قبل ساعات من جلسة “بهجت” و”عيد”.. قلق دولي وأممي إزاء الحملة على المنظمات الحقوقية في مصر
 
 

قبل ساعات من جلسة محكمة جنايات القاهرة التي ستنعقد في التاسعة والنصف من صباح الخميس، لنظر طلب التحفظ على أموال حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وجمال عيد، مؤسس ومدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، والصادر من قاضي التحقيق في القضية 173 لسنة 2011، المعروفة إعلاميًا بـ “قضية تمويل منظمات المجتمع المدني”، أبدت العديد من الجهات الدولية قلقها إزاء ما تتعرض له المؤسسات الحقوقية في مصر في الفترة الأخيرة.

ففي بيان صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة، عقب لقاء في مقر الأمم المتحدة، جمعه بالحقوقي المصري بهي الدين حسن، مؤسس ومدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، أكد بان كي مون على دعمه للعمل الهام لمنظمات حقوق الإنسان المصرية في تعزيز وتطبيق المبادئ والمعايير العالمية لحقوق الإنسان.

وخلال الاجتماع ناقش “حسن” و”كي مون” المناخ الصعب الذي تعمل فيه منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، قبل أن يبرز الأمين العام للمنظمة الأممية في بيانه أهمية السماح للمدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني عمومًا، فضلًا عن وسائل الإعلام، بالعمل دون قيود لا مبرر لها، وذلك للتطوير الكامل للمجتمع.

البيان الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أتى بعد ساعات من البيان الذي أصدره المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، زيد رعد الحسين، والذي أعرب فيه عن قلقه الشديد إزاء إغلاق منظمات المجتمع المدني في مصر، ومقاضاة العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان. وهو ما وصفه “الحسين” في بيانه بأنه “يبدو وكأنه حملة على قطاعات من المجتمع المدني المصري، وهي حملة يجب أن تتوقف”، مضيفًا أن “منظمات المجتمع المدني التي لعبت دورًا هامًا في توثيق الانتهاكات ودعم الضحايا ستشهد شللًا كاملًا لأنشطتها إذا استمر هذا الوضع. وهو ما سوف يخنق أصوات أولئك الذين يدافعون عن الضحايا”.

كما أكد “الحسين” في بيانه أن “لكل شخص الحق في الحصول على الأموال اللازمة لتعزيز حقوق الإنسان عبر وسائل سلمية”. وأضاف أنه “يجب على السلطات المصرية أن توقف جميع الدعاوى القضائية التي تستهدف نشطاء حقوق الإنسان، وتحديدًا إنهاء القضايا المرفوعة ضد حسام بهجت وجمال عيد، اللذان بلا شك لم يرتكبا أي جريمة، وفقًا للمعايير الدولية”. واختتم المفوض السامي بيانه قائلًا إن نشطاء المجتمع المدني المصريين يستحقون الإشادة “لجهودهم المتفانية من أجل تعزيز حقوق الإنسان في ظل ظروف صعبة”، مؤكدًا أنه يجب تعديل القوانين التي تفرض قيودًا لا داعي لها على تسجيل وتمويل منظمات المجتمع المدني، فضلًا عن حرية التعبير وتكوين الجمعيات، وذلك لخلق جو أكثر تسامحًا.

كان قاضي التحقيق في قضية تمويل منظمات المجتمع المدني قد أصدر في 19 مارس الجاري قرارًا بالتحفظ على أموال “بهجت” و”عيد” وزوجته وابنته، على خلفية التحقيق الجاري في القضية التي أعيد فتحها منذ أسابيع، والتي تعود إلى العام 2011.

وفي القضية نفسها، استدعى قاضي التحقيق مؤسسة ومديرة مركز نظرة للدراسات النسوية، مزن حسن، للتحقيق معها رسميًا، وذلك بعد التحقيق مع ثلاث عضوات في المركز على سبيل الاستدلال في الثلاثاء الماضي، واللاتي رافقتهن “حسن” أثناء التحقيق، لتنتهي الجلسة باستدعائها شفهيًا لجلسة تحقيق مقرر لها 29 مارس الجاري، لتصبح “حسن” هي أول من يطلبون رسميًا للتحقيق بين عدد كبير من الحقوقيين والنشطاء الواردة أسمائهم في القضية، والذين صدر بحق عدد منهم -من بينهم “بهجت” و”عيد”- قرارات بالمنع من السفر في فبراير الماضي، في حين لم يستدع القاضي مؤسسا “المبادرة المصرية” و”الشبكة العربية” أو أيِ من العاملين في المنظمتين للتحقيق، وبالتالي فهم بلا تهم حتى الآن.

وأتى التحقيق مع “حسن” بعد يوم واحد من قرار قاضي التحقيق بحظر النشر في القضية.

استدعاء مديرة “نظرة” للتحقيق، وطلب التحفظ على أموال “بهجت” و”عيد”، وما سبقهم من إجراءات اتخذت ضد عدد من منظمات المجتمع المدني، مثل قرار إغلاق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، والتحقيق مع المحامي الحقوقي نجاد البرعي، أثاروا ردود فعل دولية واسعة، أعرب معظمها عن القلق تجاه وضع حقوق الإنسان في مصر في الفترة الأخيرة، والهجمة التي تتعرض لها، والتي وصفتها منظمة العفو الدولية في بيان صدر أمس الثلاثاء، بالهجمة غير المسبوقة على المنظمات غير الحكومية، وهو البيان الذي وقعت عليه 14 منظمة دولية، من بينها المنظمة الأورومتوسطية للحقوق، ولجنة حماية الصحفيين، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، ومنظمة العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش والتي نشرت البيان بالعربية على موقعها تحت عنوان ” حقوقيو مصر تحت خطر المحاكمة”.

و أشار البيان لأن إعادة فتح التحقيق القائم منذ خمس سنوات في تمويل المنظمات الحقوقية المستقلة وتسجيلها قد يؤدي إلى اتهامات جنائية، مطالبة السلطات المصرية بوقف التحقيق ووقف ملاحقتها القضائية لهذه المجموعات، مشيرا لقرارات اتخذتها الحكومة المصرية مثل تجميد أموال الحقوقيين حسام بهجت وجمال عيد ومنعهما من السفر ضمن عشرة حقوقيين آخرين ، بينهم محمد لطفي مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات وأربعة عاملين في المعهد المصري الديمقراطي، بالإضافة إلى استدعاء مزن حسن، والذي سبقه بحوالي الشهر استدعاء نجاد البرعي، مدير المجموعة المتحدة، للتحقيق بزعم إنشاء كيان غير مرخص، كما أشار البيان أخيرًا لقرار الحكومة غلق مركز النديم.

واعتبر البيان أن المجتمع المدني يتم التعامل معه وكأنه عدو الدولة وليس شريكا في الاصلاح والتقدم، وذلك حسبما قال سعيد بومدوحة، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، بينما أشار نديم حوري نائب مدير قسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش” إلى أن السلطات المصرية تجاوزت مرحلة التخويف “إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإسكات آخر الأصوات المنتقدة في مجتمع حقوق الإنسان المصري”.  وطالبت المنظمات الموقعة على البيان السلطات المصرية بـ “سحب أمر إغلاق مركز النديم ورفع حظر السفر وتجميد الأصول عن العاملين بمجال حقوق الإنسان، الذين يحمي الدستور المصري والقانون الدولي أنشطتهم.” كما طالبت بـ “رفع حظر النشر، الذي يمنع الإعلام من تغطية أي شيء عن القضية إلا البيانات الصادرة عن القضاة إلى أن ينتهي التحقيق”، كما أكد البيان أنه على مصر الالتزام بتعهدها في مارس 2015 في ختام الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بـ “احترام حرية نشاط الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان”، والذي يشمل السماح للمنظمات بالتسجيل بموجب قانون جمعيات جديد، على أن يراعي القانون الجديد المادة 75 من الدستور التي تحمي المنظمات من تدخل الحكومة والمعايير الدولية لحرية تكوين الجمعيات.

كما أعربت دول مختلفة عن قلقها إزاء الخطوات الأخيرة التي اتخذتها السلطات المصرية ضد الحقوقيين، إذ صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الألمانية، أمس، الثلاثاء، بأن الحكومة الألمانية ” تتابع ببالغ القلق أوامر المنع من السفر الأخيرة وكذلك تجميد الحسابات وإجراءات التحقيق ضد ناشطين ومنظمات من المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر. إن هذه الخطوات لا تتعارض مع معايير حقوق الإنسان الدولية فحسب، بل تتعارض أيضًا مع الدستور المصري”، كما طالب الحكومة المصرية في بيانه بتوفير الظروف لتمكين جماعات حقوق الإنسان دون عرقلة.

بينما أعرب توباياس إلوود الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن قلقه من التضييق المتنامي علي المجتمع المدني في مصر، مع علمه بأن السلطات المصرية قد أعادت فتح قضية ضد عدد من جمعيات مصرية مدافعة عن حقوق الإنسان، وقال إلوود “إن مصر ملتزمة بموجب دستورها لسنة 2014 بالسماح لمنظمات المجتمع المدني بالانخراط في نشاطها بكل حرية. والقيود والعقوبات تتنافى مع ذلك وتقوض الثقة الدولية بعملية الانتقال السياسي في مصر.”

كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد أصدر بيانا في 18 مارس الجاري أعرب فيه هو الآخر عن قلقه من تدهور وضع حقوق الإنسان في مصر في الأشهر والأسابيع الأخيرة، بما في ذلك إعادة فتح التحقيق مع المنظمات غير الحكومية التي توثق انتهاكات حقوق ال‘نسان  وتدافع عن الحريات المكفولة في الدستور، ووصف كيري هذا القرار بأنه ضمن ستار أوسع من اعتقال وتهديد للمعارضة السياسية والصحفيين، ونشطاء المجتمع المدني والرموز الثقافية. مؤكدا أن “القيود علي أنشطة المجتمع المدني لن تنتج الأمن والاستقرار”، ومطالبا الحكومة المصرية بالعمل مع المجموعات المدنية علي تخفيف القيود علي كلا من التنظيم والتعبير، ولاتخاذ إجراءات للسماح لهذه المجموعات مع غيرها من المنظمات غير الحكومية بالعمل بحرية.

اعلان
 
 
هدير المهدوي