السيادة قبل تعيين الحدود: ملاحظة قانونية شكلية بشأن تيران وصنافير

لم يتوقف الجدل المحموم في مصر بشأن جزيرتي تيران وصنافير منذ الإعلان، يوم 9 أبريل الحالي، عن اتفاق بين مصر والسعودية على تعيين الحدود البحرية بينهما يقضي بتبعية الجزيرتين للسعودية.

انقسم رافضو الاتفاق من حيث المضمون إلى فريقين: أحدهما يرفض التخلي عن الجزيرتين ويقطع بتبعيتهما لمصر، والثاني ليس متأكدًا من الوضع القانوني للجزيرتين، لكنه لا يقبل بإعلان التخلي عنهما للسعودية فجأة في غياب حسم قانوني مقنع ومعلن للمسألة.

وقد اتفق الفريقان، بل وشاركهما الرأي العديدون ممن أبدوا اقتناعًا بتبعية الجزيرتين للسعودية، على رفض الطريقة المعيبة التي أدارت بها الدولة الملف، حيث انصب النقد هنا على غياب الشفافية في التعامل مع قضية بهذه الأهمية ومباغتة الرأي العام المصري بالأمر دون أي تمهيد، فضلًا عن توقيت الإعلان عن الاتفاق خلال زيارة الملك السعودي للقاهرة والإعلان عن مساعدات سعودية لمصر، الأمر الذي بدا معه أن الحكومة المصرية باعت الجزيرة للسعودية مقابل حفنة دولارات.

ومن هنا فإن النقاش القانوني لمسألة التخلي عن السيادة على الجزيرتين انصب على مضمون الاتفاق المعلن عنه، بينما أُبدِيَ في الوقت ذاته نقد سياسي للسياق المحيط بالاتفاق (التوقيت السيئ، غياب الشفافية، التعتيم على الرأي العام المصري ومباغتته في شأن مصيري)، وهو بالطبع نقد وجيه للغاية. وما أود طرحه هنا بإيجاز هو ملاحظة قانونية شكلية من شأنها في تقديري الكشف عن العوار الشديد في الاتفاق المذكور. ولا تنطلق الملاحظة من قراءة نص الاتفاق الذي لم يتح لأحد بعد الاطلاع عليه، وإنما من نص البيان الرسمي الصادر عن مجلس الوزراء بشأن مجموع ما جرى التوقيع عليه بين الجانبين من اتفاقيات ومذكرات تفاهم خلال زيارة الملك السعودي للقاهرة.

ونظرًا لأهمية المسألة، دعونا نقتبس هنا النص الكامل لفقرات البيان المذكور التي تناولت اتفاق تعيين الحدود البحرية:
“كان التوقيع على اتفاق تعيين الحدود البحرية بين البلدين إنجازًا هامًا من شأنه أن يمكن الدولتين من الاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل منهما بما توفره من ثروات وموارد تعود بالمنفعة الاقتصادية عليهما. وقد جاء هذا الإنجاز بعد عمل شاق وطويل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشرة جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين، آخرها ثلاث جولات منذ شهر ديسمبر 2015 عقب التوقيع على إعلان القاهرة في 30 يوليو 2015. وقد اعتمدت اللجنة في عملها على قرار رئيس الجمهورية رقم 27 لعام 1990 بتحديد نقاط الأساس المصرية لقياس البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية، والذي تم إخطار الأمم المتحدة به في 2 مايو 1990، وكذلك على الخطابات المتبادلة بين الدولتين خلال نفس العام بالإضافة إلى المرسوم الملكي الصادر في 2010 بتحديد نقاط الأساس في ذات الشأن للمملكة العربية السعودية. وتجدر الإشارة إلى أن الفنيين من أعضاء اللجنة قد استخدموا أحدث الأساليب العلمية لتدقيق النقاط وحساب المسافات للانتهاء من رسم خط المنتصف بين البلدين بأقصى درجات الدقة.

