لا أحد آمن على “فيسبوك”.. بدءًا من الطلاب وصولًا للقضاة
 
 

في 5 مايو الجاري أصدر النائب العام، المستشار نبيل صادق، كتابًا دوريًا، جرى تعميمه على محامين العموم والنيابات الكلية والفرعية على مستوى الجمهورية، تضمن تعليمات مشددة لأعضاء النيابة العامة بتجنب التدوين السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي، وفقًا لما نشره موقع جريدة الشروق.

وقال النائب العام في كتابه إنه حرصًا منه على الحفاظ على مكانة النيابة العامة والنأي بأعضائها عن مخالفة بيان مجلس القضاء الأعلى، وعن كل مواطن الشبهة، فإنه يدعو أعضاء النيابة العامة إلى تجنب التدوين على مواقع التواصل الاجتماعى والتطبيقات الالكترونية بشأن أية أحداث تتسم بالطابع السياسي أو موضوعات لها ذات الطابع، وإبداء الإعجاب بأية صفحات أو أخبار أو تعليقات تحتوى على ذلك أو على ما يشير إلى تأييد اتجاه سياسي أو حزبي.

وذّكر الكتاب أعضاء النيابة العامة أن مجلس القضاء الأعلى أصدر بيانًا في وقت سابق أهاب فيه برجال القضاء والنيابة العامة بعدم التدوين على المواقع الإلكترونية بما ينال من استقلال السلطة القضائية وحيدتها وهيبتها ويخالف تقاليدها المستقرة، وحظر عليهم مخالفة ذلك.

قرار النائب العام ما هو إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة إجراءات وقرارات لمؤسسات مختلفة في الدولة لمنع موظفيها من كتابة آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعكس خوف متنام من تأثير تلك المواقع منذ ثورة 25 يناير 2011.

في ديسمبر 2015 تم تحويل خمسة قضاة إلى تحقيق داخلي بسبب ما نشروه على صفحاتهم بشأن قضايا سياسية أو آرائهم حول القضاء، بحسب جريدة الشروق.

كان وزير العدل السابق، أحمد الزند، قد شكل لجنة وزارية في منتصف عام 2015 لمراقبة حسابات القضاة على فيسبوك، وأصدرت بالفعل تقاريرًا ضد عشرات منهم. ضمت اللجنة ثلاثة أعضاء من المكتب الفني لوزير العدل بينهم المتحدث الرسمي باسم الوزارة.

كان القضاة الخمسة المحولون للمجلس التأديبي في ديسمبر من بين 28 قاضي تم الإبلاغ عنهم بسبب آرائهم الشخصية المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في ذلك الوقت، قالت عدة مصادر رسمية لجريدة الشروق إن ثلاثة من الخمسة كانوا أعضاء في مجلس إدارة نادي القضاة، الذي كان “الزند” يرأسه في السابق. وقد دعم القضاة الثلاثة “الزند” في معركته ضد جماعة الإخوان المسلمين، لكنهم انقلبوا مؤخرًا ضده بعد أن أدخل تعديلات على لائحة النادي. وقد اعترض الثلاثة على ما اعتبروه “انفراد” بإدراة النادي. كما انتقد قضاة آخرون المجلس الأعلى للقضاء، وقيل إنهم أهانوا المحكمة الدستورية العليا، كما انتقدوا توزيع القضاة المشرفين على الانتخابات.

أحد شباب القضاء الذي يعمل في جهاز قضائي رفيع المستوى، طلب عدم ذكر اسمه، يقول إن حسابات القضاة على وسائل التواصل الاجتماعي كانت دائمًا تحت المراقبة، لكن لجنة “الزند” مأسست الرقابة بدرجة غير مسبوقة.

“الجديد أن يتم تحويل القضاة إلى التحقيق بسبب تعبيرهم عن آرائهم على فيسبوك”، يقول القاضي الشاب، مضيفًا “إنها خطوة غير قانونية وتهدد استقلال القضاء. فالقضاة ممنوعون فقط من الانخراط الرسمي في السياسة، لكن من حقهم أن يعبروا بحرية عن آرائهم طالما لا تحمل هذه الآراء انحيازًا بشأن قضايا منظورة أمامهم”.

