الناظم: (7) متفاعلن أو غير متفاعلٍ
 
 

الإيقاع احتل نصف رأسي، منذ أن أحببت هذه الكلمات المرصوصة جنبًا إلى جنب مكونة “بيتًا”، ثم “قفلة”. هذا الإيقاع بكلمة يتكرر حرفها الأخير في أبيات تالية ليكون “قافية”. في بداية المحاولة والتجريب لم أكن مشغولًا بالإيقاع ولا التقطت أذني حساسيته، لكنني انشغلت بالقافية، طفل في الثامنة من عمره سيُؤخذ بما هو واضح، حتى بدأت أبحث عن الكلمات المتشابهة وأدونها على ظهر كتب المدرسة، “كلام، عظام، هيام، غرام، نيام، وئام، سلام، نظام”، “حوار، نهار، شجار، قرار، مزار، سعار”، نعم في الثامنة من عمري كتبت كلمة “سعار” على ظهر أحد الكتب، وكنت أنشغل كثيرًا في أوقات حل الواجب المدرسي في كيفية جعل هذه الكلمات متشابهة الجرس تنتظم في جمل ذات معنى. أنام فأحلم بها، أهرب إلى الصلاة لعل شيطاني يشغلني عن الخشوع بفكرة لامعة.

حاولت كثيرًا، وكتبت جملًا مفككة كثيرة، ركيكة حتى بالنسبة لتقييمي البسيط في ذلك الوقت. قلت لنفسي لا بد أن أحفظ، أحفظ مئات الأبيات، على مدار عامين أحفظ كل ما يقع تحت يدي، الشافعي، الشريف الرضي، المتنبي، أحمد شوقي، عمر أبو ريشة، حافظ إبراهيم، الجواهري، البردوني، المعلقات، عبد الرحمن العشماوي، غازي القصيبي. كلما صادفت شاعرًا كتبت أبياته في مذكرة صغيرة، ورددتها حتى حفظتها، هكذا صار لدي ما يزيد على الخمسين مذكرة.

مع كثرة الحفظ والترداد، توارت أهمية القافية شيئًا فشيئًا، ربما لأنني صرت خبيرًا بها، وقادرًا على تطويعها متى أردتُ، وبدأت أعي فكرة الإيقاع، الوزن، المعيار الحقيقي لانتظام الكلمات أبياتًا. بدأت في تحويل اﻹيقاع كما فهمتُه إلى ألحان أو أصوات من الطبيعة أستطيع أن أقولب الكلمات داخلها، أعجنها كصلصال، هكذا صارت:

يا ليل الصب متى غده/ أقيام الساعة موعده
درجن درجن درجن درجن، صوت جري الحصان.

يا فؤادي لا تسل أين الهوى/ كان صرحًا من خيال فهوى
تشبه تماما أغنية “قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك”.

أخي جاوز الظالمون المدى/ فحق الجهاد وحق الفدى
طَطَم طَم ططم طم ططم طم ططم طم، مثل صوت المارش العسكري.

ولقد ذكرتك والرماح نواهل/ مني وبيض الهند تقطر من دمي
درجن ططم درجن ططم درجن ططن ، مثل جري الخيل مع دق الطبول.

تحول العالم كله إلى إيقاعات ذات ثيمة مكررة، كنت أحاول ضبط تلك الإيقاعات على كل ما أقرؤه، حتى عناوين الصحف، الواجبات المدرسية، كلمة الصباح في الإذاعة، حتى القرآن الذي كنت أحفظه، كنت “أقيّفه”على مقاس الإيقاع “إنا أعطيناك الكوثر” درجن درجن درجن درجن. “تلك الأيام نداولها بين الناس” درجن درجن درجن درجن. أقيّفه ثم أستغفر الله على جريمة ربط نصه المقدس بالشعر.

لكن ما أوقفني وأصابني بلوثة، الأبيات ذات الجمل الطويلة. لم أستطع ضبط إيقاعها، مثل معلقة امرؤ القيس “قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل/ بسقط اللوى بين الدخول فحومل” كل محاولات ضبطها لم تجد نفعًا. جننت، أريد أن أعرف كيف، أو ربما هي دون إيقاع، لكنني أشعر به، أشعر به ولا يمكنني إمساكه.

حتى جاء يوم، كنت في مكتبة المدرسة أبحث عن أي شيء يستحق القراءة، فوقع بصري على كتاب “أهدى سبيل إلى علمي الخليل، القوافي والعروض” في الصف الخامس الابتدائي. سألت نفسي: من هذا الخليل؟ وهل القوافي علم؟ وما هو هذا الشيء المسمى بالعروض، “نطقتها بضم العين”. قلبت صفحات الكتاب لأفهم، لأجد أن الشارح يقول إنه كتاب في “علم الشعر” فاستعرته، وقضيت ليلة الجمعة ساهرًا أقرؤه كمن ندهته النداهة. الكلام غريب، ثقيل، صعب الفهم، حتى قرأت قصة الخليل مع من جاءه ليتعلم منه هذا العلم الذي يشبه تعاويذ السحرة، ولما فشل قال له الخليل: إذا لم تستطع شيئًا فدعه/ وجاوزه إلى ما تستطعُ.

جننتُ كأني لُدغت، الله يلعنك يا هذا الخليل، أنا أستطيع ولم أتجاوز. بدأت أفهم المنطق البسيط الحاكم لما يسميه العروض أو الوزن، حركة وسكون، حركة “-” وسكون “0”، المنطوق لا المكتوب: الشدة حرفان، التنوين حرفان، الألف الزائدة ليست حرفًا، ألف الوصل ليست حرفًا، هكذا بدأت أكتب الكلام كما أنطقه، ثم أحوله إلى شفرة من حركة وسكون. ثم ماذا يا عم خليل؟

بدأت أحفظ التفاعيل. تشبه علم الصرف لكن بمنطق مختلف، منطق الصوت: “هذا الذي” تصير هاذلْلَذي، “-0-0—0” مُسْتَفْعِلُن. تحول العالم إلى حركة وسكون، وبدأت أفكار تميل إلى التجريد، وتناسب حيرة الدخول إلى سن المراهقة، تصاحب الحركة والسكون، أليس الكون كله حركة وسكونًا؟ أليس الله ذاته حركة وسكونًا؟ النار والجنة حركة وسكونًا؟ تحول هوسي بالحركة والسكون إلى منهج حياة، أمشي كالسكران: حركة حركة حركة ثبات، حركة حركة ثبات، الآن أنا صرتُ “متفاعلن”، متفاعلٌ قليل التفاعل مع العالم. يعجبني “الإفيه” فأضحك، بني الإسلام على خمس هم “فعولن وفاعلن”. الأسبوع سبعة أيام هم “متفاعلن ومستفعلن وفاعلاتن ومفاعيلن ومفاعلتن”.

تحول ظهر كتب المدرسة من مختارات للشعر إلى تدريب على الوزن، “التقطيع” كما يسمى. قطّعت كل ما أراه. حولته إلى تفاعيل العروض. تحول كتاب “أهدى سبيل” إلى قرآن سري يصاحبني في نومي وصحوي، خروجي وإقامتي، جرثومة استقرت في دمي، وشيئًا فشيئًا، استطعت ربط وعيي بالأصوات مع تدربي على الوزن، درجن درجن صارت فعلن فعلن، درجن ططم صارت متفاعلن. وهكذا، تحولت الموسيقى إلى وسيلة لضبط الوزن، أهم من ذلك أني أخيرًا فهمت الوزن المركب. الأمر ليس صعبًا، هو تفعيلات مختلفة في بيت واحد، تسمح للجملة أن تطول وتتنفس، وللمعنى أن ينبسط. لم أجاوزه يا عزيزي الخليل، واستطعته وحدي دون معلم.

حان وقت الجد، أن أحول ما تعلمته إلى كتابة. لدي الكثير مما أريد قوله. أريد أن أقوله شعرًا، قصائد مثل التي حفظتها، وسأبدأ بالأوزان المركبة التي تبدو صعبة. بدأت أكتب عن حبيبة خيالية، عن خوفي من الله، عن خوفي من أبي وأمي أكثر من الله، ثم أستغفر الله. ملأتُ عشرات المذكرات، بأبيات يتيمة، ببيتين وثلاثة، بعشرة أبيات، كلما خطرت لي فكرة دونتها أبياتًا.

لكن من يحميني من المرارة؟ أحد معلمي المدرسة يقرأ ما كتبته على ظهر كتاب مادته، يقرؤه بصوت عال أمام الفصل كله. يسخر مما كتبت. يضحك الفصل كله، وأبذل مجهودًا خرافيًا كي لا أدمع. كيف يتعامل مع خبيئتي بهذا الاستخفاف؟ بعد أن انتهى من السخرية والضحك، قال لي: لا تضيع وقتك في الكلام الفاضي، أنت حافظ لكتاب الله، وطالب مُجد، انشغل بما ينفع الأمة. في رأسي عشرات الردود المفحِمة، وكلها قادرة على إسكاته، لكن لم يخرج مني إلا “حاضر. آسف”. وضع يده على كتفي وقال لي “إنت ذكي يا أحمد، لا تضيع ذكاءك في الخربطة” أشعر كأنني عريان تمامًا، مهزوز ومرتبك وضعيف وشديد الهشاشة، ماذا أفعل يا ربي؟ لماذا تحرجني أمام الحمقى يا الله؟

يومها، بكيت في الطريق من المدرسة إلى البيت، وأصدقائي يقولون لي “لا تبالغ، تراه يمزح معك”. كل ما شغل رأسي هو كيف أهجوه. سأكتب في هجائه أقسى مما كتب الحطيئة، عدت إلى البيت وخلوتُ إلى نفسي وبدأت أكتب:

سليل الفضائح وابن القذارة/ براغيث تسعى على ظهر فارة
إذا ما تكلم صاح الملائك/ أغثنا إلهي براز العِبارة

شعرت بارتياح كبير بعد أن كتبت هجائية مليئة بالخراء والعرق والحشرات والفئران. حولته في رأسي إلى شيطان بشري. بعدها تحول العالم كله إلى أبيات. أرغب في شيء أكتبه، أكره شيئا فأهجوه. وكنت أوقع قصائدي بعبارة “الشاعر أحمد ندا” ثم تحتها بخط أصغر “متفاعلٌ” منونةً، محاولًا مزج الميزان العروضي بمعنى الكلمة.

أفكر اليوم في كل هذا، بعد أن وقع مني العروض، أحيانًا رغبة في تجاوز القديم، وأحيانًا أخرى عجز الكلام على الانتظام ثانية في أبيات مضبوطة تحمل كل ما أريد قوله. صار الشغف بالشعر أكبر، وصارت هواجسه أكثر تعقيدًا، ومرارتي مستمرة.

اعلان