رسالة من الزنزانة: الموت ﻷسباب أمنية!

أقف بين رفاقي. كانت الابتسامات لا تزال مرتسمة على الوجوه، ونظرات السعادة التي تلي رؤية الزوجات والأولاد لم يذهب تأثيرها عليهم بعد، عندما وجدت هذا الرجل الستيني ينبهني بالطرق على ساقي أني وطأت بقدمي يده التي يستند بها على الأرض التي افترشها. لم يكن معتادًا أن أجد من يجلس بهذا المكان. “آسف يا حاج”، اعتذرت له، فالتفت: “مافيش حاجه يا ابني”.

حدث هذا الموقف بعد زيارة يوم الأحد 24 أبريل الماضي، وكنت قد رأيته مرتين قبل هذا الموقف: قبل الزيارة وأثناءها. ثلاثة مشاهد متتالية رأيت فيها الحاج ممدوح، ويكفي أحدها فقط ﻷي إنسان (وليس لطبيب حديث التخرج مثلي موقوف عن العمل منذ حوالي ثلاث سنوات) ليعلم أن هذا العجوز الذي أنهكه المرض سيكون أقرب ضحية للموت ظلمًا في السجون. يكفي أن تتكلم مع الرجل لثلاث دقائق كما أتيح لي، لتسقط دموعك دون إرادتك، حزنًا على مرض الرجل الذي نال من جسده وصحته بسبب ظروف السجن التي جعلته يفضل البقاء في زنزانة ضيقة على أن يُحجز في مستشفى السجن التي لا تقدم ولو أقل قدر من الرعاية الطبية التي يمكن تقديمها لكائن حي؛ حيوانًا كان أم إنسانًا.

يبرر الحاج ممدوح اختياره ذلك بقوله: “أموت بين اخواتي اللي بيخدموني يا ابنى، في المشتشفى مافيش حد هيخدمني”. ستبكي رغمًا عنك لإحساسك بالعجز عن تقديم أي شيء لهذا المسن المريض، ولعجزك عن أن تقول للضابط المسؤول عن الزيارة إن هذا الرجل المسن المريض سيموت بين أيديكم وأنتم لا تقدمون له أي شيء. ستبكي قهرًا عندما تسأله “واخد كام سنة يا حاج؟” لأنه يرتدي البدلة الزرقاء الخاصة بالمحكومين، فيجيبك “عشر سنين”!

ستبكي غمًا وكمدًا عندما تتساءل عما فعله هذا العجوز المريض قليل الحيلة عندما قُبض عليه ليقدَّم إلى المحاكمة العسكرية وهو في حالته تلك. ماذا فعل لوطنه ليجازيه بعد هذا العمر، ليس فقط بفيرس سي الذي أصابه نتيجة تلوث طعامه وشرابه، ولكن بالموت بعيدًا عن زوجته وأبنائه وأحفاده في ظلمات ووحشة الزنازين، محرومًا حتى من نظرة وداع قبل الفراق الأخير؟

أي قَدْر من الذنوب ستحملها أيها القاضي العسكري بعد أن حكمت على الحاج ممدوح بالموت بهذه الطريقة البشعة؟ أي ظلم يرتكبه أي ضابط أو طبيب في مستشفى السجن رأى الحاج ممدوح وتركه يموت في مكان غير آدمي كهذا، ليقضي فيه اللحظات الأخيرة؟

لن أتاجر بدم الحاج ممدوح في سرادقات الثورة والهتافات ضد الحكم العسكري والسيسي. لن أتحدث عن الديكتاتورية التي تُبنى بدماء البشر وإفناء أعمارهم داخل سجون الظلم والقهر، ولن أسترجع ذكريات موت صديقي أنور العزومي بيننا في الزنزانة، ولا تلك المشاعر الرهيبة في أشد أيام السجن كآبة وإيلامًا وتأثيرًا في نفسي، بعد وفاة أنور العزومي منذ ما يقارب ستة شهور بمرض الصرع.

لقد مات الحاج ممدوح، وقد رأيته قبل موته بثلاثة أيام، وتوقعت موته الوشيك، فقط أنادي متمنيًا أن يحرك ندائي ساكنًا: أخرجوا المرضى ليُعالجوا في مستشفيات حقيقية لأنهم بشر.

الناس هنا يموتون موتًا بطيئًا، ومستشفى السجن لا تصلح حتى لعلاج الحيوانات، ولا تقدم أقل قدر من الرعاية الصحية. لماذا يواجه السجناء التعنت ورفض طلبات النيابة بنقلهم للمستشفيات، بحجة الأسباب الأمنية؟ يجب أن يُكتب في خانة سبب الموت “أسباب أمنية” بدلًا من “هبوط حاد في الدورة الدموية أدى إلى الوفاة”، ثم تحقيق عقيم من النيابة يجري في غرفة مأمور السجن بعد منتصف الليل، لتحمي الداخلية أفرادها من المساءلة عن تهمة الإهمال الذي يقتل السجناء، ففي السجن الواحد تجد مصابين كثيرين بفيروس سي الذي تعاون مع الظلم في قتل الحاج ممدوح، وتجد مرضى عديدين يحتاجون إلى عمليات جراحية، ومئات يحتاجون إلى قدر عادي من الرعاية الطبية ولا يجدونها. لا يُنقل السجين لمستشفى خارج السجن إلا إذا كان على أعتاب الموت “يا يلحق يا مايلحقش”!

ندائي إلى كل من بقي في ضميره مثقال ذرة من إنسانية: أوقفوا الموت البطيء في السجون. أوقفوا الإهمال الطبي العمدي في السجون. أخرجوا السجناء ليتلقوا علاجهم في مستشفيات آدمية قبل أن “يُقتلوا” بالإهمال العمدي في الزنازين.

اعلان