خلف الكواليس.. التوتر في العلاقات المصرية الأمريكية يتصاعد
 
 

يسود شعور في القاهرة بأن الولايات المتحدة تساند الحكومة المصرية بحماس، رغم الحملة الأمنية التي تشنها السلطات على منظمات حقوق الإنسان، والصحفيين والشخصيات العامة. فإلى جانب عودة تدفق المساعدات العسكرية والاقتصادية بحرية عقب فترة توقف قصيرة في عام 2013، قام عدد من الشخصيات الأمريكية الهامة بزيارة مصر، وأصدر مسؤولون أمريكيون تصريحات داعمة للحكومة المصرية.

ويبدو أن الرئيس عبد الفتاح السيسي، على وجه الخصوص، يتمتع بحب الحزب الجمهوري. لقد تغير موقف السيناتور الأمريكي “لينزي جراهام”، من السيسي وامتدحه بقوة مؤخرًا بوصفه: “الرجل المناسب في المكان المناسب”. وحتى من يُصدرون تصريحات بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، مثل وزير الخارجية “جون كيري”، يؤكدون على أهمية مصر كشريك إقليمي، وهي جزئية تعمل وسائل الإعلام المحلية على تضخيمها.

يرى محللون سياسيون في واشنطون أن الحقيقة أكثر تعقيدًا، وأن العديد من مسؤولي الإدارة الحكومة الأمريكية أصبحوا أكثر إحباطًا إزاء ما تفعله القاهرة.  

تقول ميشيل دن، مستشار أول برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، إن الآراء بشأن التعاون مع مصر تتباين وفق مدى معرفة الأشخاص بالبلد والتحديات التي تواجهها، وتضيف: “بالنسبة للجمهور الأمريكي وأعضاء الكونجرس الذين لا يتابعون القضايا في الشرق الأوسط عن كثب، لديهم تصور أن المشكلة في الشرق الأوسط هي داعش، وأن مصر ضحية من ضحايا داعش، وبالتالي علينا الوقوف إلى جانب مصر في معركتها ضد الإرهاب، ومنع داعش من إقامة قاعدة عمليات رئيسية في سيناء”.

لا يميل المتخصصون في شؤون الشرق الأوسط إلى دعم مصر دون انتقاد أداء جهازها الأمني، بحسب “ميشيل”، التي تضيف: “يرى كثير من المطلعين على الموقف في الحكومة الأمريكية أن الإرهاب في مصر هو صناعة محلية، وأن الجماعات الإرهابية المصرية نشأت نتيجة التعرض للظلم، ويبدو تعاطفهم مع داعش أمرًا ثانويًا. لقد جرت أمور كثيرة في مصر –خاصة منذ 2013- أدت إلى زيادة الإحساس بالظلم والاغتراب، وهو ما دفع البعض إلى الانضمام إلى تنظيمات مثل داعش”.

يقول “ستيفن مكينيرني”، المدير التنفيذي لمشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، إن القلق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، واحتمالية جعل الشباب أكثر تطرفًا بسبب تلك الانتهاكات، يقترن بشعور أن الحكومة المصرية أصبحت “كابوسًا يصعب التعامل معه”.

يضيف “مكينيرني”: “لقد شهد العام الماضي زيادة واضحة في النزعة العدائية تجاه الولايات المتحدة في وسائل الإعلام (المصرية) المملوكة للدولة، مما تسبب في إحباط قوي هنا في واشنطن، حتى في أوساط الحكومة الأمريكية، إذ يُظهر العديد من المسؤولين في الحكومة المصرية نوعًا من الازدراء للولايات المتحدة، ويتصرفون باعتبارهم أصحاب حق في تلقي كل أموال المعونات. ولكن يصعب التعاون معهم. إنهم لا يستجيبون للطلبات، أو يقدمون إجابات مربكة ومتناقضة ومراوغة”.

قد تتعامل الحكومة المصرية بتعسف، خاصة حين يتعلق الأمر بتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما أظهره تقرير صدر مؤخرًا عن “مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط”. لقد تم رفض تسجيل منظمات دولية مكلفة بتنفيذ مشروعات تم الاتفاق عليها بشكل مشترك، أو منحها تصريحات بالعمل في مصر. تعرضت بعض تلك المنظمات إلى هجوم في وسائل الإعلام، مثل منظمة “أر تي أي الدولية”، وهي منظمة غير ربحية مقرها في واشنطون، قامت بتنفيذ برامج تعليمية في مصر لأكثر من عشر سنوات. في أبريل الماضي، تعرضت المنظمة لهجوم من جريدة اليوم السابع الخاصة يتهمها بتنفيذ مؤامرة عسكرية أمريكية عن طريق استخدام أموال المعونات في تأجيج فتنة طائفية، وفي تقويض القيم المصرية عن طريق دعم حقوق المثليين.