وقد أسفر الرسم الفني لخط الحدود بناءً على المرسوم الملكي والقرار الجمهوري المشار إليهما أعلاه عن وقوع جزيرتيّ صنافير وتيران داخل المياه الإقليمية للمملكة العربية السعودية. والجدير بالذكر أن جلالة الملك عبد العزيز آل سعود كان قد طلب من مصر في يناير 1950 أن تتولى توفير الحماية للجزيرتين، وهو ما استجابت له وقامت بتوفير الحماية للجزر منذ ذلك التاريخ.

كما سيسفر التوقيع والتصديق على الاتفاق عن تمكين جمهورية مصر العربية من الاستفادة من المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر الأحمر وما توفره من فرص للاستكشاف والتنقيب عن موارد طبيعية إضافية للدولة. وسيتم عرض اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية على مجلس النواب لمناقشتها وطرحها للتصديق عليها طبقًا للإجراءات القانونية والدستورية المعمول بها.”

يتضح من النص المقتبس، ولا سيما من الجملة التي شددنا عليها، أن حسم أمر جزيرتي تيران وصنافير جاء، وفقًا للبيان الرسمي للحكومة المصرية، نتيجةً للرسم الفني لخط الحدود، وذلك “بعد عمل شاق وطويل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشرة جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين”.

إذا افترضنا صدق ودقة البيان الرسمي للحكومة المصرية، يكون البت في قضية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير قد جاء نتيجة للعملية الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية. وهذا لو صح، فإنه يمثل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الثابتة المعمول بها في هذا الشأن. ولن أتطرق هنا لتفاصيل هذا الأمر (أعكف حاليًا على كتابة دراسة بهذا الشأن)، لكن دعونا نقول بإيجاز إن القانون الدولي ذا الصلة ينص بشكل واضح وراسخ على أنه حينما يجري النظر في منازعات حدودية بحرية بين دولتين متقابلتين (أي تقعان على طرفي ممر بحري مثل مصر والسعودية) أو متلاصقتين، فإنه يتعين الفصل أولًا في مسألة السيادة على ما قد يتضمنه هذا الممر البحري من جزر أو أرخبيلات أو ما شابه، قبل الانتقال إلى المسألة الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية. وهذه الأسبقية لحسم قضية السيادة على الجزر على تعيين الحدود البحرية هي أمر منطقي يتعلق بطبيعة مفهوم السيادة ذاته، كمفهوم قانوني له أبعاد سياسية وتاريخية بالأساس، كما أن مسألة السيادة على الجزر تترتب عليها نتائج، لن ندخل هنا في تفاصيلها، بشأن نقاط وخطوط الأساس التي يُستند إليها في تعيين الحدود البحرية. وهذه الأسبقية لقضية السيادة على الجزر (أو الأرخبيلات) باتت اليوم اجتهادًا قانونيًا (case law) راسخًا لمحكمة العدل الدولية، وهي من المبادئ المكرسة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وغيرها من الصكوك الدولية ذات الصلة، وكذلك في كتابات فقهاء القانون الدولي المتخصصين في القانون الدولي العام، وفي القانون الدولي للبحار تحديدًا.

السؤال الذي أود طرحه هنا هو كالتالي: هل تُرك حقًا أمر حسم تبعية جزيرتي تيران وصنافير لأعمال لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين، وجاء هذا الحسم نتيجةً للرسم الفني لخط الحدود كما جاء في البيان الرسمي المصري؟ لو صح هذا الأمر، فتلك مصيبةٌ! ونحن في هذه الحالة نكون إزاء مهزلة قانونية وانتهاك صارخ للمنطق السليم ولقواعد القانون الدولي ذات الصلة. وحيث أنني أثق أن أجهزة الدولة المصرية التي شاركت في هذا الاتفاق تمتلك بالضرورة خبرات قانونية كبيرة، فالمرجح عندي أن النظامين المصري والسعودي حسما أولًا (سواء بعد مفاوضات أو بدونها) مسألة السيادة على الجزيرتين، ثم شرعا على هذا الأساس في الأعمال الفنية المتصلة بتعيين خط الحدود البحرية. وفي هذه الحالة يكون البيان الرسمي المصري كاذبًا ومضلّلًا ويريد التستر وراء عملية فنية بالأساس، هي عملية الرسم الفني لخط الحدود، ليغطي على فضيحة قانونية وسياسية تتمثل في التخلي عن السيادة على جزيرتين بهذه الأهمية الاستراتيجية والرمزية لمصر. ولو صح هذا، فالمصيبة أعظم! فنحن هنا إزاء نظام حكم يكذب على شعبه في بيان رسمي (وسيقول قائل: وما الجديد في ذلك من نظام يكذب كما يتنفس؟!) ليغطي على تنازله عن قطعة غالية من أرض الوطن. ومما يرجح هذا الاحتمال الدفاعُ الهستيري من النظام المصري ومؤيديه عن سعودية الجزيرتين، في سابقة لا أظنها مسبوقة في تاريخ المنازعات الحدودية بين الدول! والأسوأ أن “الوثائق” التي نشرتها الخارجية المصرية تبريرًا للجريمة بعد ثورة الرأي العام المصري كانت أقرب إلى الهراء منها إلى أي شيء آخر! ونضيف أن من صاغ بيان مجلس الوزراء المذكور يدرك على الأرجح مدى هزال المنطق الذي يبرر به البيان التخلي عن سيادة مصر على الجزيرتين، لذا فهو يضيف إلى هذا التبرير “الفني” المعيب، وعلى سبيل الاستدراك، جملة: “والجدير بالذكر أن جلالة الملك عبد العزيز آل سعود كان قد طلب من مصر في يناير 1950 أن تتولى توفير الحماية للجزيرتين، وهو ما استجابت له وقامت بتوفير الحماية للجزر منذ ذلك التاريخ”. وهي عبارة، من حيث قيمتها القانونية، من نفس صنف هراء “الوثائق” التي أشرنا إليها أعلاه.

السيادة على جزيرتي تيران وصنافير هي مسألة قانونية معقدة تقتضي دراسة جادة تقوم، ضمن جملة أمور، على فحص حقوق (أو سندات) الملكية المزعومة ذات الصلة في تطورها التاريخي، مع مضاهاة تلك السندات بقواعد القانون الدولي السائدة وقت نشوء تلك السندات، فضلًا عن بحث تاريخ ممارسة السيادة الفعلية على الجزيرتين وتاريخ مطالبة أي من الدولتين بتلك السيادة أو تأكيدها لها، ولكن بغض النظر عن حسم مسألة السيادة على الجزيرتين، فالرأي العام المصري يحتاج إلى الحصول على جواب عن السؤال الذي طرحناه أعلاه: هل أعطيت حقًا الأسبقية للمسألة الفنية المتمثلة في تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية على المسألة القانونية/السياسية المتمثلة في البت في السيادة على جزيرتي تيران وصنافير بالمخالفة لقواعد القانون الدولي، أم أن حكومتنا تنازلت أولًا للسعودية عن الجزيرتين (ومقابل ماذا؟) وتحاول الآن التستر على ذلك التنازل وراء ستار مسألة فنية؟ والجواب عن هذا السؤال لن يتسنى سوى بالاطلاع لا على نص الاتفاق فحسب، وإنما على أعماله التحضيرية أيضًا (أي محاضر اجتماعات اللجنة التي يقال لنا إنها توصلت إلى “هذا الإنجاز بعد عمل شاق وطويل استغرق أكثر من 6 سنوات، انعقدت خلالها إحدى عشرة جولة لاجتماعات لجنة تعيين الحدود البحرية بين البلدين”).

من الواضح للمتابع للجدل الدائر حاليًا بشأن تيران وصنافير أن النظام المصري يصر على اعتبار المسألة مسألة فنية بحتة. وهو على هذا الأساس يرفض طرح الأمر على الاستفتاء الشعبي حسبما يقضي به الدستور المصري في المادة 151 منه. وهذا الموقف الحكومي هو العبث بعينه. فمن الجلي تمامًا أن مصر كانت تمارس السيادة الفعلية على الأقل على الجزيرتين على مدى عقود طويلة، وهي سيادة معمَّدة بدماء شهداء مصر في حروب متواصلة خاضتها ضد العدو الصهيوني. وبالتالي، فحتى لو افترضنا جدلًا أن الجزيرتين سعوديتان بالفعل من الناحية القانونية، فمن الواضح أن الدستور المصري يقتضي خضوع التخلي عن هاتين الجزيرتين لاستفتاء شعبي. والدستور يميِّز في المادة 151 بين حالتين: 1- التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، وهذا أمر يحظره الدستور بشكل مطلق. 2- “معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة”، وهذه المعاهدات ينص الدستور على أنه “يجب دعوة الناخبين للاستفتاء” عليها وأنه “لا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة”. وعلى الأرجح أن ترزية القوانين سيزعمون أن التخلي عن تيران وصنافير لا يتعلق بحقوق السيادة بما أن الجزيرتين سعوديتان أصلًا. وهذا كلام فارغ تمامًا، حيث أن تمييز الدستور بين مسألة التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة (وهو ما يحظره في جميع الأحوال) وبين “ما يتعلق بحقوق السيادة” يعني أن المقصود هنا بالسيادة هو السيطرة الفعلية، وإلا فإن النص الدستوري يكون فارغًا من المعنى تمامًا. وهذا يعني أنه لو جرى تمرير اتفاقية التفريط في الجزيرتين بدون استفتاء شعبي، فإنها تصبح باطلة وكالعدم تمامًا، ولا تضاف إلا إلى سلسلة الانتهاكات الصارخة للدستور الذي وضعه هذا النظام الإجرامي ذاته.

وفي ضوء الملاحظة القانونية التي أبديناها هنا من حيث الشكل على البيان الرسمي لمجلس الوزراء المصري بشأن الاتفاق، وفي ضوء ضرورة حصول الرأي العام المصري على جواب عن السؤال الذي طرحناه بشأن علاقة تعيين الحدود البحرية بحسم السيادة على الجزيرتين، فلا تنبغي المطالبة باستفتاء شعبي فحسب. فلكي يجري هذا الاستفتاء “على نور”، يجب أن تنشر الحكومة علينا نص الاتفاق وأعماله التحضيرية، وهو ما نعتقد أن من شأنه الكشف عن فضيحة قانونية وسياسية.

علينا إذن خوض معركة المطالبة ما يلي: 1- نشر نص الاتفاق وأعماله التحضيرية ليتسنى للرأي العام المصري الوقوف على حقيقة ما حدث في هذا الملف المصيري. 2- الإصرار، في ضوء ما يكشف عنه هذا النشر، إما على إسقاط الاتفاق ومحاكمة المسؤولين عن إبرامه، كسقف أعلى، على أساس أن الحكومة المصرية، وهو ما نرجحه، تنازلت بلا مسوِّغ عن السيادة على هاتين الجزيرتين الغاليتين (وتنازلت بذلك ضمنًا على السيادة المصرية على مضيق تيران)، وهو ما يحظره الدستور بصورة مطلقة، أو، كسقف أدنى، إجراء استفتاء شعبي على الاتفاق بوصفه، على أقل تقدير، متعلقًا بحقوق السيادة. 3- في حالة انتزاع الحق في إجراء استفتاء على الموضوع، لا بد أن يتاح الوقت الكافي لانعقاد مؤتمرات شعبية موسعة لمناقشة المسألة، على أن تستعين هذه المؤتمرات بمن تشاء من الخبراء والمستندات والدراسات، بحيث يجري الاستفتاء بعد أن يتبين الشعب المصري أبعاد القضية.

ولن تكون هذه المعركة قانونية بحتة، وإن كان القانون في صميمها. بل ستكون جزءًا من نضال أوسع من أجل عودة الزخم والروح للثورة المصرية والعربية. ولعل النضال تمسكًا بتيران وصنافير ينتهي بنا إلى استعادة القاهرة أيضًا لشعبها وثورته، بل ربما لا تنتهي هذه المعركة إلا وقد خسر آل سعود، قلعة الرجعية العربية الراسخة، لا تيران وصنافير فحسب، وإنما الرياض أيضًا. فسلام على تيران!

اعلان
 
 
عمر الشافعي