سماء سورية قريبة.. الحرب ترسم خريطتنا
 
 

تمهيدًا ﻹعلان النتيجة النهائية لـ “الجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر”، يوم الثلاثاء المقبل، ينشر “مدى مصر” عروضًا للروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة، وهي “نوميديا” لطارق البكاري من المغرب، “حارس الموتى” لجورج يرق من لبنان، “عطارد” لمحمد ربيع من مصر، “سماء قريبة من بيتنا” لشهلا العجيلي من سوريا، “المصائر.. كونشرتو الهولوكست والنكبة” لربعي المدهون، و”مديح لنساء العائلة” لمحمود شقير من فلسطين.

____________________

في رواية “سماء قريبة من بيتنا” للسورية شهلا العجيلي (منشورات ضفاف، 2015)، تعود الكاتبة لما يقرب من مائتي عام في الماضي، جنبًا إلى جنب مع التنقل الجغرافي المتنوع على امتداد صفحات الرواية. لكن لم يكن كل هذا ليتحرك داخل الكتابة ويندفع على الورق لو لم تكن الحرب في سوريا هي المحور، خاصة الرقة، المدينة التي أصبحت مركزًا رئيسيًا  لتنظيم داعش، وهو المكان نفسه الذي تنتمي إليه الكاتبة وبطلة روايتها “جمان بدران”، أستاذة الدراسات الثقافية، مثل الكاتبة أيضًا، التي تدرس اﻷدب العربي والدراسات الثقافية في الجامعة اﻷمريكية في اﻷردن.

شهلا العجيلي

شهلا العجيلي

أفكر أن التباعد المكاني بين الكاتبة وما يحدث في  سوريا له دور في بلورة رؤية ما حول الوضع الحالي، فتقول: “لا شكّ! المسافة ضروريّة، ليس للتأمّل والمحاكمة الأخلاقيّة والعقليّة فحسب، بل لحماية الذات من الانسحاق والذوبان والخضوع الذي يفرضه الشرط التاريخيّ، والذي من شأنه تحويل الكتابة إلى انعكاس أو انتقام أو إقصاء. أعتقد أن على الكتابة تحويل المسافة المكانية والنفسيّة إلى مسافة جماليّة، لا إلى أيديولوجيا. وهذا ما كنت بحاجة إليه لتحقيق التوازن بين طرفي معادلة القلب الحارّ والعقل البارد. لا أستثني في أي من أعمالي الرؤى المتصارعة التي تصنع الدراما، لأن هذه هي طبيعة الحياة في النهاية”.

جعلت الكاتبة من عمّان بؤرة للسرد. فالشخصيات تتجمع في المدينة لأسباب تختلف من واحد لآخر. أحدهم من أجل العمل، آخر من أجل الحب، والبعض لطلب اللجوء. ومن بعدها تبدأ في العودة بالزمن إلى الماضي لتغوص في أصول عائلات تمتلك تاريخًا طويلًا.

يلتقي ناصر العامري، الفلسطيني العامل في دبي، بجمان في طائرة قادمة من أمريكا إلى اﻷردن، ويبدآن بالتعارف. تعرف أن ناصر في طريقه لدفن والدته، التي كانت بالصدفة جارة جمان في حلب، ومن هنا تبدأ مسارات الأحداث في التشكّل.

تستعير شهلا عيون الأطفال في طريقة حكي جمان، الساردة الرئيسية التي تحلّت بحس دعابة في محاولة لمقاومة تراجيدية الأحداث من ناحية، ولإعطاء دلالة على حتمية استمرار الحياة. هنا تبدو السخرية متعمدة وكأنها طريقة للاستخفاف بالمصائب التي تحدث لنا والتهوين من شأنها.

***

الحروب تغير مصائر الأفراد، ومن هنا تأتي درامية العمل. تنمو الدراما حول أقدار شخصيات محبة للحياة وراغبة فيها، أغلبها خيّر، وإن كانت لا تملك القدرة على تغيير مسارات أقدارها التي تقودها آلة الحرب. فنجد شخصيات العمل في صراع مع أقدار بائسة صعبة تفوق قدرتها على التحمل.

تخبرني العجيلي أن فكرة الرواية جاءتها من سؤال الناس لها عن الحرب، وعن أهلها في الرقّة، وعن طريقتهم في تدبّر حياتهم. ولأنها عايشت حروباً ونكبات عدّة أثناء عملها منذ وقت طويل مع الاتحاد الدوليّ لجمعيّات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فقد أصبحت لديّها خبرة في سياسات التأهّب للكوارث وإنشاء المخيّمات. كما أن دراستها الأكاديميّة في حقل أدب ما بعد الاستعمار، جعلتها تربط الرغبات الاستعماريّة في صنع شعوب متشابهة في معاناتها وطريقة حياتها، ببعضها البعض، ولعلّ كلام الراوية عن علاقة نيبلة الفلسطينيّة ببيركتش الصربيّ يشير إلى ذلك بحميميّة، حيث تقول: “كلاهما جاء من ملك عثماني قديم، وكلاهما قاده الاستعمار الأوربيّ إلى درب الشتات والاغتراب… إنّها الهيمنة، التي كثيراً ما تصنع من الضحايا عشّاقاً!”.

تردف: “وقبل ذلك كلّه الرقّة، ذاكرتي الأولى، وهويّتي الشخصيّة، والتحوّلات التي تنتابها، والنكران والجحود والنسيان الذي تتعرّض له. كل هذا كان يجعلني أحيانًا في حالة هيستيريّة، لم توازنها سوى الكتابة. طفولتي تتعرّض للقصف والسلب والتشويه والتعذيب، فاستعدت طفولة الأبطال الذين جاؤوا من كلّ مكان معذّب في العالم وكأنهم أتوا لمواساتي في هذا الفقد! الأفكار بعد ذلك، بل الحكايات، هي التي تقود إلى ذاتها حين نسلم أنفسنا للكتابة. الطقوس ليست مهمّة حينما تكون الأفكار قويّة والحكايات حاضرة”.

تضيف أن هذا العمل هو الأطول من بين ما كتبت، لكنّه لم يأخذ أكثر من سنتين في الكتابة، في حين أن روايتها السابقة “سجاد عجميّ” مثلاً استغرقت حوالي ثلاث سنوات، وأنها قرأت مذكّرات دستويفسكي بقلم زوجته آنا، فاكتشفت أنّه كان يكتب رواياته الطويلة التي وقع معظمنا في حبّها، في أشهر ليس إلاّ، وما ذلك إلاّ بسبب قرار واحد، هو أن يجلس إلى المكتب!

وعلى امتداد صفحات العمل الـ 342، نجد زخمًا من الحكايات التي لا تخلو من الإشارات المستمرة للموت. فمن لم يمت أثر إصابته بمرض خبيث، مات بقصف عشوائي، أو بالبراميل المتفجرة، أو بالشظايا المتناثرة من القذائف، أو بالذبح بالسكاكين أو بالتعذيب في المعتقلات.

***

تذهب جمان إلى  الزعتري، مخيم اللاجئين السوريين في الأردن. ومن بعدها مباشرة تبدأ علامات الإعياء، وضيق التنفس، والأعراض الأولية للإصابة بسرطان الغدة اللمفاوية على البطلة، التي تخوض معركة عصيبة مع المرض والأعراض التي تسببها جرعات الكيميائي كتغير ملمس البشرة، وتساقط الشعر، والضعف العام، والأرق، إلى جانب القلق النفسي من الموت وحيدة غريبة. هنا يتجاور المرض والبعد عن الأهل والوطن، الإحساس بالغربة والوحدة، وانقطاع الاتصالات بينها وبين مدينتها التي تحبها.

تعود شهلا في التاريخ لتخبرنا أن مأساة الحاضر ليست وليدة اللحظة الحالية، بل أنها ممتدة في الماضي، مع أعضاء الكتلة الوطنية، ومسيرة التأميم، والجبهة التقدمية، والخلاف مع العراق، والفاسدين والمنتفعين والمخبرين.

تتنوع أسباب المعاناة التي تغلّف أحداث الرواية غالب الوقت. تتنقل الكاتبة  بأحداثها من عمّان إلى تونس، الدار البيضاء، باريس، لندن، كاليفورنيا، بوسطن، بورتوفينو، حلب، الرقة، بغداد، يافا، اللد وحيفا، في شتات لا يتوقف عند مكان أو زمان بعينه.

أسألها: هل التنقلات الدائمة لشخوص العمل بين أماكن عدة هي دلالة لما يحدث للسوريين، وهل مرض جمان إسقاطٌ على ما تعانيه سوريا اليوم؟

تخبرني أن الأمر ربما يعود إلى واقع الحروب والهجرات المتعدّدة، والتي دهمت العالم منذ نهايات القرن التاسع عشر، وعزّزتها الحرب العالميّة الأولى فالثانية، فالنكبة الفلسطينيّة، وحروب الخليج، ودخول قوّات التحالف العراق، والاحتلال الأميركيّ، وأخيراً الحرب في سوريا. كل هذا اجتمع في قلق الشخصيّات وحركتها بين جغرافيّات كثيرة، والتي نقلتها وهي تروي تاريخ عائلاتها، الأجداد فالآباء، بين أزمنة متعدّدة، وكلّها لا ينأى عن فكرة الحرب والبحث عن مكان آمن وظروف إنسانيّة أفضل. هذه هي حياتنا في العالم العربيّ، والشرق الأوسط، بل هذا هو تاريخ العالم الموسوم بالحروب والنكبات على مدى طويل. اختارت العجيلي منعطفات دالة، وجغرافيّات لها وقعها في الذاكرة، وحاولت معالجتها بالحكايات الإنسانيّة.

ولكن مرض بعض الشخصيّات لم يُقصد به الاتساق مع الأحداث القاسية في سوريا أو فلسطين أو العراق، لكنّه تأويل أخذ مساره الفنيّ. ما سعت إليه كان العمل على فكرة أنّ المأساة الجماعيّة لا تلغي أبدًا المأساة الفرديّة، بل تعمّقها، وتزيد في فداحتها.

في الصفحات الأخيرة من العمل، تستعيد جمان عافيتها بعد عام ونصف العام من العلاج الكيميائي. لكن هل يستعيد الوطن، سوريا، عافيته؟

اعلان
 
 
محمود حسني 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن