مطبخ القوانين: كيف صُنعَت تشريعات الرئيس؟
 
 

منذ إقرار دستور 2014، أصدر الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي والسابق عدلي منصور أكثر من ثلاثمائة وأربعين قرارًا بقانون، وهي القوانين التي راجعها البرلمان خلال الخمسة عشر يومًا الأولى من انعقاده، وأقرها جميعًا ولم يرفض منها إلا قانون الخدمة المدنية، لتصبح حاكمة للأوضاع في مصر، ويبدأ أثرها في الظهور مع قرارات مثل إقالة الرئيس مؤخرًا لهشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، مستندًا لقانون عزل رؤساء الأجهزة الرقابية، رقم 98 لسنة 2015، الذي أصدره في يوليو الماضي وأقره البرلمان ضمن ما أقر من قرارات بقوانين أصدرها الرئيس وقت انفراده بسلطة التشريع.

ليبقى السؤال: كيف صُنعت قوانين الرئيس؟ ومن صنعها؟

ينص دستور 2014 على أن مجلس الدولة “يتولى وحده الإفتاء فى المسائل القانونية للجهات التى يحددها القانون، ومراجعة، وصياغة مشروعات القوانين والقرارات ذات الصفة التشريعية”.

سألنا عن رحلة القانون قبل إقراره بشكل رسميّ، فأجاب المستشار عادل شربات، عضو اللجنة التشريعية في وزارة العدل، قائلًا: “تقترح الجهة الحكومية القانون ثم تبدأ مناقشته في مجلس الوزراء، وبعدها تتم صياغته وإرساله لمجلس الدولة لمراجعته قبل التصديق عليه من رئيس الجمهورية، طبقًا لما قرره الدستور”.

أربع مراحل يمر بها مشروع القانون إذًا قبل إقراره من الرئاسة، وهي: الاقتراح من جهة حكومية، المناقشة وأخذ الرأي، الصياغة، مراجعة مجلس الدولة. وهي المراحل الثابتة، التي زاد عليها استحداث لجنة الإصلاح التشريعي. لكن يبدو أن ثمة مشاكل تحدث في كل مرحلة من هذه المراحل بحسب ما أوضحه لنا مسؤولون سابقون في مجلس الوزراء من واقع مشاهداتهم ومعاصرتهم لرحلات هذه القوانين.

إصلاح شكلي

في 15 يوينو 2014 قرر الرئيس السيسي إنشاء لجنة الإصلاح التشريعي وأسند لها “إعداد وبحث ودراسة مشروعات القوانين والقرارات الجمهورية وقرارات رئيس مجلس الوزراء اللازم إصدارها أو تعديلها. كما اختصت اللجنة ببحث ودراسة ومراجعة مشروعات القوانين الرئيسية، بهدف تطوير التشريعات وتوحيدها وتجميعها، وبحث ودراسة المشروعات التي يري رئيس اللجنة عرضها عليها”.

وفي حين أعدت اللجنة عدة مشروعات قوانين بالفعل، من بينها قانون الكيانات الإرهابية، وتعديلات قانون الإجراءات الجنائية، وتم إصدارها بالفعل. لكن اللجنة المنوط بها مراجعة القوانين قابلتها عدة مشاكل. يقول صابر عمار، عضو اللجنة، لـ “مدى مصر”: “لم تكن أغلب القوانين تعرض على اللجنة بل تم إصدارها بمعرفة الحكومة، التي كانت من يحدد ما يحال إلى اللجنة، وهو ما لا يتفق مع قرار الرئيس بإنشاء اللجنة، ولم يتعد ما خرج عن اللجنة ستة قوانين، رغم أن ما أنجزته تعدى 40 قانونًا، في حين أُقر الباقي بمعرفة أجهزة الدولة المختلفة. أما بالنسبة لمراجعة مشروعات القوانين القائمة بالفعل وإزالة التعارض الذي بينها فهذا ما لم يتم، لأن الحكومة لم تقدم أي تسهيلات لأداء عمل اللجنة”.

اقتراحات وتوجيهات

بعيدًا عن “الإصلاح التشريعي”، يبقى للجهاز الإداري دور كبير في عملية التشريع كما يشرح الباحث السياسي في المركز الإقليمي للوساطة والحوار، عماد الدين حمدي، قائلًا: “هناك عدة جهات لاقتراح القوانين، أخطرها الجهاز الإداري للدولة، الذي يقدم المسؤولون فيه “مقترح قانون” لتعديل بعض المواد التي تعيق عملهم. ويأتي نحو 90% من التعديلات القانونية من هذا الجهاز”.

مساعد سابق لأحد الوزراء في حكومة حازم الببلاوي، فضّل عدم ذكر اسمه، يقول: “كل وزراة تتبني اقتراح مجموعة من القوانين، فالدفاع تتبنى قوانين التسليح والذخيرة، والعدل والداخلية تتبنيان تشريعات معينة، وهكذا. قانون التظاهر مثلًا كان مقترحًا من وزارتي العدل والداخلية، واختير مقترح “العدل” لإقراره في النهاية بعد إدخال بعض التعديلات عليه.”

لكن الحكومة ليست مصدر اقتراح كل القوانين كما يقول ياسر الرفاعي، مساعد وزير التضامن سابقًا، والذي يوضح: “البلد تحكمه أجهزة أمنية ورقابية، وهم من يقترحون القوانين بالتليفون، والوزراء ينفذون ما يُطلب منهم. فمثلًا قانون الانتخابات وتقسيم الدوائر من طلبته هي المخابرات العامة. بهذه الطريقة تُدار البلد، يُطلب إصدار قانون معين لحماية شخصيات معينة فيصدره مجلس الوزراء بالمواصفات المطلوبة، دون حتى أن يضع عليه بصمته”.

لكن الباحث القانوني بوحدة أبحاث “القانون والمجتمع” بالجامعة الأمريكية، مصطفى شعت، يقول: “لو نظرت إلى القوانين الهامة، ومنها قانون الخدمة المدنية الذي صدر قبل المؤتمر الاقتصادي العام الماضي، تجد أنها صُنعت بتوجيهات مباشرة من رئاسة الجمهورية، بإشراف مجموعة من المستشارين القانونيين للرئيس، مثل الوزير إبراهيم الهنيدي وزير العدالة الانتقالية السابق -قبل أن تستبدل وزارته بوزارة الشؤون القانونية، ثم المستشار أحمد الزند -وزير العدل المقال مؤخرًا، وصولًا إلى مستشاري وزير العدل الموجودين منذ وزارة ممدوح برعي في عهد مبارك. أما قانون الجمعيات الأهلية، فمن صنعته هي المجموعة الضيقة جدًا حول وزيرة التضامن الاجتماعي، وهي المجموعة التي يشكل مستشارون من وزارة العدل وضباط في جهات سيادية وأجهزة أمن قومي الجزء الأكبر منها”.

أما لجنة الإصلاح التشريعي، فيوضح صابر عمار، عضو اللجنة، أن دورها كان سابقًا لمناقشة مجلس الوزراء، ويقول: “كان عملنا يبدأ بعد طرح وزارة معينة مشروع قانون، فتقوم اللجنة بأداء عملها ثم ترسله لمجلس الوزراء لمناقشته، وبهذا ينتهي دور اللجنة ويأخذ مشروع القانون مساره الطبيعي”.

تدخلات في الصياغة

بعد مناقشة مجلس الوزراء لمشروع قانون والاتفاق على المواد التي سيتضمنها، يذهب مشروع القانون للجنة الصياغة بالمجلس، لكن هذه اللجنة لا تقوم بمهمتها فحسب، كما يقول مساعد الوزير الأسبق في حكومة الببلاوي: “ليست مجرد عملية صياغة، بل تَدَخُّل لعمل تعديلات جوهرية في مواد القوانين المقترحة، وهذا يحدث دون أن يكون المستشار القائم على الصياغة مختصًا بموضوعات تلك القوانين، هذا التدخل يحدث لصالح مجموعة المصالح المسيطرة على الوضع، مع توجه دولاتي محافظ للمستشارين الذين كانوا يعطلون بعض القوانين عندما لا تكون على هواهم، أو إذا كان القانون معروضًا من وزير غير مرضي عنه، أو كان القانون نفسه غير مرضي عليه”.

أما مصطفى شعت فيضيف أن التدخل في الصياغة لا يتوقف عند هذه النقطة، قائلًا: “في الصياغة الأوّلية لقانون مكافحة الإرهاب، حُذفت المادة 35 التي كانت تنص على حبس وتغريم الصحفيين، وكان من توسط لإلغائها هم صحفيون ذوي نفوذ لدى الرئاسة وأجهزة الأمن، وهذا كارثة، لأن اشتراك هؤلاء لم يكن أحد أشكال المشاركة المجتمعية، بل كان له علاقة بترضية فلان ومجاملة علان”.

بدوره، يقول عماد الدين حمدي: “الصياغة التي تكتب من مستشاري مجلس الوزراء لا تذهب للرئاسة مباشرة، لأن عملهم أن يصيغوا وفق نظرية الحق، وهم أصحاب رأي غير ملزم في مجلس الوزراء، لكن يتم انتدابهم من مجلس الدولة لأنهم فقهاء قانونيين. أثناء هذه المرحلة هناك موظفون قدماء، يشيرون على المستشارين بتغيير بعض المواد، ويغيرها المستشارون وفقًا لما طلب منهم”.

المستشارون يراجعون أنفسهم

تتم مراجعة صياغة القوانين في مجلس الوزراء على يد مستشارين منتدبين من مجلس الدولة، رغم أن القانون يتم إرساله لاحقًا لمجلس الدولة لمراجعته، وهو ما ينتج عنه إشكاليتين، لماذا يمر القانون على مستشاري مجلس الدولة مرة في الحكومة ومرة لدى الجهة التي ندبتهم؟ وهل تنتج عن ذلك مشاكل مستقبلية؟

أبرز هولاء المستشارين هو محمد سيد الطحان، كبير مستشاري مجلس الوزراء، الذي عمل في الهيئة الاستشارية للمجلس منذ ما يقرب من عشرين عامًا.

لا تستغني الحكومات المتعاقبة عن الرجل الذي تجاوز السبعين من عمره. حتى بعد وصوله لسن التقاعد وانتهاء انتدابه من منصبه كنائب لرئيس مجلس الدولة للعمل كبيرا لمستشاري مجلس الوزراء، إذ قام رئيس الوزراء كمال الجنزوري بتعيينه في نفس المنصب كـ “خبير وطني” على أن يكون تعيينه لعام واحد، قبل أن تنشر جريدة التحرير” في أغسطس الماضي أن رئيس الوزراء إبراهيم محلب قام بتعيينه مستشارًا لرئيس الوزراء، على الرغم من حكم محكمة القضاء الإداري بإنهاء التعاقد معه، وإلزامه برد المبالغ التي حصل عليها منذ بلوغه سن التقاعد في 2012.

فيما يضرب مصطفى شعت مثالًا آخر، ويقول: “المستشار عمر مروان مساعد وزير العدل موجود في الحكومة من أيام مبارك، وكان له دور فاعل جدًا في صياغة كثير من مشاريع القوانين، ويتم استشارته حتى الآن”، ويستكمل “شعت” مؤكدًا: “عندما تنظر  إلى عملية استشارة بعض المستشارين وتنحية بعضهم الآخر، ستعرف أن المسألة ليست مسألة أشخاص وأفراد بقدر ما هي مسألة فلسفة وأفكار، لأنهم يطرحون أفكارًا واحدة تدعم سيطرة النظام وقلبه الأمني، ليس فقط على المجال العام، ولكن على وضع تصور معين للتشريع ككل”.

لكن ياسر الرفاعي لديه رأي آخر في هذه النقطة، فيقول: “المشكلة ليست في مستشاري الوزراء، بل في ما تطلب رئاسة الجمهورية والأجهزة الرقابية والجيش، إصداره من قوانين، أما المستشارون فهم يراجعون قرارات مجلس الوزراء، لإصدارها وفقًا للدستور والقانون”.

ورغم أن “الرفاعي” لا يرى مشكلة في مراجعة المستشارين للقوانين، لكنه يوضح أن وجود مستشاري مجلس الدولة في الحكومة غير قانوني، لأن المستشار يكون خصمًا وحكمًا، ويتساءل “الرفاعي”: “في الوقت الذي جمع فيه بين المنصبين، هل كان يعقل أن اشتكي سيد الطحان مستشار رئيس الوزراء أمام سيد الطحان المستشار بمجلس الدولة؟”، قبل أن يعود ويؤكد أن المستشار محمد سيد الطحان أقوى من أي رئيس لمجلس الوزراء، “إذ أن رئيس الوزراء لا يوقع قرارًا أو قانونًا إلا بعد موافقة الطحان”، حسبما يقول.

بدوره، يعترض “شعت” على كون مجلس الدولة هو المنوط بتلقي الطعون على القانون، ويقول: “هاروح أشكي مين لمين؟!، هل ستطعن على القانون أمام الجهات نفسها التي أصدرته؟ بعد وقت سيكون هناك مشكلة في التقاضي الذي هو حق أصيل من حقوق الإنسان، فعندما طعن المحامي خالد علي ضد قانون التظاهر قبلته المحكمة شكلًا فقط، ولم تفعل شيئًا بعد ذلك. المشكلة أن هذا يكرس لعدم الفصل بين السلطات. والمشكلة الأكبر ستكون في القوانين التي أقرها المستشار عدلي منصور وقت شغله منصب رئيس الجمهورية، وعندما تطعن بعدم دستورية قانون ما الآن ويُرفع للمحكمة الدستورية، فسينظر الطعن المستشار عدلي منصور. وحتى إن تنحى عن نظر هذه الطعون، وهو ما يحل المشكلة نظريًا، ألن يكون باقي مستشاري المحكمة في حرج الحكم بعدم دستورية قانون قام بإصداره رئيس المحكمة نفسها؟، وهو ما قد يكون قد حدث مع قانون التظاهر الذي أحيل للدستورية ولم يتم النظر فيه حتى الآن”.

يعقب مساعد الوزير السابق في حكومة الببلاوي على هذا الأمر قائلًا: “لا مشكلة في انتداب مستشارين من مجلس الدولة لأن قانون السلطة القضائية يسمح بانتداب أعضاء السلك القضائي لجهات تنفيذية”. فيما يضيف صابر عمار، عضو لجنة الإصلاح التشريعي، أن الدستور ينص على أن تمر القوانين على مجلس الدولة بغض النظر عن انتداب مستشاريه لمجلس الوزراء، لكنه يضيف: “عملية انتداب مستشارين من مجلس الوزراء من المفترض أن يتم إنهاءها خلال خمس سنوات من إقرار الدستور الذي قرر تكليف البرلمان بإلغاء ندب المستشارين لغير العمل القضائي”.

ولكن كون هؤلاء المستشارين حتى الآن منتدبين من الجهة نفسها التى يقع على عاتقها المرحلة التالية من مراجعة القانون، يسمح لهم بلعب دور آخر، حسبما يقول مصدر سبق له العمل مساعدًا لأحد الوزراء في الفترة من 2011 وحتى 2014: “لو كان القانون موافقا لتوجههم، يتم إرساله إلى مجلس الدولة لمراجعته ويعود خلال أسبوع، أما لو كان مخالفا لهذا التوجه، وهناك ضغط شعبي من أجل صدوره، فيتم إقرار مشروع القانون من مجلس الوزراء ويرسل إلى مجلس الدولة ولا يعود، بحيث يقال إن الأمر خرج من يد الحكومة وهو الآن في يد جهة قضائية ولا يمكن لأحد أن يعترض عليها. مثلما حدث مع قانون التسجيل العقاري السريع الذى كان من المفترض أن يسمح للمواطنين برهن عقاراتهم مقابل الحصول على قروض، وكان هذا القانون سيصب في مصلحة المواطنين بشكل مباشر، وبالفعل أقنع بعض الوزراء باقي المجلس بإقراره، لكنه ذهب الى مجلس الدولة في بدايات 2014 ولم يعد حتى الآن، حفاظا على مصلحة رجال الأعمال الكبار”.