ويقول القاضي، الذي ينشر آراء سياسية ناقدة بحدة على فيسبوك، إنه لا يخشى المثول أمام مجلس تأديب. ويضيف: “من حقي أن أعبر عن آرائي بحرية”، مشيرًا إلى أنه يواجه فعليًا تحقيقًا داخليًا بشأن مشكلة أخرى ذات صلة بخلاف شخصي بينه وبين أحد رؤسائه.

فيما قال مصدر مقرب من شخصيات قضائية بارزة، طلب عدم ذكر اسمه، لـ”مدى مصر” إن لقطات من بعض ما ينشر على فيسبوك تستخدم بشكل منهجي كأدلة ضد القضاة الذين يُقال إنهم منتسبون إلى الإخوان المسلمين، ويجبرون على المعاش المبكر.

“لقد كانت أحكام تلك اللجان القضائية التأديبية ضد هؤلاء القضاة تعتمد بشكل أساسي على حسابات فيسبوك الخاصة بالكثيرين منهم”، يقول المصدر، “ورغم الأصوات الكثيرة التي انتقدت مراقبة حسابات القضاة على فيسبوك إلا أن لدينا سوابق قضائية قوية تدعم مثل هذا الإجراء”.

لكن مراقبة الحسابات الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تقتصر على العاملين في القضاء.

كان عبد الله عزمي، طالب الهندسة بجامعة المنصورة، يستعد لامتحانات نصف العام منذ بضعة أسابيع، حين قام أحد أصدقائه بأخذ هاتفه المحمول وسب الكلية على الصفحة الشخصية لـ”عزمي” على فيسبوك. لم يتصور “عزمي” أن مثل هذا المزاح سوف يتسبب في فصله من كليته لباقي الفصل الدراسي.

قام “عزمي” سريعًا بحذف تدوينة السب من صفحته، لكن صورة منها كانت قد أُرسلت إلى إدارة الجامعة التي أجبرته على الاعتذار علانية بعد أن وعدته بعدم اتخاذ أي إجراءات تأديبية إضافية.

يقول “عزمي”: “فوجئت بعدها بتحويلي إلى مجلس تأديب ورفدي بسبب أمر لم أقترفه”.

في الكلية نفسها ينتظر أستاذ هندسة التحقيق معه بسبب انتقاده الإدارة على حسابه على فيسبوك. جاء الانتقاد، الذي تناول ضعف مستوى التعليم المقدم لطلاب الهندسة، بعد أيام من حصول الكلية مؤخرًا على شهادة الجودة من قبل وزارة التعليم العالي.

يقول الأستاذ، الذي طلب عدم ذكر اسمه: “لم نحصل على شهادة الجودة لأننا طورنا منهجنا أو شجعنا البحث العلمي. لم أكن جزءًا من الجوقة التي دعمت إدارة الكلية بل كنت أنتقدها، مما أغضب الإدارة وباقي الأساتذة الذين اعتبروا انتقادي إهانة”.

مثلما فعل “عزمي”، قام الأستاذ في ما بعد بحذف ما نشره، ونصحه البعض في البداية بتقديم اعتذار، إلا أن الإدارة صممت على تحويله للتحقيق أمام مجلس تأديب داخلي.

يقول الأستاذ إن ذلك “انتهاك لمساحتي الخاصة. لم أستخدم كلمات مهينة ولم أحرض أبدًا على العنف. المشكلة أن ما نشرته نال إعجاب ومشاركة الآلاف، وكان أكثر مشاهديه من المجتمع الطلابي، مما أغضب الإدارة”.

الأسبوع الماضي نشرت جامعة حلوان بيانًا على صفحتها الرسمية على فيسبوك تحذر فيه الطلاب من انتقاد الجامعة أو إهانة أعضاء هيئة التدريس بها على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تضطر إلى حذف التحذير بعد موجة من الغضب بين الطلاب والمستخدمين.

يقول طالب كلية هندسة المنصورة، إنه ليس لديه انتماءً سياسيًا يفسر عقاب الكلية له، مضيفًا: “لكنني عضو في اتحاد طلاب الهندسة، وقد يكون ذلك هو السبب وراء هذا الاستهداف الظالم. لقد كانت مزحة سطحية على صفحتي الشخصية، وليس أمرًا خطيرًا يستحق كل هذا الظلم”.

من جانبها، تقول فاطمة سراج، المحامية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن العامين الأخيرين شهدا ارتفاعًا في الحالات الشبيهة بحالة “عزمي”، وتضيف: “لا أستطيع أن أتذكر حالة واحدة لطالب تم تحويله لمجلس تأديب دون أن تشمل الأدلة ضده شيئًا ما كتبه على فيسبوك”.

وتضيف أنه على الرغم من أن القانون لا يوفر أي حماية في مثل تلك الحالات، إلا أنها عندما تدافع عن موكليها في مثل هذه القضايا تشير دائمًا إلى الدستور الذي يحمي حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بحرية وحقهم في الخصوصية، “لكن للأسف الدستور لا يترجم في العادة إلى قوانين”.

ولكن القضاة والطلاب وأساتذة الجامعة ليسوا وحدهم من تضرروا نتيجة التدوين على مواقع التواصل الاجتماعي.

في ديسمبر 2015 أدانت نقابة الأطباء وزير الصحة بسبب تحويله قياديًا في النقابة من مدينة الأقصر إلى التحقيق بسبب ما نشره على فيسبوك، حيث قام الطبيب أحمد أبو القاسم بتأييد إضراب للأطباء في مستشفى محلي، مما استفز وكيل وزير الصحة الذي قام بدوره بتحويله للتحقيق أمام مجلس تأديب.

كذلك حين قام هشام المياني، الصحفي بجريدة الأهرام المملوكة للدولة، بانتقاد رئيس مجلس إدارة المؤسسة، أحمد النجار، على فيسبوك في ديسمبر 2014، وجد نفسه محولًا للتحقيق أمام مجلس تأديب. كان “المياني” قد أعلن عن دعمه لستة زملاء فصلوا من عملهم بسبب انتقادهم للإدارة. قرر مجلس التأديب حرمانه من الحوافز، لكنه تراجع عن العقوبة بعد ضغوط من زملائه.

يقول عمرو غربية، الباحث في الحق في الخصوصية وحرية استخدام الإنترنت: “هذا الأمر ليس قليل الشأن بالنسبة لمؤسسات الدولة، لقد أصبح الإنترنت أكثر وسائط التعبير عن الذات ديمقراطية منذ عام 2011، حتى أنه أكثر ديمقراطية من الجرائد والفضائيات، والدولة تدرك ذلك تمامًا”.

مراقبة فيسبوك لا تؤدي إلى التحقيق مع موظفي الدولة فحسب، بل قد تؤدي بالمواطنين إلى السجون. بحسب إحصاء مستقل قام به “غربية”، تعرض 95 شخصًا منذ عام 2014 للحبس بسبب اتهامات مستندة إلى آراء عبروا عنها على مواقع التواصل الاجتماعي أو بسبب إدارة صفحات على فيسبوك اعتبرتها السلطات معارضة للحكومة.

في سبتمبر 2014 تعاقدت الحكومة مع شركة أمن إنترنت لمراقبة المعلومات على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال متابعة المستخدمين. ونشر موقع “بازفيد” تقريرًا ورد فيه، نقلًا عن مسئول بوزارة الداخلية، أن الوزارة سوف تراقب المحادثات التي تجدها “مقلقة”، مثل المحادثات بين إسلاميين أو المتورطين في جرائم “دعارة أو مثلية جنسية”، وقد أنكرت وزارة الداخلية ما جاء في هذا التقرير.

يقول “غربية” إن منظمات المجتمع المدني رفعت دعوى ضد التعاقد مع شركة أمن الإنترنت أمام المحكمة الإدارية، إلا أن المحكمة لم تنظر في الدعوى حتى الآن. ويضيف: “الحكومة تدرك خطورة هذه المساحة الحرة المتاحة على الإنترنت”.

 
اعلان
 
 
مي شمس الدين