يقول”مكينيرني”: “لقد ضيقت الحكومة المصرية والأجهزة الأمنية الخناق على منظمات المجتمع المدني المستقلة، ومنعتها من العمل بحرية. وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن لتلك لمنظمات الحصول على دعم أجنبي، لأنه مشروط بقدرتها على إنفاقه”.

أدت هذه الصعوبات إلى عدم صرف مبلغ يتراوح من 500 إلى 700 مليون دولار من المعونات الاقتصادية. وفي تقرير آخر صدر مؤخرًا عن مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية، التابع للكونجرس، تم إلقاء الضوء على إخفاق الحكومة الأمريكية في إجراء المراجعة المطلوبة قانونًا لسجل حقوق الإنسان الخاص ببعض أفراد الأمن الذين يتلقون تدريبًا في الولايات المتحدة، إلى جانب وجود ثغرات في التفتيش على المعدات العسكرية التي منحتها الولايات المتحدة إلى مصر. ورغم تركيز منظمات حقوق الإنسان على مسؤولية الولايات المتحدة في التأكد من تنفيذ هذه المراجعة، إلا أنه من الملاحظ أن “التعاون المحدود من جانب الحكومة المصرية” أعاق برامج المراقبة الأمريكية.

لقد حملت هذه التقارير القليل من المفاجآت لبعض المطلعين على الشأن المصري، إلا أن نشرها تطلب الإعلان عن رد فعل. تقول “ميشيل”: “ما قامت التقارير الرسمية بتوثيقه طرح الكثير من المعلومات التي أظن أن أعضاء الكونجرس يحدقون إليها في دهشة، ويطرحون أسئلة حول عدم إنفاق مبالغ من المعونة الاقتصادية، وأسباب عدم إنفاقها، وهل يجب إلغاء هذه المبالغ من المعونة أم لا”.

ضاعف انتقاد الولايات المتحدة بقسوة في مصر من الشعور بالإحباط في واشنطون. فرغم تدفق معونات بمليارات الدولارات إلى مصر، أظهر مسح أجراه “مركز بيو للأبحاث” في 2014 أن نسبة 10% فقط من المصريين لديهم وجهة نظر جيدة عن الولايات المتحدة، وهي أقل نسبة في الدول التي تم إجراء المسح فيها. تقول “ميشيل”: “هناك شعور هنا أن الولايات المتحدة تحاول لعب دور إيجابي بعد 2011، ولكنها لا تتلقى سوى اللوم مهما حاولت أن تفعل لكي تقدم المساعدة”.

يقول “جون ألترمان”، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “تتعرض الولايات المتحدة للنقد حين تنأى بنفسها، وتتعرض للنقد كذلك حين تتدخل، رغم أنني أزعم أنها لم تتدخل بقوة”.

يصدر هذا النقد عن مختلف ألوان الطيف الأيديولوجي، بداية بمن يزعمون أن الولايات المتحدة (ومجموعة متغيرة من المتآمرين المعاونين) يخططون لإضعاف مصر وتقسيمها، وصولًا إلى النشطاء الذين يقولون إن الولايات المتحدة لا تهتم بالديمقراطية مثل اهتمامها بدعم رجال الأعمال الأمريكيين وبالمصالح العسكرية.

ترد الولايات المتحدة على الانتقاد الأخير بأن المصالح الأمريكية المصرية لا تقتصر عليهما فقط. “المساعدات الخارجية الأمريكية في مصر، وغيرها من دول العالم لها هدف مزدوج، وهو تحسين حياة الناس وتعزيز المصالح الأمريكية. تأتي المساعدات الخارجية في إطار السياسة الأمريكية الخارجية التي تسعى إلى تحقيق تنمية واسعة النطاق، كما تساعد في توسيع نطاق المجتمعات المستقرة والحرة، وتعزيز الرخاء الاقتصادي وخلق الشركاء التجاريين، ودعم النوايا الحسنة في الخارج”، بحسب تصريح المتحدث باسم السفارة الأمريكية لـ”مدى مصر”. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن هذه الرسالة لم تجد صدى، إلى حد كبير لدى المصريين.

إذا كان المسؤولون الأمريكيون غير راضين حقًا عن طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر، وعن المسار الذي تتخذه مصر، فإن هذا يطرح سؤالًا حول ما يمكن للولايات المتحدة القيام به حيال ذلك.

تقول “ميشيل”: “ليس من الواقعي الاعتقاد أنه بمقدور حكومة ما إجبار حكومة أخرى على التصرف بطريقة معينة. ليس على الولايات المتحدة أن تحدد للحكومة المصرية ما يجب القيام به، ولكن عليها أن تقرر إن كانت ستدعم الحكومة المصرية، وبالتالي تتواطأ مع ممارساتها، أم لا”.

يمكن أن تكشف الولايات المتحدة عن موقفها عبر التصريحات الرسمية، أو عن طريق دعم مصر في المؤسسات الدولية، إلا أن الوسيلة الأقوى هي عبر المساعدات. توضح “ميشيل”: “لقد ساد شعور منذ وقت طويل للغاية بأن المساعدات التي تبلغ 1.5 مليار دولار -1.3 مليار مساعدات عسكرية والباقي مساعدات اقتصادية- سوف تستمر إلى الأبد. أعتقد الآن أن الأمر أصبح محل شك”.

حتى عام 2015، كانت الولايات المتحدة تضمن لمصر ما يعرف بتمويل التدفق النقدي، والذي يضمن للقاهرة ائتمانًا يمكنها من عقد صفقات سلاح ضخمة، يتم سداد ثمنها من المعونات المستقبلية. منع هذا الإجراء الكونجرس من التدخل في منح مصر مخصصات عسكرية من المعونة بقيمة مليارات الدولارات إلى الأبد. سوف تتغير هذه الميزة في عام 2018، مما يعطي الولايات المُتحدة مرونة في تخفيض حجم المعونات العسكرية.

يقول “ألترمان” إنه ليس من المستحيل قيام الولايات المتحدة بالتفكير في قطع المعونات مستقبلًا، ويضيف موضحًا: “لقد استفادت الولايات المتحدة كثيرًا من علاقتها بمصر، بعضها استفادة ذات بعد تاريخي. لقد كانت مصر جائزة كبيرة أثناء الحرب الباردة. ربحت الولايات المتحدة الكثير، وما زالت تجني الأرباح من تعاونها العسكري، والاستخباراتي مع مصر”. ومن بين تلك الفوائد فتح سوق كبير للقمح الأمريكي، والسماح بتحليق طائرات عسكرية فوق منطقة القناة، ومرور قطع بحرية عسكرية عبر قناة السويس، إضافة إلى التعاون الدبلوماسي.

يضيف “ألترمان”: “لا يمكن الاستغناء عن مصر. ولكني لا أعتقد استمرار الدعم غير المشروط من الجانب الأمريكي لمصر، رغم تواصل الإهانة والأفعال غير المسؤولة من جانب الحكومة المصرية”.

يستبعد “ألترمان” كذلك احتمال قلق المسؤولين الأمريكيين من تقارب مصر مع دول مثل روسيا والصين. ويشرح: “إذا فكر أحدهم في علاقة قوية مع روسيا، وهي دولة إجمالي الناتج المحلي لها يساوي الناتج الإجمالي المحلي لأسبانيا، مقارنة بعلاقة مع الولايات المتحدة، فإن لديه مشكلة مع الحساب. اقتصاد روسيا ضعيف، وصحيح أن لديها أسلحة، ولكن ليس بمقدورها القيام بأي شيء بنّاء في أي مكان في العالم. الصين لا ترى ميزة كبيرة في مصر، ولا ترغب في استثمار الكثير فيها. فكرة أن الصين سوف تلعب دور المنقذ لمصر لا تقوم على أساس أي حوارات مع أي مسؤول في الصين”.

يضيف “ألترمان”: “لقد سخر المسؤولون المصريون وقالوا: يمكننا الذهاب إلى أي دولة أخرى، فكان رد المسؤولين الأمريكيين، حسبما عرفت، هو: دعوهم يفعلون هذا وسوف يكتشفون أن الأمور لن تكون في صالحهم مع دولة أخرى”.

لا يعني كل هذا أن على المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر انتظار رد فعل قوي من الولايات المتحدة إن استمرت الحملة القمعية في مصر.

تقول “ميشيل”: “هناك بالقطع الكثير من القلق في واشنطن بشأن وضع حقوق الإنسان في مصر، ولكن من الصعب على المسؤولين الأمريكيين أن يجدوا طريقة للإفصاح عن مخاوفهم دون وقف دعمهم لمصر”. ولكن عند حد معين يجب أن تقرر الولايات المتحدة –وغيرها من الحكومات الأجنبية- إذا ما كان عليها الضغط من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان، رغم احتمال المخاطرة بعلاقاتها الاقتصادية والأمنية مع مصر. تضيف “ميشيل”: “لقد كان سؤالًا صعبًا على الدوام. فمخاطر الإرهاب على مصر حقيقية، ولكنهم يعتقدون –كما يعتقد العديد من المسؤولين الأمريكيين- أن هذه المخاطر ناجمة جزئيًا عن ممارسات الحكومة المصرية”.

يقول “مكينيرني” في معرض حديثه عن نشطاء حقوق الإنسان في مصر: “أعتقد أنه سيكون هناك حدود للدعم الأمريكي لهم، ولكن لسوء الحظ لا أعتقد أن لدى الحكومة الأمريكية أو الإدارة الأمريكية سِجل حافل يمكن أن يكشف عن دعم ثابت أو قوي كما ينبغي أن يكون. لقد كان الدعم الذي تلقاه المجتمع المصري من المجتمع الدولي متقطعًا وغير منتظم؛ وخاصة من الولايات المتحدة. لعب الدعم دورًا مهمًا عند توفره، إلا أنه لم يكن متواصلًا. لسوء الحظ، أخشى أن يستمر الوضع على هذا المنوال”.

 
اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن