هكذا رأى محامون النيابة: “لا حياد لمن تنادي”
 
 

في الوقت الذي احتفل فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بعيد القضاء يوم السبت الماضي، معلنًا حرصه على استقلال القضاء والنيابة العامة، وعدم المساس بسير عملهما، ارتفعت وتيرة الانتقادات الموجهة للنيابة العامة، المفترض بها تمثيل الشعب، خاصة في ظل حملة الاعتقالات الواسعة التي بدأت منذ أكثر من عشر أيام، إلى حد أن البعض وصف النيابة بـ”الطرف غير المحايد”.

واتسعت دائرة الانتقادات الموجهة للنيابة العامة، حتى أن بعض المحامين رأوا أن التعامل معها “ليس مجديًا”، وأنه يمنحها شرعية أمام المحاكمات.

وعلى الرغم من أن هذه الانتقادات بدأت في الانتشار مؤخرًا، إلا أن بعضها تعرض لطريقة عمل النيابة العامة من الأساس.

هنا، يقول المحامي حسن الأزهري لـ “مدى مصر” إن “هناك مشكلة مهنية أصيلة في طريقة عمل النيابة حيث أنها عاجزة عن خلق آلية عمل تتجاوز مشاكل وزارة الداخلية”.

وأوضح: “مهنيًا، دور النيابة مقيد في جمع الاستدلالات والتحقيق. وهذا مبني على تحريات الشرطة، وعندما تؤجل التحقيق أو تحيله للعرض الباكر، تكون في انتظار تحريات تكميلية من جهاز الأمن الوطني التابع للداخلية أيضًا. وليس خفيًا أن الداخلية في عداء واضح مع الناس، مع النقابات، كالأطباء مثلًا، ومع التجمعات السلمية، وهنا نجد مشكلة في أساس العمل”.

المحامي الحقوقي سامح سمير لم يختلف مع هذا الرأي، وأوضح بدوره قائلًا: “آداء النيابة في الواقع لم يختلف عن السنين الماضية. بات واضحًا أن النيابة تحولت لموظفين، ينتقلون مع الأوراق وسكرتير النيابة لإنهاء بعض الإجراءات، ولا علاقة لها بوضع المتهم أو زمان ومكان ضبطه”.

في الأيام ما بين جمعة الأرض، يوم 15 من الشهر الجاري، وحتى كتابة هذه السطور، رصد عدد من المحامين العديد من المشاهد المثيرة للجدل في مسار تحقيقات النيابة العامة مع معتقلي “مظاهرات الأرض”، تتعلق بأماكن التحقيق واثبات طلبات المحامين، وحتى طريقة التعامل مع المواطنين محل التحقيق.

تقول المحامية ياسمين حسام الدين: “عمل النيابة العامة في كل المجالات يثير اللغط. اليوم بالذات كنت في زيارة إلى سجن طرة، والتقيت أهالي الشباب المقبوض عليهم يوم جمعة الأرض، وكانت قوات الأمن في السجن منعت دخول الأهالي للزيارة على الرغم من حصولهم على تصاريح من النيابة العامة، بحجة أن التصاريح ليست صحيحة، وبالفعل اكتشفت أن التصاريح لم تكن صحيحة وكأن النيابة العامة تعمّدت إصدارها بهذا الشكل. المشاكل في سير النيابة العامة لا تقف فقط في حدود عمليات التحقيق”.

وتضيف حسام الدين: “أمس في قسم شرطة العجوزة، حضرت النيابة العامة للتحقيق مع معتقلي مظاهرات يوم الاثنين داخل القسم. رأينا وكلاء النيابة وهم ينهرون الشباب وكأنهم ضباط شرطة وليسوا وكلاء نيابة. حتى أن وكيل النيابة نهرني شخصيًا عندما أردت إثبات تعرض المتهمين للإكراه المعنوي، ورفض إثبات ذلك”.

وتستطرد: “أمس أيضًا كنت حاضرة تحقيقًا أمام نيابة أمن الدولة العليا، وطلبت من النيابة مواجهتي بأسباب الحبس لأتمكن من مواجهتها، لكن وكيل النيابة قال لي: أنا لسه هاكتب مذكرة وأوضح أسباب وانتِ تردي عليها!، طيب ما أحبسه وخلاص”.

