ثلاث وجهات نظر حول فيلم “نوارة”
 
 

أنديل

بدأ عرض الفيلم الثالث للمخرجة هالة خليل نوارة” (2015) في وقت يشهد شيطنة ثورة 25 يناير، واتهام مؤيديها بالتضليل وانعدام المسؤولية، كما يُتهم الفن الثوريفي الأوساط الثقافية المصرية بالاستغلال والسطحية. ضغوط مثل تلك على خليل والتي أخرجت فيلمي أحلى الأوقات” (2004)، وقص ولصق” (2006)، وأظهرت فيهما رغبة أصيلة في التعبير عن اهتمامات اجتماعية وإنسانية حقيقية يمكن أن ينجم عنها فيلم لافت للانتباه إلى حد بعيد.

حاولت هالة خليل كسر التوقعات حول نوارةباستخدام زاوية غير متوقعة، إذ خففت من الطابع السياسي، وركزت على الحبكة والشخصيات، بدلًا من التناول الثوريالمُباشر، ذي الطابع الوعظي، الذي يُركز على بؤس الفقراء في مصر، مَن قامت الثورة بسببهم ومن أجلهم.

لا تعدنا المقدمة بأكثر من فيلم بسيط مثل شخصية بطلته نوارة (منة شلبي)، التي تواجه قسوة الحياة وظلمها بابتسامة أمل بلهاء. حرصت هالة خليل على عدم تحويل الفيلم إلى تراجيديا مصرية رخيصة عن الفقر قد تقود إليها المُقدمة. ولكنها وقعت في نفس الفخ، في نهاية المطاف، لأسباب تقنية في وجهة نظري.

القصة بسيطة، تشبه قصص الحودايت، عن سيدة بائسة تعمل خادمة في منزل أسرة ثرية بإحدى ضواحي القاهرة. تجبر ثورة 25 يناير العائلة الثرية على الهرب إلى لندن، تاركة المنزل في رعاية نوارة. هذه بداية واعدة قد يتولد عنها الكثير من الخيال والرموز والمعاني.

منحت البساطة التي التزمت بها هالة خليل أغلب الوقت فيلم نوارةرقة شديدة، وجعلت المُشاهد يتحمل الضربات التوراتية المتكررة التي تصدم البطلة، ولكن هذا جعل الفيلم يبدو أشبه بمسلسل تليفزيوني. اتسمت الإضاءة ببعض الارتباك وعدم التوافق، كما اتسمت زوايا الكاميرا إلى حد بعيد بالثبات والحركة الروتينية، فالشخصيات تتحرك بشكل أفقي أمام الكاميرا أغلب الوقت، مما يخلق شعورًا بضحالة وبطء المشاهد من الناحية البصرية. وحتى في مشهد يعلُقُ فيه ميكروباص وسط مظاهرة هادرة، لم تكن هناك ديناميكية بين الكاميرا والحدث.

أحسستُ أن رغبة هالة خليل في إخفاء انحيازها الحقيقي عطل أسلحتها السينمائية، ونتج عن ذلك فيلم عاجز عن البوح، أخفق في الكشف عن قدراتها الكاملة. تأخر تقديم عناصر هامة من الحبكة لدرجة أفقدتها التأثير على المشاهد، وكان هناك تخبط في بعض المشاهد الدرامية (أحدها يتعلق بكلب وشخصية شريرة يلعبها عباس أبو الحسن)، كما يبدو أن هالة خليل كانت تحاول إخفاء النهاية القاسية غير المتوقعة عبر الفيلم الذي طال بلا داعٍ واستغرق 122 دقيقة. ربما كانت تحاول مُحاكاة الواقع بتقديم آمال واسعة تتبخر سريعاً، لجمهورها وبطلة فيلمها.

لاحظت عدة تشابهات بين فيلم نوارة، وبين أفلام أخرى سابقة، تحوي نفس الشغف والصدق، مثل فيلم محمد خان؛ أحلام هند وكاميليا، (1989)، وفيلم ليلة ساخنة: لـعاطف الطيب (1994). حاولت جاهدًا استبعاد عناصر الحنين إلى الماضي والبُعد الزمني كي أتأكد أنني أفضل الفيلمين الأقدم لأسباب موضوعية، ولا أزال أشعر أنهما وضعا الشخصيات في حبكات درامية مُعقدة وخلابة، كشفت عن الطبيعة المُركبة لها، وعن القيم والمُعتقدات التي يحددون من خلالها الصواب والخطأ. كما اتخذ الفيلمان المسارات المنطقية لخيارات الشخصيات، ولتعاطيها مع الحياة بمغامرة وسرعة بديهة.