ولكن التكرار ليس حكرًا على مستشاري مجلس الدولة المنتدبين في مجلس الوزراء، إذ ضمت لجنة الإصلاح التشريعي ممثلين عن لجنة الفتوي والتشريع بمجلس الدولة، وهيئة مستشاري مجلس الوزراء، ولجنة التشريع بوزارة العدل. وبالسؤال عن كون ذلك فيه تكرار لمرور مشروع القانون على الجهات نفسها في أكثر من مرحلة من مراحل إعداده، يجيب “عمار” قائلًا: “الفكرة كانت أن اللجنة تجمع كل هذه الأجهزة في وعاء واحد اسمه لجنة الإصلاح التشريعي لتلافي التعارض بين عمل كل جهة”. موضحًا أن اللجنة لم تعد تقوم بعملها منذ تولي شريف اسماعيل لرئاسة الحكومة.

الخبير القانوني والاقتصادي هاني سري الدين، رئيس هيئة سوق المال السابق، وعضو الحملة الانتخابية للرئيس عبدالفتاح السيسي، اشتكى من تعدد لجان المراجعة في مقال بعنوان “تشريعات نص تشطيب” قال فيه: “ولعله من اللافت للنظر كذلك تزاحم الجهات المعنية بإعداد مشروعات القوانين ومراجعتها، فصار لدينا نوع من المنافسة غير الصحية في هذا المجال. فإلى جانب قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة وهو صاحب اختصاص أصيل في عمليات المراجعة، هناك إدارة الفتوى والتشريع كذلك في وزارة العدل، يضاف إليها الآن لجنة الإصلاح التشريعي المنشأة بقرار جمهوري وهي تختص كذلك بمراجعة التشريعات، ويوجد لدينا ما يسمي بمشروع «إرادة» وهو تابع لوزارة التجارة والصناعة، ومعني بتنقيح التشريعات والقرارات غير الضرورية والمتناقضة. وطبعاً هناك وزارة الدولة للعدالة الانتقالية والشئون القانونية. ولدى السيد رئيس مجلس الوزراء هيئة مستشاريه القانونيين المعنيين بالصياغة والمراجعة، ولدى كل وزارة مستشاريها. فأصبحنا نحتاج إلي تنسيق ومراجعة من كثرة الجهات المعنية بالتنسيق والمراجعة.

المناقشة المفقودة أحيانًا

من المفترض أن تُعرض مشاريع القوانين على مجلس الوزراء للمناقشة قبل إقرارها، وهو ما لا يحدث في كثير من القوانين بحسب ياسر الرفاعي، الذي عمل مساعدًا لوزير التضامن سابقًا، ويقول: “بعض الوزراء يقترح على الرئيس قانونًا، وعندما يوافق الرئيس مبدأيًا، يرجع الوزير ويعمل عليه بمفرده دون مشورة من أحد. قبل المؤتمر الاقتصادي تلقى وزير التخطيط أشرف العربي اقتراحًا من البنك الدولي بقانون الخدمة المدنية ونقله للسيسي، فاقتنع الرئيس به لترتيب دولاب العمل الحكومي، وعمل الوزير على القانون بمفرده دون مشاورة أحد، وهو ما سبب اعتراض الموظفين بعد ذلك، قبل أن يرفض البرلمان القانون”.

ويتابع “الرفاعي”: “قانون ضريبة البورصة على سبيل المثال اقترحه وزير المالية على الرئيس بحجة زيادة دخل الموازنة، ولم يأخذ رأي أحد، ولم يضع بباله أن الشركات ستخسر جراء قلة المبيعات التي ستنتج عن غلاء الأسعار، ومعنى خسارة الشركات أن يقل ما تدفعه للموازنة. لأن الشركات كلما زاد مكسبها، كلما زادت حصة الدولة من الضرائب”.

كان هاني سري الدين، أثناء عضويته في مجلس إدارة صندوق دعم مصر (306306)، قد كتب مقالًا آخر في الأخبار عن قانون إنشاء صندوق “تحيا مصر” وتحويل أموال الصندوق الأول إليه، كان من ضمن ما قاله فيه: “ظهرت المشكلة في أن القانون المذكور اكتفى بمصادرة أموال صندوق (306306) ونقلها إلى «صندوق تحيا مصر»، ولم يتناول مصير الالتزامات القائمة على صندوق (306306)”.

وتابع “سري الدين”: “وفي ظل هذه الحيرة اتصلت بالأستاذة غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، ففاجأتني بأنه لم يتم استشارتها في إصدار هذا القانون. فاتصلت بالمستشار القانوني لرئاسة الجمهورية فأفادني بأنه لم يطلع على القانون قبل إصداره. فاتصلت بمستشار وزير الاستثمار؛ فأفاد بأن القانون في صورته الأخيرة لم يأخذ بأي من ملاحظات وزارة الاستثمار. فاتصلت بأحد الزملاء المستشارين بمجلس الدولة -إدارة التشريع، حيث يلزم إحالة مشروعات القوانين إليهم لمراجعتها قبل إصدارها، إلا أنه أفاد بأن هذا القانون لم يمر عليهم. فاتصلت بمكتب رئيس مجلس الوزراء، وأفادوني بأن قانون إنشاء «صندوق تحيا مصر» أعدته إدارة التشريع بوزارة العدل، وأُرسل مباشرة إلى رئاسة الجمهورية لإصداره”.

مساعد الوزير في حكومة الببلاوي يقول: “القوانين التي يوجه الرئيس بعملها هي التي تصدر بدون تشاور. والعمل الجماعي المقصود هنا أن تعرض وزارة ما القانون للتشاور مع باقي الحكومة”.

أما المصدر الذي عمل مساعدًا لأحد الوزراء في الفترة من 2011 إلى 2014 فيقول: “يخشى أي وزير أن يقترح قانونًا يخالف بوصلة الدولة حتى لا يتم استبداله في أقرب تعديل وزاري. انتهت مرحلة الوزير القوي مع وصول الرئيس السيسي إلى الحكم، فكل الوزراء يخافون منه، ولا يجرؤون على الحديث أمامه”.

فيما يعلق عماد الدين حمدي بقوله: “الأخطر من الوزراء هم وكلاء أول الوزرات، إذ لا يتغيرون في حال تغيير الوزير، بل يظل بقائهم مرهونًا بعدم بلوغ السن القانونية، ومنذ فترة وأغلب هؤلاء من أبناء القوات المسلحة -كما في وزارات الإسكان والنقل مثلًا، وهم من يناقشون المشكلات ويحضرون اللجان ولهم رأي يؤخذ به، ومعهم المعاونون والسكرتارية والمستشارون”.

التشاور مع من؟

بسؤاله حول مدى التشاور الذي يتم قبل إقرار قانون ما، وهل يلزم أخذ رأي جهات أخرى غير الوزراء؟ يجيب مساعد الوزير في حكومة الببلاوي: “السلطة القضائية هي فقط التي يلزم التشاور معها في مشروعات القوانين الخاصة بها، ما عدا ذلك فليس هناك قانون يلزم بالتشاور مع المؤسسات، لكنه عرف قانوني. معظم القوانين كانت تصدر بالتشاور طبعًا، إلا أن بعض القوانين صدرت من وزارات معينة منفردة”.

كما يوضح صابر عمار: “عملية استطلاع الرأي غير ملزمة، وتحدث لإطلاع الذين يصوغون القرارات على المشكلات المراد حلها. المشرع يُلزم بأخذ الرأي في حالة صياغة قوانين للنقابات والهيئات القضائية فقط”.

لكن الباحث السياسي عماد الدين حمدي يرى أنه لا بد من التفرقة بين أمرين، فيقول: “هل تقصد التشاور مع صغار المضاربين في البورصة أم شركات التأمين والضرائب وبعض المستثمرين الأجانب، الطبيعي أن المضاربين الصغار لا يؤخذ رأيهم، ويؤخذ رأي المؤسسات التي ذكرتها، ولو صدر القانون دون رأيهم فيسقط خلال أيام. على الأقل بعدم تفعيله بعد صدوره، نتيجة لضغوط هذه الجهات على الدولة. رجال الأعمال قد تعبر عنهم مواد القانون وقد لا تعبر، وهي طبقة هشة، لأنهم ليسوا من طبقة رجال الدولة البيروقراطية”.

من جانبه، يضيف شعت: “هناك قوانين تم إشراك المؤسسات الفاعلة فيها مثل قانون الصحافة والإعلام، صدرت مسودته باستشارة نقابة الصحفيين سواء بإشراك ممثلين عنهم في لجان الصياغة أو التواصل مع الرئاسة بصفتها جهة تشريع أو حتى محاولات التصدي من بعض الصحفيين لإقرار مشروع القانون لحين انعقاد البرلمان. لكن هذا ليس مثالًا على ما يحدث أثناء عملية التشريع، بالعكس يمكن القول أنها استثنائات، فهناك قوانين سحبت من الدرج مثل قانون الكيانات الإرهابية وقانون التظاهر، وكان فيهما مثالًا فجًا على احتكار التشريع”.

القانون كأداة توازن

إذا كان البعض يشتكي من عدم التشاور بشكل كافٍ قبل إصدار قانون ما، مع غياب نص ملزم بأخذ رأي جهات معينة، فلماذا التشاور مهم؟

يرد الباحث السياسي عماد الدين حمدي على هذا التساؤل قائلًا: “هناك ثلاثة مستويات لكتابة القوانين: الأول هو صياغة القانون وفق نظرية الحق أو نظرية الحداثة، أي أنه يحاول صياغة علاقات المجتمع بشكل مجرد، يكاد يكون ينطبق على كل الحالات، وهو ما قد يجعله غير قابل للتطبيق، والمستوى الثاني وهو أخطر، هو مستوى صياغة القانون وفق توازنات الواقع، بشكل يعبر عن التوازن بين المؤسسات، في هذا المستوى تظهر أهمية التشاور، حتى يخرج القانون بشكل قابل للتطبيق ولا يبقى مجرد نصوص جامدة. وتحتاج صياغة القوانين وفق هذا المستوى إلى متخصصين ينظرون لجوهر القانون، لا إلى قشوره. أما المستوى الثالث، هو صياغة العرف القانوني، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المدرسة اللاتينية التى تنتمي إليها مصر لا تعترف بالعرف الشعبي، بل إن العرف هنا هو ما تعارف عليه القضاة.

إختلال توازن عن عمد

ينبه “حمدي” إلى أن “مرحلة إقرار التوازنات تكون أثناء صياغة القوانين قبل مناقشة مجلس الوزراء. حيث يتم استدعاء من يكون معلومًا أنهم يفهمون التوازن بين المؤسسات من رجال الدولة، الذين لن يطالبوا بما هو أكثر من حدود حماية مؤسساتهم. وهو ما يحدث في مراكز دعم اتخاذ القرار، مثل مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية. حيث تتم بعض الندوات المغلقة التي يستدعى فيها، على سبيل المثال، رئيس مركز الأهرام، ونائب رئيس البورصة السابق، ونائب رئيس شركة مصر للتأمين السابق. ويتم استدعاء مسؤولين سابقين حتى لا يكون لهم مصلحة شخصية في الصياغة وتعديل القوانين. حينئذ تسمع كلامًا من قبيل: هذه المادة ستتسبب بمشكلة مع فلان وفلان، وسنحذفها، لكن لو حذفناها ستتسبب بمشكلة مع آخرين، وهم أقوى، إذن سنبقي عليها”.

ويضيف “حمدي”: “يحضر ممثل الحكومة هذه المناقشات، وقد يكون غير مختص بالمرة، فمثلًا قد يحضر وزير الأوقاف نقاشًا متعلقًا بالاستثمار، وتكون مهمته أن يشرح ما سمعه لمجلس الوزراء عندما يعود”.

لكن إذا كان تشاورًا مثل هذا يتم، فلماذا يبدو أن هناك اختلالًا في وزن مؤسسات الدولة في السنوات الأخيرة؟ يقول “حمدي”: “بعد الثورة حدثت اختلالات وإعادة ترتيب توازنات تكاد تكون من ثوابت الدولة المصرية. هناك مؤسسات كان المطلوب أن يخل التوازن لصالحها، ومؤسسات لم يكن مطلوبًا زيادة حجمها النسبي، فعلى سبيل المثال، وزارة الداخلية، التى اختل التوازن لصالحها مؤخرًا، سُمح لها بإنشاء شركات حراسة خاصة بالقانون 86 لسنة 2015، وهو ما لم يكن مسموحًا به من قبل إلا للجيش والمخابرات، وبالتالي، وبضغط من تلك المؤسسات، إما أن يُعد القانون غير دستوري، أو أن يبقي مجرد نص غير مفعل، دون أن تتمكن الداخلية من تطبيقه في ظل اعتراض المؤسسات السابقة عليه”.

من يتحمل المسؤلية؟

إذا كانت كل مرحلة من مراحل إصدار القانون يشوبها بعض المشكلات، فمن يتحمل مسؤولية صدور القوانين بهذا الشكل إذن؟

يلقي ياسر الرفاعي اللوم على الحكومة في عدم العمل على القوانين بشكل متقن، قائلًا: “الرئيس يوقع على كل القوانين التي يعدها المجلس، كيف يرفعون إليه قوانين معيبة بهذا الشكل؟، هم يرفعون القانون للرئيس لأنه قام بطلبه، لكن لا مشكلة لديهم إذا كان القانون سليمًا أو غير سليم”.

لكن المحامي نجاد البرعي، مدير المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية والمحاماة، يؤكد مسؤولية الرئيس عن إصدار القوانين، قائلًا: “الرئيس هو المسؤول عن القوانين لأنه من أصدرها، أما الحكومة فهي جهة إعداد واقتراح فقط”. فيما يرى عماد الدين حمدي أن “الذي يتحمل مسؤولية القانون ليس من صاغه أو اقترحه، بل من أصدره، سواء كان رئيس الجمهورية، أو البرلمان الذي أقره لاحقًا”.

أما مصطفي شعت فيقول: “يتشارك ممثلو المراحل التي تمر بها القوانين في المسؤولية، إذ أنه من المؤكد وجود أشخاص لديهم اطّلاع على النص الدستورى، وعلى علم بمدى مطابقة النص الذي يضعونه للدستور”. مؤكدًا أن “الأخطاء الإجرائية في القوانين لا يقع بها هاوٍ، فما بالك بمستشار كبير أو سياسي كبير. لو كانت هناك مشكلة في النص التشريعي فمن المفترض أن تراجعه جهة الاقتراح، بالإضافة إلى أن تمريره بهذا الشكل من قسم الفتوي والتشريع بمجلس الدولة يؤكد وجود مشكلة، ولو ذهب لرئاسة الجمهورية وأصدرته دون مراجعة فهذه كارثة أكبر وأكبر، فعلى ما يبدو هي حلقة متصلة من المسؤولية”.

اعلان
 
 
عبد الرحمن إياد