لماذا لا تقبل الدولة بأقل من “تكسير عظام” نقابة الصحفيين؟
 
 

شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيدًا حادًا وغير مسبوق في معركة الدولة ضد نقابة الصحفيين، بشكل رآه البعض متعارضاً مع ما بدا تراجعًا للحراك الاحتجاجي داخل النقابة لصالح الداعين للتهدئة، سواء لمرور وقت طويل على واقعة اقتحام النقابة قبل شهر، أو لقوة الهجمة على النقابة من وقتها.

ففي الفترة الوجيزة التي سبقت استدعاء نقيب الصحفيين وسكرتير عام النقابة ووكيلها للتحقيق كمتهمين، مال الاتجاه العام في النقابة إلى التراجع التكتيكي، سواء بالثناء على الحكومة في توجهها لإصدار قانون الصحافة والإعلام الجديد، أو في سياق الإعلان عن “حرص النقابة على عدم الصدام مع مؤسسات الدولة”.

وكان مجلس النقابة قد أصدر بيانا في 16 مايو بمناسبة موافقة الحكومة-مبدئيًا- على قانون الصحافة الجديد، أشار فيه للنقابة كمؤسسة من مؤسسات الدولة، اعتبر أن قرار الحكومة “يعد خطوات في الاتجاه الصحيح لتطبيق مواد الدستور، وتؤسس لعلاقة أساسها الثقة والاحترام المتبادل بين الحكومة والصحافة والإعلام باعتبارهما ضمن مؤسسات الدولة المصرية”.

كما كان المجلس قد أصدر قبلها بأيام بيانًا عقب كلمة لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، قال المجلس فيه إن “لمجلس لم يسع لأي صدام مع مؤسسات الدولة المصرية، باعتبار أن النقابة كانت وستظل مكونا أساسياً من مؤسسات هذه الدولة، وإحدى القوى الناعمة لمصر”.

وعلى الرغم من هذا الميل الواضح للتهدئة، إلا أن الدولة، سواء في سلطتها التنفيذية أو التشريعية والقضائية، واصلت خطواتها التصعيدية ضد النقابة، ولم تكتف بتوجيه الاتهام لثلاثة من قيادتها بنشر أخبار كاذبة وإيواء مطلوبين للعدالة، بل أن قرار النيابة كان الإفراج عنهم بكفالة مالية مع استمرار القضية، ثم انتهى الأمر بتحديد جلسة عاجلة لهم يوم السبت المقبل أمام المحكمة، الأمر الذي أثار تساؤلات عن دوافع الدولة في هذا التصعيد.

وكيل النقابة ومقرر لجنة الحريات، خالد البلشي قال عقب الافراج عنه لـ”مدى مصر” إن التصعيد الأخير “هدفه عقاب النقابة ومحاولة إذلالها”، موضحًا: “النقابة لا تدفع ثمن قرارات 4 مايو، بل هي في واقع الأمر تدفع ثمن دورها في احتجاجات 15 أبريل ضد قرار التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية”.

وكان مجلس النقابة دعا لاجتماع لأعضاء الجمعية العمومية يوم 4 مايو الماضي، عقب واقعة الاقتحام، صوت فيه المشاركون الذين فاقوا 3000 صحفي، على المطالبة بإقالة وزير الداخلية وباعتذار رسمي من رئاسة الجمهورية عن واقعة الاقتحام، بالإضافة لمطالبات أخرى خاصة بالصحفيين المحبوسين ومواجهة الاعتداء على الصحفيين أثناء ممارسة عملهم.

وأضاف البلشي لـ”مدى مصر” أن “قرار اقتحام النقابة أصلا يستند إلى رغبة السلطة في التنكيل بالنقابة، وبالتالي فرد فعل النقابة على هذا الحدث حتى لو اختلف ما كان تغير مسار الأحداث بعدها، فهذا المسار لم يأت ردًا على رد فعل النقابة على اقتحامها، بل على دورها في تلك الاحتجاجات”، “وبناء على ذلك، يمكن فهم السبب وراء تعمد الدولة حصار مقر النقابة ومنع الصحفيين من الدخول واعتقال الصحفيين والسماح لمؤيدي الرئيس بمحاولة اقتحام مقر النقابة خلال أحداث تظاهرات يوم الأرض في 25 أبريل الماضي”.

يتفق مع رأي “البلشي” عضو مجلس النواب هيثم الحريري، الذي كان ضمن وفد برلماني حاول الوساطة بين النقابة ووزارة الداخلية لحل الأزمة، حيث قال الحريري لـ”مدى مصر” إن “تطورات الأزمة تشير فقط إلى توجه عمدي من مسئولين في الدولة للتصعيد في مواجهة النقابة ردًا على دورها في الاحتجاجات على التنازل عن الجزيرتين”. وأضاف أن “تطور الأزمة يشير إلى أن أي مبادرات جديدة من قبل البرلمان لم تعد محتملة”.

وفي الصورة الأكثر اتساعا، يقول الصحفي والكاتب كارم يحيى إن أصل الموضوع أكبر قليلا من الاحتجاج على واقعة الاقتحام. ويوضح أن “مشكلة الدولة مع النقابة بدأت في الأسابيع الأولى من هذا العام، وتصدرها عنوانان رئيسيان: الأول هو تحول دور النقابة من الدور المنتظر منها إلى دورها الطبيعي، والثاني هو الاحتجاجات على التنازل عن تيران وصنافير”.

 

وأضاف أن “السلطة كانت تنتظر من النقابة أن تقوم بدور المواكب لإنجازاتها وأن تكون النقابة هي الجهة المنوط بها الرد الجاهز على التقارير الدولية والحقوقية. إلا أن النقابة قررت في مطلع العام، وبعد طول صمت، أن تشير في كل بياناتها وتقاريرها إلى الانتهاكات التي تحدث للصحفيين، وإلى أن هناك قرابة 29 صحفياً في السجون، وإلى حالات الاختفاء القسري التي يتعرض لها الصحفيين. والسلطة لم تعتد على مثل هذه البيانات”.

 

واستطرد يحيى: “المشكلة الثانية حدثت عقب الاعلان عن اتفاق التنازل عن تيران وصنافير في احتجاجات 15 ابريل. حينها استعاد سلم النقابة دوره الطبيعي وقت مبارك كونه مسرحًا للاحتجاجات. فتح النقابة أبوابها لذلك عظّم من رغبة السلطة في الانتقام من النقابة”.

 

الكاتب الصحفي عبد الله السناوي وصف المواجهة الحالية بـ”انتحار المنطق”، مضيفاً أنها لن تنتهي بانتصار أي من الطرفين.

 

وقال السناوي لـ”مدى مصر” إن “هناك انتحارًا للمنطق في المواجهة بين بعض مؤسسات الدولة والنقابة. النقابة من جهتها تعرضت للاقتحام وأبلغت السلطات بذلك، والداخلية اتهمت النقابة بإيواء هاربين. وفوجئنا أنه بالرغم من أن النقابة مالت للتهدئة الشديدة، إلا أن الدولة مازالت تصعد اجراءاتها، فيما بدا وكأنه عقاب للنقابة على مواقفها وأنه توجيه لرسالة سلبية لكل الأطراف السياسية، وهذا بالطبع مضر لصورة مصر خارجيا وداخليا”.

واستطرد: “خارجيا، بدا واضحا أن التقارير الدولية تقول إن مصر دولة بوليسية، وهي صورة سلبية لم نرد لها أن تحدث. داخليًا، فإن التضييق على الصحافة والاعلام في نقدهم واختلاف وجهات النظر، يمثل خطرًا شديدًا. أي نظام سياسي يحتاج لوجود متنفس فيه، وهذا التضييق يزكي العنف وجماعات الإرهاب. في النهاية لا شك أن التصعيد يمثل انتحارًا سياسيًا، لا يستطيع أي طرف أن ينتصر فيه”.

وفي خضم هذا التصعيد وارتفاع حدة المواجهة، يجمل الصحفي كارم يحيى الصورة، قائلًا إن “السلطة علمت منذ البداية أنها مقدمة على معركة تكسير عظام، لن تتوقف فيها إلا عندما تطمئن لأهدافها. هذا يتطلب من الصحفيين بعض الإجراءات، أولها حتمية أن تتبنى النقابة، كمجلس ونقيب، خطابًا عامًا واضحًا وترتضي موقعها الطبيعي من هذا الصدام. أجهزة الدولة وضعت النقابة في مواجهتها، وعلى النقابة التواؤم مع هذا الوضع. وهذا لا يتطلب فقط الاجتماعات الحاشدة، لكنه يحتاج لموقف علني واضح من قبل النقابة تجاه السلطة”.

وكانت قوة من عناصر الشرطة، مكونة من 35 عنصرًا مرتدين ملابس مدنية ومسلحين، اقتحمت مقر نقابة الصحفيين في وسط القاهرة أول أيام الشهر الماضي، وألقت القبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا، ما استدعى اعتصام مئات الصحفيين في مقر النقابة منادين بإقالة وزير الداخلية ردا على واقعة الاقتحام.

واجتمع آلاف الصحفيين من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة في مقرها يوم الأربعاء 4 مايو، وأصدروا قرارات أهمها المطالبة بإقالة وزير الداخلية، ومطالبة رئاسة الجمهورية بالاعتذار. كما أصدرت قرارا بنشر صورة وزير الداخلية بصورة “النيجاتيف” مع عدم الإشارة إلى اسمه في أي أخبار تتعلق بوزارة الداخلية.

وبعد اسبوعين من الاجتماع الأول، عُقد اجتماع ثان في النقابة حضره مئات الصحفيين، أكد على جميع مطالب اجتماع 4 مايو، وانتهى بوقفة احتجاجية.

إلى ذلك، تتهم نيابة شبرا الخيمة الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا ومتهمين آخرين بينهم المحامي مالك عدلي، بعدة تهم، من بينها لسعي لقلب نظام الحكم والانضمام لجماعة غرضها وقف العمل بأحكام القانون والترويج لشائعات بغرض التحريض ضد نظام الحكم في الدولة، وحيازة مطبوعات بالواسطة (تعود ملكيتها لشخص أخر) تتضمن تحريضا شبيها، ونشر أخبار كاذبة عمدا.

ودخل على خط الأزمة كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أمس الثلاثاء: “نحن بالطبع شاهدنا التقارير بشأن التهم الجديدة الموجهة لنقابة الصحفيين في مصر، ونحن نشعر بالقلق إزاء الموقف، ونتابع الموقف عن كثب”.

كما أصدرت مسئولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بيانًا “عن اتهام لقيادات نقابة الصحفيين المصرية ” قالت فيه إن محاكمة القيادات الثلاثة للنقابة “يعكس قيودًا أوسع على حرية التعبير وحرية الصحافة في مصر”، مشيرة إلى ما شهدته الأسابيع الأخيرة من انتهاكات حيث “عانى العديد من الصحفيين والناشطين والمحتجين والمدافعين عن حقوق الإنسان…من الاحتجاز أو الترهيب من خلال استدعاءات ومنع من السفر وتهديد بتجميد الأصول”. ودعت المسئولة الأوروبية السلطات المصرية “لإعادة النظر في الاتهامات الموجهة ضد المقبوض عليهم أو الخاضعين محاكمات بسبب ممارستهم لحقهم في حرية التعبير والتجمع”.

 

اعلان