مستجدات على طريق المصالحة مع الإخوان.. وماذا عن الأطراف الأخرى؟

لأسباب مستجدة داخليًا وإقليميًا ودوليًا، إلى جانب اﻷسباب الدائمة بالطبع، تزايد الحديث مؤخرًا عن دعوات ومبادرات للمصالحة بين الدولة وجماعة اﻹخوان المسلمين، وتواترت مؤشرات على أن احتمال البحث عن هذه المصالحة أصبح واردًا أكثر من أي وقت مضى منذ يوم 3 يوليو 2013.

المؤشرات منها الإفراج عن عدد كبير من قيادات تحالف دعم الشرعية، والصمت “الموحي” من جانب الرسميين في الدولة على دعوة الدكتور سعد الدين إبراهيم للمصالحة، وإعلانه العكوف على صياغة مبادرة محددة لهذا الغرض. فالسكوت هنا ليس علامة رفض، ولكنه بالأحرى علامة رضا، أو على الأقل علامة انفتاح أولي على الفكرة.

من المؤشرات أيضًا استقبال وفد حركة حماس مؤخرًا في القاهرة، في تناقض ظاهر مع اتهام  وزارة الداخلية المصرية لحماس بالتورط في اغتيال النائب العام السابق.

أما الأسباب المستجدة داخليًا التي تجعل من مصالحة الدولة مع الإخوان واردة الآن أكثر من أي وقت مضى، فهي اقتصادية في المقام الأول، وتتجسد في الانهيار المتوالي لقيمة الجنيه المصري أمام الدولار، وقد بين الدكتور سعد الدين إبراهيم في إحدى المناسبات أن الإخوان قادرون على تحريك أو تجميد ما يقرب من مائة مليار جنيهًا في السوق المصرية، وتحدثت تقارير متعددة المصادر عن شبكة إخوانية في الخارج تقوم بشراء العملات الأجنبية من المصريين العاملين في البلاد الأجنبية، وتدفع المقابل المصري لذويهم في الداخل، بما يحرم السوق المصرفية المصرية من نسبة كبيرة من تحويلات العملة الأجنبية.

فإذا كانت التقارير صحيحة، فإن حرب الإخوان الاقتصادية على الحكومة، ستكون مؤثرة، لأنها تعني تجفيف المصدر الوحيد الذي كان متبقيًا للعملة الأجنبية، إلى جانب عائدات قناة السويس، إذ لا يزال القطاع السياحي كاسدًا، ولم تتحقق وعود الاتفاق مع الصندوق الدولي على قرض دولاري كبير، وأمسكت دول الخليج أيديها عن المساعدات النقدية المباشرة، أو كما قال أحد الخبراء السعوديين المطلعين في حديث تليفزيوني: “لا معونات (كاش) بعد الآن لمصر، وإنما استثمارات في مشروعات محددة”، والقائل هو اللواء متقاعد الدكتور أنور ماجد عشقي، ولم يرد عليه أحد من الرسميين لا في مصر ولا في السعودية، وبالطبع لم يعد لدى مصر الكثير مما تصدره من إنتاجها، لتقليل الفجوة في ميزان مدفوعاتها المدين للعالم الخارجي.

وهناك مستجد آخر يتعلق بجماعة الإخوان نفسها، وهو أن الجماعة تمر بفترة عاصفة من المراجعات، ومن ثم الانقسامات، وعليه فإن شروطها للمصالحة لن تكون مبالغًا فيها.

أما إقليميًا فما استجد هو الانسحاب الروسي من سوريا، وتحرير تعز في اليمن من أيدي الحوثيين، وتأكيد أنباء طلب الرئيس اليمني المخلوع وحليف الحوثيين علي عبد الله صالح الخروج الآمن للعلاج في الخارج، وحديث وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن استعداد بلاده لحسن الجوار مع إيران (بشروط طبعًا)، ومن قبلها وقف المعونات المالية السعودية للبنان عقابًا لحزب الله، أو ضغطًا على كل لبنان ليضغط بدوره على الحزب ومحاصرته، ثم استصدار قرار صريح من مجلس التعاون الخليجي بدمغ حزب الله بـ “الإرهاب”، وقرار ضمني من جامعة الدول العربية يؤيد هذا الدمغ.

محصلة كل ما سبق أن السعودية كقائدة للإسلام العربي السني تجمع مصادر قوة سياسية تحسّن موقفها في أية تسوية آتية لا ريب في الإقليم، وقد كان لحرب تخفيض أسعار البترول السعودية على روسيا أثر كبير في عدم قدرة الأخيرة مواصلة الإنفاق العسكري في سوريا، لكن الدبلوماسية السعودية نشطت في الوقت نفسه في البحث عن تفاهم مع الروس. وقد علمتُ من أحد وزراء الخارجية  المصرية السابقين أن واشنطن وموسكو توصلتا إلى”صفقة” للحل في سوريا، وأن السعودية وتركيا قريبتان جدًا من هذه الصفقة، وستكون الزيارة المتوقعة للملك السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى القاهرة مناسبة لإبلاغ الجانب المصري بذلك.

المهم في هذا الاستعراض للمستجدات الإقليمية بالنسبة لموضوعنا، أي موضوع المصالحة بين الدولة المصرية وجماعة اﻹخوان، هو حاجة السعودية كقائدة للإسلام العربي السني إلى توحيد الكتلة المعتدلة من اﻹسلام السياسي السني لمواجهة النفوذ الإيراني الشيعي من ناحية، ولترتيب الأوضاع في كل سوريا واليمن وليبيا، في إطار الصفقة التي ستبدأ من سوريا، بمعنى أن ترتيب هذه الأوضاع سيتطلب مشاركة المعتدلين من منظمات اﻹسلام السياسي في حكم تلك البلاد، دون الانفراد بحكمها بالطبع، وفي مقدمة أولئك المعتدلين حسب التصنيف السعودي والأمريكي والروسي والأوروبي، جماعة الإخوان المسلمين. وهنا تقع مصلحة تركية أساسية متمثلة في ضمان عدم تعرض العلويين السوريين، في حالة انتصار المتطرفين السنة على نظام بشار الأسد، لحرب إبادة تؤثر بالسلب على استقرار تركيا التي يعيش فيها علويون أكثر من سوريا،  كما تريد تركيا تحجيم تطلعات استقلال الأكراد.

لكن السعودية والقوى الدولية ليسوا في حاجة إلى اﻹسلام السني المعتدل لمواجهة النفوذ الشيعي الإيراني وحلفائه فقط، وإنما لمواجهة داعش أيضًا ومحاصرتها تمامًا معنويًا، قبل ومع الحصار الاقتصادي والعسكري، للخلاص من هذا الكابوس، والمعنى أن مشاركة إسلاميين في حكم سوريا واليمن وليبيا ستقلل من جاذبية داعش في عين أنصارها الحاليين والمحتملين.

وعلى المستوى الدولي تمثّل هذه المقاربة مصلحة للجميع في مواجهة الإرهاب المنطلق من الفكر الداعشي في أوروبا، واحتمالات اتساع نطاقه في روسيا، وربما الولايات المتحدة نفسها. أي أن التطرف الإسلامي أصبح معضلة ممتدة في العالم كله، ولا سبيل لحل هذه المعضلة إلا بمشاركة أغلبية المسلمين شعوبًا وحكومات، ولكي تنجح هذه المشاركة فلا بد من إنهاء التناقض القائم حاليًا بين كثير من تلك الحكومات وقطاعات مؤثرة من الشعوب، مصنفة بوصفها “الإسلاميين المعتدلين”.

***

بعد هذه الجولة بين المستجدات الداخلية والإقليمية والدولية المشجعة على فكرة المصالحة في مصر بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، نستعرض الأسباب الدائمة لبقاء فكرة المصالحة بين الدولة والجماعة واردة في كل وقت، أولها أن هذا كان التزامًا قطعه نظام 3 يوليو 2013 على نفسه في بيان خريطة الطريق، وثانيها أن كل صراع سياسي محلي أو دولي لا بد أن ينتهي يومًا بتسوية، في ظل عدم قدرة أحد أطرافه على حسمه نهائيًا لصالحه، أو تجميد هذا الصراع وتحييد آثاره الضارة على الجميع على الأقل، وثالث الأسباب الدائمة أن الدولة تشهد انقسامًا سياسيًا حادًا، واضطرابات أمنية مستمرة لن تكون جاذبة للاستثمارات الأجنبية.

***

قد يلزم أن ننوه لدوافع جماعة الإخوان نفسها لقبول فكرة المصالحة مع الدولة، فبالإضافة إلى ما ذكرناه من مراجعات وانقسامات داخل صفوفها، هناك أيضًا ضغوط الأطراف الإقليمية والدولية، التي شرحنا مواقفها توًا، على الجماعة، وهناك الحقيقة الأكبر والأهم وهي أن الإخوان تثبتوا أنهم غير قادرين على حكم مصر وحدهم، وغير مؤهلين لذلك، كما تبدد غرور القوة لديهم، وتيقنوا أنهم لن يكونوا أقوى من الدولة، كما تيقنوا أن المجتمع المصري ليس مواليًا لفكرهم على نحو ما أقنعوا به أنفسهم من قبل.

إذا افترضنا أن كل الأسباب السابق شرحها -المستجد منها والدائم- أدت إلى تسوية ما بين الدولة والإخوان في مصر، فهل يعني ذلك أن الأزمة السياسية المصرية انتهت؟

أكثر الإجابات تفاؤلًا هي أن مصر في هذه الحالة تكون قطعت شوطًا مهمًا في طريق حل أزمتها، بشرط أن تكون تلك التسوية بداية لإقامة نظام سياسي يتسع للقوى الجديدة في المجتمع، وإلا فإن التسوية المنشودة ستظل “صفقة” جديدة، من الصفقات التي اعتاد الطرفان على إبرامها صراحة أو ضمنًا منذ قيام نظام يوليو 1952، ﻹقصاء القوى الجديدة عن الفاعلية السياسية، وهذه القوى تشمل الشباب الطامح إلى دولة مواطنة مدنية ديمقراطية يحكمها القانون، كما تشمل قوى الحراك العمالي ممثلًا في حركة النقابات المستقلة عن التبعية للسلطة، وتشمل رجال الأعمال الطامحين إلى نظام اقتصادي تسوده المنافسة العادلة، ثم أغلبية المصريين الفقراء الذين يحلمون بدولة السوق الاجتماعي، والمعبَّر عنها بمطلب “عيش، حرية، كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”.

***

قد تنهي الصفقة الصراع بين الإخوان والدولة أو تجمّده، لكنها بعد قليل من الوقت ستفجر صراعًا بين كل الجديد وكل القديم.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد