هُنا “النقابة”: مشاهد الانقسام والوحدة في اعتصام الصحفيين
 
 
وقفة على سلالم نقابة الصحفيين- أرشيفية
 

“من على السلم ده بدأنا نحرك البلد من 15 سنة. من هنا ظهر أول مرة هتاف “يسقط حسني مبارك”. من هنا شرطة بلدنا قلعت البنات هدومهم في 2005، ومن هنا، هتف الناس ضد بيع الجزيرتين.. ومن على السلم ده هانبدأ نصحى تاني”.

مرّت كلمات أحد المعتصمين في نقابة الصحفيين على واحدة من أكثر الحقائق عرضة للإنكار: عودة المشهد السياسي للوراء عشر سنوات. نجد اﻵن نفس مشهد مظاهرات “الأربعاء الأسود” و”السبت الدامي” و”مظاهرات القضاة”. نفس المشاهد مضافًا إليها القليل.

تبدأ المشاهد العائدة من الماضي من كوبري 6 أكتوبر، مَنزَل شارع رمسيس في اتجاه الإسعاف تحديدًا. المنزل ليس كما هو كل يوم، غير مكدس ولا يشرف على صورة الزحام الممتدة بلا نهاية. تنزلق السيارات بهدوء وسرعة، ساعد عليهما فراغ العاصمة في الأعياد والعطلات، حتى أول شارع عبد الخالق ثروت، حيث ثمة شيء ما يحدث.

منذ صباح اﻷمس، الاثنين، تعترض الحواجز الحديدية الطريق على مدخل الشارع. يقف عليها جنسان، يرتدي الأول أزياء شرطية رسمية وملابس مدنية، يدقق في هويات المارة، ولا يسمح بالدخول إلا لحاملي عضوية نقابة الصحفيين، والثاني ذو صوت جهوري، يغلب كل محاولات التشويش عليه، يوجه السباب لنقيب الصحفيين، وأعضاء مجلس النقابة، وبين النوعين تمر بعض الغمزات والابتسامات.

بعد المرور من حاجز الأمن/المواطنين الشرفاء، ترى في البداية المشهد مستقرًا، مئات الصحفيين يرددون هتاف “يا أبو دبورة ونسر وكاب.. الصحافة مش إرهاب”، و”الداخلية.. بلطجية”. يتردد الهتاف ثم يخرج شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” أو “يسقط يسقط حكم العسكر”، ويبدأ الانقسام الذي يحمل معه الكثير من الالتباس.

يعترض بعض الصحفيين على تسيّس الهتافات وخروجها عن المتفق عليه. للحظات تتشوش الصورة، عندما تسمع عبارات مشابهة لما يقوله الواقفون عند الحاجز في مدخل الشارع بجوار الشرطة: “دول صحفيين إخوان وجايين يمرروا أجندتهم”، “مشكلتنا مش مع العسكر”. بعد الكثير من المشاحنات التي يصعب فيها معرفة إذا كان المتصارعون يسمع بعضهم بعضًا، أو حتى يوجهون الكلام لبعض. ترى الامتعاض من الشعارات السياسية الواسعة على أوجه صحفيين ناشطين أيضًا، وجلّهم له نشاط سياسي معارض للنظام. الاعتراض نفسه هنا لكن لأسباب أخرى.

يقول أحد منظمي الاعتصام: “نحن نعمل في وسط جماعة صحفية واسعة ومتنوعة الانتماءات. ترديد الهتافات السياسية العامة ينفّر ولا يجمع، ونحن في أمّس الحاجة للوحدة، وليس للخلافات”.

على الجهة الأخرى، يصر أهالي الصحفيين المعتقلين، ومعظمهم من خلفيات إسلامية، أن جميع المعارك متصلة والخصم واحد. ويقف مع هذا الطرف عدد آخر من الصحفيين، ممن يرون أنه ليس من الحصافة التحيز لمن يريد حصر الصراع في زاوية ضيقة.

داخل بهو نقابة الصحفيين الواسع، تبدو الصورة مستنسخة من اعتصامات الصحفيين القديمة احتجاجًا على ضرب زملائهم أثناء تغطية نشاطات حركة “كفاية” في العام 2005، أو تلك المتضامنة مع حركات القضاة. حلقات كبيرة متعددة للنقاش، أكياس الطعام من محلات الفول في وسط البلد، الكثير من الدخان والضجيج، وعمال الكافيتريا يبيعون الشاي حتى الصباح.

في الدائرة الأكبر، توسط الجالسين نقيب الصحفيين يحيى قلاش، ووكيل النقابة خالد البلشي، وسكرتير النقابة جمال عبد الرحيم -والأخيرين عادا من المغرب بعد واقعة الاقتحام- باﻹضافة لأعضاء المجلس، محمود كامل وكارم محمود وأبو السعود محمد وأسامة داوود. صحيح أن الأجواء كانت مشابهة للعقد الماضي، لكن النقاش في هذه الدائرة كان مختلفًا، وكان للثورة أثر فيه.

لم تكن تلك الدائرة المعتادة التي يتوسطها “شيوخ المهنة” مرددين كلامًا مطاطًا عن ضرورة فصل السياسة عن المهنة، تتخلله تعبيرات “صاحبة الجلالة” و”حرمة الجماعة الصحفية”. بل كان الكلام في معظمه عمليًا، يتناول أساليب التصعيد وتقييم الموقف. البعض أراد التصعيد السريع، ولكن رد المجلس والنقيب كان أعمق: “علينا ألا نحرق كل أوراقنا وألا نبدأ من النهاية. نعلن إضرابًا؟ ثم إذا أردنا التصعيد، ماذا نفعل؟”

فكّك النقاش أيضًا حالة تقليدية اتسمت بها النقابة معمرة السن. كشيخ من الشيوخ، عادة ما يلقي النقيب كلمات سريعة ثم يختفي. ولكن في هذه المرة بقي النقيب وأعضاء المجلس وأعضاء الجمعية العمومية في نقاش حاد وندّي أخرج نتائج عملية، كخطة للحشد للجمعية العمومية، وإعلان عقد مظاهرة جديدة، ومؤتمر صحفي. ولعل أهم ما خرج به هو ضرورة الرد على ما يمرره خبراء الداخلية على الفضائيات. قال أحد الحاضرين: “يريدون تصويرنا وكأننا ندعّي أننا فوق القانون. هذا مربط الفرس. علينا مواجهة هذا الخطاب، وإظهار أننا من نريد إعمال القانون لا التعدي عليه”.

ربما تكون معركة الصحفيين مشابهة لتلك التي خاضها الأطباء، وربما تنتهي إلى النتيجة نفسها ويخفت النشاط، وبالتأكيد تحمل مشاهد الاعتصام القليل من كآبة التكرار والعود، لكنها تحمل أيضًا علامات على أن الماضي القريب لم يتبخر، وأن مشاهد الناس والاعتراض والمطالبة كسرت الصورة الجامدة لذوي الخبرة  مقابل ذوي المجهود، وهذا في الوقت الذي بقيت فيه الداخلية حبيسة التدابير نفسها، ومحصورة في الخيال نفسه، شبه المعدوم أصلًا.

اعلان