أما المحامي أحمد عثمان الحاضر مع المعتقلين المحتجزين في معسكر الأمن المركزي بالجبل الأحمر، في التحقيقات الجارية الآن في نيابة قصر النيل في محكمة عابدين، يسرد لـ “مدى مصر” المزيد من المشاهدات: “بالأمس انتقلت النيابة للتحقيق مع المتهمين في قسمي شرطة العجوزة والدقي، وقوات الداخلية منعت المحامين من الدخول، وبالتالي منعتهم من حضور التحقيقات التي جرت دون وجود دفاع عن المتهمين. وأمام قسم شرطة الدقي اعتدت قوات الشرطة على المحامي عبد الرحمن الخجلي، والذي استطاع، بعد جهد، أن يحرر محضرًا في قسم الشرطة. وكُتب المحضر، ورغم أن النيابة العامة داخل القسم، إلا أنها لم تحرك ساكنا، حتى أنها لم تثبت منع المحامين من حضور التحقيق”.

ويضيف عثمان: “النيابة رفضت إثبات بقاء المتهمين أكثر من المدة القانونية بين زمن الضبط والمثول للتحقيق، والمقررة بـ 24 ساعة. كما رفضت إثبات حالات أخرى مثل صدور أوامر الضبط والإحضار بعد إلقاء القبض على المتهمين بالفعل. ورفضت أيضًا إثبات أن المتهمين تم التحقيق معهم من قِبل الأمن الوطني قبل مثولهم للتحقيق أمامها”.

سامح سمير أيضًا كان له نصيب من هذه المشاهدات، ويقول: “نحضر أمام النيابة، ويريد المتهم إثبات اختطافه لأيام عدة قبل التحقيق، ومثوله للتحقيق أمام الأمن الوطني، وتعرضه للتعذيب، لكن النيابة ترفض. حتى أنها ترفض إثبات الاعتداء على المحامين، على الرغم من أنه ليس منتظرًا أن تتخذ أي إجراء، نحن فقط نريد إثبات حقنا، لكنها ترفض”.

أثار تحقيق النيابة مع المعتقلين داخل أقسام الشرطة الكثير من التساؤلات عن مدى قانونية الإجراء، الأمر الذي توضحه ياسمين حسام الدين بقولها: “في الأصل، هذا الأمر لم يكن قانونيًا، لكن الرئيس المؤقت عدلي منصور أصدر قرارًا يعطي للنيابة العامة حق التفويض كقضاة تحقيق والتوجه لإجراء التحقيقات داخل أقسام الشرطة. الأمر قانوني نعم، لكنه لا يخلى من ركن الإكراه المعنوي، لأن مكان التحقيق نفسه، قسم الشرطة في هذه الحالة، هو نفسه مكان الاحتجاز، والتعذيب حتى في بعض الحالات”.

فيما أوضحت حسام الدين أيضًا مدى قانونية الواقعة التي تعرض لها عدد من الذين ألقي القبض عليهم من المنازل والمقاهي والشوارع، والذين تم إحالتهم لنيابة غير تلك التي أصدرت قرار الضبط والإحضار، وقالت: “هذا أيضًا سليم قانونيًا، لكنه غير منطقي. من المفترض نظريًا أن نيابة أمن الدولة أصدرت قرار الضبط والإحضار بناءً على التحريات الأولية، وبعد ضبط المتهمين، وإجراء التحريات التكميلية، ارتأت النيابة أنها ليست صاحبة الاختصاص، وبالتالي تم إحالتهم للنيابة العامة”.

الانتقادات الموجهة للنيابة العامة، خاصة في ظل تنامي الاعتداء على المحامين، جعلت بعض المحامين يرى أن “مقاطعتها” قد تكون حلًا مناسبًا، وحتى وحيد، للحد من هذه المشاكل.

يقول حسن الأزهري: “أصبح هناك إجماع في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان أن النيابة العامة ليست طرفًا محايدًا، وهذا الإحساس تعدى هذا النوع من القضايا ووصل إلى القضايا العامة. في الجماعة القانونية ليس هناك خلاف على ذلك، الخلاف منحصر في طريقة التعامل مع هذه المشكلة”.

ويوضح الأزهري: “هناك رأي يقول إننا لا بد أن نحضر تحقيقات النيابة العامة، وأن هذا قد يكون في مصلحة المتهم، ومفيد في مرحلة التقاضي في المحاكمات. وهناك رأي آخر، أوافق عليه، بضرورة مقاطعة التحقيقات، لأن الحضور يعطيها الشرعية الكافية ويجعل الصورة وكأن كل الإجراءات سليمة حضرها المحامون، وتحفظ حق جميع الأطراف. لا بد من طرح رؤية قانونية مختلفة وإجراءات تصعيدية أكثر. قد نبدأ بالامتناع عن حضور التحقيقات التي تجري في أقسام الشرطة، وننسحب من التحقيقات التي تشهد التعدي على المتهمين.. قد نصل حتى لقرار جماعي بالامتناع عن حضور تحقيقات النيابة، قد تبدو هذه خطوة جذرية ومجنونة بعض الشيء، لكن في نهاية الأمر لا مفر من إيجاد حلول على نفس قدر المشكلة”.

اعلان