لرُدعت فورًا. لكن شركات وادي السيليكون تستمر في تمويل الخسائر، حتى بعد نمو قاعدة زبائنها لتصل إلى مئات الملايين.

وتلاقي اقتصادات تسبقنا بمراحل صعوبةً في استنساخ أو منافسة نموذج كاليفورنيا هذا، رغم الرواج المفرط لسياسات تشجيع “رواد الأعمال” و”الشركات الناشئة”. فما بالكم بحال بلادنا؟

مثلًا، تحاول ألمانيا المنافسة بتشجيع البنوك على ضخ أموال لسوق البرمجيات والتطبيقات، عن طريق تسهيل الائتمان للشركات الناشئة، وتقبل مخاطر فشل وإغلاق العديد من المشاريع على أمل أن يعوض نجاح مشروع واحد خسائر العشرات.

في مصر، وأيًا كان مصدر التمويل وشروط الائتمان، فغالبًا ينتهي بك الحال للتوقيع على شيكات أو وصولات أمانة. أي أن المخاطرة والتجربة مصيرها السجن وخراب البيوت.

تكاد الصين تكون الدولة الوحيدة التي نجحت في تحصين اقتصادها من زعزعة وادي السيليكون، بل ونجحت في دعم شركات محلية تقدم خدمات بديلة. استخدمت الصين نفس آليات تشجيع التصنيع، أي السياسات الحمائية والقيود الصارمة التي تحدد أي الشركات الأجنبية يُسمح لها بدخول السوق الصينية وفي أي مجالات، مع قائمة شروط طويلة (يقضي مارك زوكربرج الكثير من وقته في الصين في محاولات دؤوبة لإقناع السلطات بالسماح بدخول فيس بوك للسوق الصينية). هذه السياسة انعكاس لسياسات إحلال الواردات التي تبنتها دول ما بعد الاستعمار في مراحل تشجيع التصنيع. لكن يضاف إليها في المجال المعلوماتي الرغبة السلطوية في التحكم التام، والتقييد الصارم لحرية الرأي والتعبير.

وبما أننا غالبًا لا ننوي إصلاح سياساتنا التنموية، ولا تطوير بنيتنا التحتية، ولا تحسين تعليمنا، ولا تشجيع مبادراتنا الفردية، ولا إطلاق حرياتنا العامة، ولا حتى إحلال وارداتنا، وغالبًا لن ننقل عن الصين إلا النزعة السلطوية، فالأفضل لي ولكم أن نضع القلق جانبًا ونتعلم أن نحب أوبر.

وبكرة تحلى لما أوبر يلغي السواق لصالح سيارة ذاتية القيادة، ومشوار الجامعة يبقى أرخص، وبعده أحلى كمان لما يلغوا الجامعة وتلغي المشوار وتقعد في بيتك معزز مكرم تتعلم من خان أكاديمي، وبعده أحلى وأحلى لما تلغي مشوار الشغل كمان، وتقعد في بيتك فواعلي بتشتغل بالحتة في سوق عمل مرن مبني على المشاركة، وبعده أحلى كمان لما يطلَّعوك معاش مبكر لصالح روبوت.

ما تنساش تشغل التكييف، دا البنزين مدعم والدعم لازم يوصل مستحقيه.

اعلان
 
 
علاء عبد الفتاح