أعتقد أن فيلم نوارةيحاول أكثر من اللازم أن يبدو أكثر تمسكاً بمعايير صناعة السينما، من تمسكه بالحدث السياسي الذي يتناوله، ولكن الأربع دقائق الأخيرة تكشف عدم صحة هذا الافتراض. لاحظنا أثناء مشاهد العرض أن الجمهور القليل بدا مُتفاعلاً مع الفيلم أغلب الوقت حتى جاءت النهاية المُحبطة، وهي نتيجة صعّبت على المشاهدين الإشادة بالفيلم.

روان الشيمي

في فيلم نوارةالذي يركز على الثورة وأجوائها وسحرها، وجدتُ عنصرين: النزعة النسوية، والتعليقات الطبقية.

يحكي الفيلم قصة نوارة، الخادمة الساذجة شديدة التفاؤل، التي لا تشعر بإحباط نتيجة ظروف حياتها القاسية. تعيش في حي فقير، وتستخدم هي وجدتُها دورة مياه مُشتركة، وتملأ وعاءين بالماء يومياً من صنبور عمومي بعيد لأن المياه مقطوعة عن المنزل بسبب فساد الحكومة. تزوجت من رجل نوبي من نفس الحي، عليّ (أمير صلاح الدين)، الذي يعاني من انهيار عمله، وعدم قدرته على إلحاق والده بمستشفى حكومي (أو خاص)، ولكنهما لم يدخلا لعدم قدرتهما على توفير شقة.

تتابع الكاميرا البطلة وهي تنتقل من وسيلة مواصلات إلى أخرى، وترصد مُعاناتها اليومية للوصول إلى عملها في كومباوند بضاحية راقية، كما تظهر الكاميرا الاحتجاجات ورسوم الجرافيتي المُرتبطة بالثورة، والنشرات الإخبارية الإذاعية التي تتحدث عن ثروة حسني مبارك.

وعلى غرار فيلم هالة خليل الأول أحلى الأوقات” 2004، يتمحور فيلم نوارةحول شخصية نسائية. السيدات هن أصحاب القرار، وهن من يطورن أحداث القصة، بينما تتسم شخصيات الرجال بالسلبية. تعمل نوارة لدى أحد أعضاء البرلمان في نظام مبارك، أسامة (محمود حميدة)، وزوجته شاهندة (شيرين رضا)، سيدة المُجتمع التي تقود العائلة كذلك، وتدفعها إلى الهرب إلى لندن، وهي التي تدير الحوار بينما يشاهد زوجها فيلمًا قديمًا (مراتي مدير عام.. فيلم عن قدرة المرأة على اﻹدارة، إنتاج 1966) ثم يغطس في حمام السباحة. أما والد زوج نوارة، فهو مريض ولا يهمس سوى بعبارة واحدة في بداية الفيلم، بينما تدير الأم شؤون العائلة رغم كِبر سنها وإعاقتها. إنها تجربة منعشة دومًا حين تشاهد قصصًا لا تلعب فيها المرأة دورًا ثانويًا أو تكون مجرد هدف للجنس.

هناك ذلك التناقض الكلاسيكي بين تكدس وتهدم الحي الذي تعيش فيه نوارة، وبين الكومباوند الفسيح، وما يضمه من ملاعب جولف وكلاب أليفة. لكن هالة خليل تقدم مشهدًا لا يُنسى، تعبّر به عن الطبقة الوسطى: البطلة في طريقها إلى العمل، والمظاهرات توقف حركة الطريق، تنزل من الميكروباص، وتطلب من المتظاهرين إفساح الطريق ليذهب الناس إلى أعمالهم. تقول لها سيدة: “إحنا بنعمل ده علشانك“. يُظهر الموقف مدى انفصال غالبية مُتظاهري الطبقة المتوسطة عن المُعاناة الاقتصادية الشديدة التي حدثت أثناء الثورة وبعدها.

اختيار ممثل نوبي كزوج لنوارة، يلقي بعض الضوء على مُعاناة النوبيين، والمعايير المزدوجة التي تواجههم في المجتمع المصري. يقدم عليّرشوة للممرضة في مستشفى حكومي رث، للحصول على سرير لوالده حتى لا ينام على الأرض، لكن الممرضة تعطي السرير لمريض آخر. ورغم أن أصول علي النوبية ليست سبباً مُباشراً، ولكننا قد نفهم هذا ضمنيًا.

لا يمثل فيلم نوارةإجمالاً إضافة جديدة كعمل سينمائي، ولكنه مع ذلك عمل سينمائي جيد. قد تجعله حبكته البسيطة، وشخصياته المقبولة واستنتاجه لمصير الفقراء المنتهي بواقع أكثر بؤساً، ميلودراما نمطية، ولكن أخاذة.

سارة عبد الرحمن

عند مشاهدة فيلم مستقل، فإن التركيز على أداء الممثلين ليس عادة حميدة، ولكن نوارةأمتعني وأدهشني. ليس فقط بسبب الأداء الاستثنائي لمنة شلبي، ممثلة الأفلام التجارية، والتي فازت بجائزة أحسن ممثلة في مهرجان دبي السينمائي العام الماضي، ولكن كذلك لأن أداء كل الممثلين كان رائعًا، وهي ظاهرة نادرة في الكثير من الأفلام التي نشاهدها.

قد لا يكون من الإنصاف وصم الأداء التمثيلي في الأفلام المصرية المُستقلة بالسوء، أو بأنه مربك للمشاهدين. ولكن إذا كان هذا التصور صحيحاً، فقد أسهم فيلم نوارةفي تغييره. يتسم الممثلون بالتناغم ويتمتعون بمساحة تسمح لهم بالأداء بشكل طبيعي. ويرجع الفضل في هذا بالطبع إلى المخرجة كذلك؛ لأنها لم تطلب منهم المُبالغة الدرامية، كما يرجع إلى السيناريو المكتوب بإتقان. تتسم الشخصيات بالعمق؛ حيث يواجه أبطال الفيلم مخاوف مُتعددة ويضطرون للتفكير بعمق قبل القيام بأي فعل.

هناك مشهد شديد التأثير، تؤديه منة شلبي دون أي جهد، حتى أنها لا ترمش بشكل طبيعي، وتظهر فيه قدرتها على التعبير عن إيماءات وجه نوارة وحركات وجهها اللاإرادية.

كان محمود حميدةوسيظل مُمثلًا قديرًا. يؤدي دور الأب الثري باقتدار، وهي شخصية تحتاج إلى جهد في التمثيل. لقد أدى مشهدًا ساحرًا يتغير فيه مزاجه من التذمر من فكرة الهرب من منزله، إلى الهدوء عندما يغوص في حمام السباحة. يبدو أنه يستخدم حمام السباحة كأداة يعبر بها عن شعوره بأنه سيظل في المنزل على الدوام.

كان أمير صلاح الدين، وهو ممثل سعدت بالعمل معه في فيلم عام 2009، رقيقاً عندما أنكر اتهامات نوارة له، ورغم أنني أعلم أنه كاذب، إلا أنني شككت في ذلك للحظة.

(أضع رأيي في أداء عباس أبو الحسن بين قوسين، لأنه رجل مخيف للغاية، وأتمنى ألا يقرأ هذا المقال، أو لا يعتبره مهمًا حتى لا يقرأه ويقتلني أثناء نومي).

ما أحبطني قليلاً في الفيلم هي النهاية. ينتهي الفيلم بسرعة شديدة، ولكنك تعرف ماذا سيحدث. أكثر ما أثارته مشاهدة الفيلم بداخلي هي حقيقة الفوضى التي نعيش بداخلها.. لا أحد يحصل على السعادة، لا الفقراء ولا الأثرياء. في الواقع، الدولة هي الجهة الوحيدة التي تتمتع بالسعادة. واجهني فيلم نوارةبحقيقة أنه لا يزال أمامنا طريق طويل حتى نصل إلى أي مستوى من مستويات العدالة الاجتماعية في هذا البلد.

في النهاية، أنا سعيدة بوجود فيلم آخر تلعب فيه المرأة الدور الأساسي، ولا ينحصر دورها في الخوف على رجلها. يساورك القلق مع البطلة بشأن كل العوامل التي جعلت حياتها بهذه الدرجة من التردي.

اعلان
 
روان الشيمي 
سارة عبد الرحمن