هل كان اللورد كرومر أرحم؟!

لهذا المقال، في هذا التوقيت، سببان:

الأول: قرار البرلمان الأوروبي حول سجل حقوق الإنسان في مصر، بمناسبة مأساة مقتل الباحث الإيطالي الشاب جوليو ريجينى بعد تعذيبه على الأرض المصرية، دون الكشف عن الجناة حتى ساعته، وانبراء ميلشيا الرثاثة الفكرية للتصدي البهلواني للقرار الأوروبي.

الثاني: بلوغ عدد المطالبين بعودة الملكية، بوصفها أفضل ضمان للحقوق و الحريات، في مصر حوالى ثلاثة ملايين ونصف المليون، كما سمعت من المهندس أشرف الفيل، أحد مؤسسي حركة الملكية الدستورية على الشبكة الاجتماعية.

إذن الرابط واضح بين السببين، إلا أنى أشعر بحاجتنا إلى الفهم الصحيح لجذور وتطورات المسألة الحقوقية في مصر، ومآلاتها المحتملة في المستقبل، باعتبارها إحدى المآسي، أو اﻹخفاقات الكبرى لنظام الحكم المصري منذ محمد علي باشا الكبير، أما ما قبل ذلك فهو في ذمة التاريخ.

إنها مأساة لا تقل فداحتها عن فداحة مآسينا الأخرى في الاقتصاد والتعليم والاستقلال الوطني واﻷمن القومي والثقل الإقليمي، بل إن الإخفاق “الحقوقي” هو السبب الأعمق لكل تلك الإخفاقات، لأنه يحيل علاقة النظام بشعبه إلي علاقة شك وتربص، فيسيطر الخوف على الطرفين، وتتبدد الموارد المالية والإدارية والبشرية أيضًا على تأمين النظام، ويحظى أهل الثقة بالأولوية في كل مكان، وتحل معايير الولاء الشخصي والفئوي البدائي محل معايير الكفاية والولاء الوطني والالتزام السياسي الموضوعي.

يقول سفر الأحزان المصري المسهب إن تاريخ اعتراف الحاكم المصري بحقوق شعبه هو بالضبط تاريخ الضغوط والتدخلات الخارجية لإقرار هذه الحقوق، إما إيمانًا خالصًا بهذه الحقوق، أو تذرعًا بها للتدخل في شؤون مصر، أو تحقيقًا لمصلحة ما في لحظة ما، مع كل الأسى الذي يجب أن يشعر به جيلي الذي شب وشاب على آمال التحرر الوطني.

لقد تخلى محمد علي باشا عن نظام الاحتكار بموجب معاهدة لندن 1840 التي حطمت مشروعه الإقليمي وحددت حجم جيشه، وقد فُرضت عليه فرضًا.

واضطر الخديوي إسماعيل لإنشاء هيئة نظارة، أو وزارة تتمتع بقدر من الاستقلال عن إرادته السنية، تحت ضغوط الدائنين الأجانب وحكوماتهم، كما اضطر لتشكيل مجلس نيابي صوري أملًا فى موازنة الضغوط الخارجية عليه، واستنادًا إلى إرادة شعبية.

لكن أبرز تنازلات إسماعيل في المسألة الحقوقية أمام الضغوط الأجنبية كان قبوله بقيام النظام القضائي الحديث بشقيه المختلط والأهلي، وذلك حتى تستقل “الأحكام العدلية” عن الإرادة المباشرة لولى النعم ورجاله. ولمن يريد الاطلاع على التفاصيل الرجوع إلى مذكرات نوبار باشا.

ولكن سفر الأحزان يحتوى على ما هو أكثر إيلامًا: فمن ألغى نظام السخرة في تشغيل المصريين في المشروعات العامة، وفي ضِياع الأسرة الحاكمة وحاشيتها، هو اللورد كرومر ممثل الاحتلال البريطاني، وكان هو من ألغى الرق، وحاكَمَ الباشوات الذين كانوا يتاجرون في العبيد، أو يقتنونهم سرًا. بل إن كرومر هو من ألغى عقوبة الجلد (أو الكرباج) على الفلاح المصري، وكان “جناب اللورد” هو من وقف ضد أطماع الخديوي عباس حلمي الثاني في أراضى الأوقاف، وذلك في المعركة الشهيرة بين الخديوي والشيخ محمد عبده.

وتزداد أوجاعنا إذا تأملنا حادثة دنشواي من منظور مختلف، تلك الحادثة التي كانت البداية الحقيقية للحركة الوطنية المصرية بعد عقود من هزيمة الثورة العرابية، إذ لولا الثقافة الحقوقية التي كانت قد ترسخت لدى النخبة المصرية في عهد كرومر، لما كان جناب اللورد نفسه قد راح ضحية انتهاكه لحقوق فلاحى دنشواي في محاكمة متعسفة و متحيزة، لجأ فيها هو نفسه إلى عقوبة الجلد، بالإضافة طبعًا إلى إعدام من أعدم من المدنيين، فقد عُزل الرجل من منصبه بعد الحملة التي شنها عليه الوطنيون المصريون، بقيادة مصطفى كامل، في الداخل والخارج، باعتباره مارس طغيانًا على الحقوق والقانون والقضاء، وأن المشانق أرسلت إلى دنشواي قبل المحاكمة، مما يدل على سبق نية اﻹعدام، وأنه سمح باستخدام التعذيب البدني كعقوبة قانونية، فاضطرت الحكومة البريطانية لإبعاده عن منصبه الذي قبع ونجح فيه عشرين عامًا، وظلت قضية دنشواي تطارده، وتطارد شركائه المصريين فيها، حتى شحبت ذكراها أمام جنايات الحكام الوطنيين المصريين على حقوق وحريات ودماء بنى وطنهم.

أربعة فلاحين أعدموا، وعدد آخر سُجن أو جُلد، وانطلقت ألسن كل شعراء تلك الحقبة، وأقلام الكتاب فى مصر وكل مكان في العالم، فكتب برنارد شو في قلب بريطانيا العظمى قائلًا: “إذا كانت الإمبراطورية البريطانية ستحكم العالم كما فعلت في حادثة دنشواي، فإن أقدس الواجبات السياسية على كل ذي ضمير هو هدم هذه الامبراطورية”.

وخاطب شاعر النيل حافظ إبراهيم كرومر قائلًا: “عهدك أم عهد إسماعيلا، أم أنت فرعون يسوس النيلا”، وشبهه أمير الشعراء أحمد شوقي بالطاغية الروماني المجنون نيرون فقال: “نيرون لو أدركتَ عهد كرومر، لعرفت كيف تنفذ الأحكام”، وأصبح زهران فلاح دنشواي المشنوق ورفاقه أبطالًا لمواويل الشعب، وأعلامًا للوطنية المصرية.

لم يكن شوقي وحافظ  وغيرهم من شعراء وكتاب وساسة ذلك الوقت يعلمون أن الغيب يخبئ للمصريين حمزة البسيوني مدير سجن عبد الناصر الحربى، ورياض إبراهيم وصفوت الروبي وغيرهم من رجال مباحثه الجنائية والعسكرية، وأن الأيام ستأتي لمصر بزكي بدر وحبيب العادلي، وقضاة الإعدام بالجملة، وقاضى المؤبد على طفل الرابعة من العمر، ومدبري الإخفاء القسري والتصفية في الموقع، في ظل الحكم الوطني، وإلا لكانوا رحموا كرومر وبطرس غالى الكبير رئيس محكمة دنشواى المخصوصة، وإبراهيم الهلباوى ممثل الادعاء في تلك المحكمة، من باب القول الشهير “رب يوم بكيت منه، فلما رأيت ما بعده بكيت عليه”.

كما يقال في البلاغة اﻹنشائية، فمن نافلة القول أن نقرر أنه لا شوقي ولا حافظ و لا برنارد شو بالطبع، كانوا يخشون على أنفسهم من الاختفاء القسري، أو التصفية الجسدية، أو السجن بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم، وهم يصفون كرومر وقضاة دنشواي بكل ما في قاموس الهجاء واللعن من ألفاظ.  

من الواضح قطعًا أننا لا نمتدح كرومر، ولا الاحتلال، وزيادة في التأكيد فإن كرومر كان يرى في المصريين شعبًا غير قادر على حكم نفسه بنفسه، ومثله مثل عتاة الاستعماريين العنصريين في عصره، كان يؤمن أن الشعب المصري هو من “العناصر التي خلقت تابعة بالفطرة”، ومع ذلك فقد فعل ما فعله سابقًا من إنجازات حقوقية، إلى جانب ما أنجزه لمصر من مكاسب إدارية ومالية واقتصادية، لأن نجاح إدارته الاستعمارية كان يتطلب ذلك، ولأن تكوينه السياسي والثقافي والمعايير الرئيسية “الحداثية” في بلاده، وفي الثقافة الأوروبية الغربية عمومًا، لم تسمح له أن يكون مستبدًا على الطريقة الشرقية.

نعود قليلًا إلى نماذج من استبداد أسرة محمد علي “الشرقية” لنوضح ما نقصده، وهى نماذج تكررت عشرات المرات.

ففي زيارة لأعيان الصعيد بعد أن زاد سخطهم على محمد علي باشا، اعتذر ابنه إبراهيم باشا للأعيان بأن الوالد لم يكن يعرف شيئًا عن المظالم التي يشتكون منها، وأن المسؤول عنها هو شخص جالس بينكم، ثم  أخرج طبنجته وأفرغ في هذا الشخص رصاصة قتلته في الحال، ولم يكن هذا الشخص سوى صراف عموم الصعيد، المعلم غالى جرجس. وفي حقيقة الأمر لم يكن غالى جرجس مسؤولًا عن شيء مما قيل، ولكن سياسة كباش الفداء لامتصاص السخط ووأد الثورة جزء أصيل من طبائع الاستبداد.

وابتكر الخديوي إسماعيل ابن إبراهيم باشا أسلوبًا أرق في القتل، وهو فنجان القهوة المسمم، الذي لا يستطيع من يقدَم إليه أن يرفضه، وهو يعلم أنه مسمم، لأن تلك الطريقة أضحت تقليدًا راسخًا ومشهورًا، وأرحم من طريقة والده، فهي على الأقل تعطى فرصة للمغدور أن يودع أحبابه، وأن يتلو الشهادتين إذا كان مسلمًا، أو قانون الإيمان مع رسم علامة الصليب إذا كان قبطيًا.

وورث الخديوي توفيق ملك البلاد عن آبائه و أجداده، وما المصريون إلا عبيد إحساناته، كما قال لعرابي.

أما بقية عصر توفيق ومن خلفه من أبناء محمد علي حتى ثورة 1919، فلم يغل أيديهم عن العصف بالحقوق سوى المندوب السامي البريطاني، ثم جاءت ثورة 1919 لتبدأ مرحلة جديدة كلية أصبح الشعب نفسه فيها طرفًا في الحكم، ومن ثم في المسألة الحقوقية، فترسخت التقاليد الحديثة، وشمخ القضاء حقًا، وازدهرت المحاماة وحرية التعبير والتنظيم، إلخ. ولم تعرف مصر التعذيب في ذلك العهد إلا في حالات ديكتاتورية إسماعيل صدقى وإبراهيم عبد الهادي، ولمدة محدودة.

قارنوا مأساة دنشواي التي لا تكاد تمثّل من حيث الكم والكيف شيئا يذكر، بآلاف المعذبين، ومئات القتلى تعذيبًا وإهمالًا وتصفية في عهود نظام يوليو المختلفة، لتدركوا كم هو حزين و بغيض سجل الحكم الوطني المصري في المسألة الحقوقية، قبل جوليو ريجينى وبعده، وأن البرلمان الأوروبي لم يأخذ على مصر في سجل حقوق الإنسان أكثر مما كان يقال عنها قبل الاحتلال البريطاني، الذي مضى على بدايته أقل قليلًا من القرن ونصف من الزمان!

هل يريد أحد دليلًا من العصر الحالي على أثر الضغوط الخارجية في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر؟

حسنًا، هل تذكرون سلسلة القرارات والقوانين التى اتخذها حسنى مبارك في السنوات الأخيرة من رئاسته بشأن حقوق الأقليات والمرأة؟ أقصد قرارات مثل اعتبار الأعياد المسيحية إجازة رسمية عامة، ومثل تفويض المحافظين بإصدار قرارات ترميم وبناء الكنائس، ومثل قانون الخلع الذي يمكّن الزوجة من إنهاء علاقة زوجية ظالمة وبائسة، وقرار إنشاء المجلس القومى لحقوق الإنسان (رغم عدم فاعليته في أحيان كثيرة) وسياسة التساهل النسبى مع إنشاء منظمات أهلية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ألم تصدر هذه القرارات كلها نتيجة مباشرة للضغوط الخارجية، لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية؟ ألم تكن تلك الضغوط الخارجية سببًا مباشرًا في وقف بعض الانتهاكات الصارخة مؤخرًا، كما حدث في حالة رجل الأعمال صلاح دياب، والصحفي الحقوقي حسام بهجت وآخرين؟

لا بد أن يكون واضحًا أن رصدنا لهذا السجل الحزين للحكم الوطني في مجال الحقوق، سواء في عهد الأسرة العلوية أو في عصور ضباط يوليو، لا يعنى أننا لم نر أو لا نريد أن نرى إنجازات محمد علي باشا وبعض خلفائه في مجال بناء الدولة الحديثة، اقتصادًا وتعليمًا وجيشًا، أو أننا لا نرى ما حاول ضباط يوليو تداركه في مجال الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية (في سنوات عبد الناصر)، والتحول الصناعي الكثيف، ولكننا نستهدف التركيز على أن ذلك السجل البائس حقوقيًا، كان ولا يزال وسيظل الحلقة المفقودة في بناء دولة حديثة قادرة على النمو المطرد، وخالية من الظلم السياسي ومن الاستبداد الشرقي اللذين أفشلا كل محاولات النهوض السابقة.

لهذا السبب، نعتبر أن انغماس ثلاثة ملايين ونصف المليون مصري فى المطالبة بعودة النظام الملكي، كحل لمعضلة البلاد، ليس إيمانًا بذلك النظام بقدر ما هو كفر بجمهوريات الضباط. إذ الحقيقة -كما ظهرت في ما سبق- أن لا الملوك أصحاب الجلالة، ولا الضباط الذين أصبحوا رؤساء أصحاب فخامة، كانوا مؤمنين بحق الشعب في تقييد استبدادهم في أية لحظة من تاريخ مصر الحديث. وما كان تشوه تجربة الحكم الليبرالي بين عامي 1923-1952، مما أدى إلى سقوطها، إلا بسبب الرفض الدائم من صاحب العرش التسليم بالإرادة الشعبية باختيار حزب الأغلبية (الوفد) لحكمه، حتى تبقى الحكومات مستندة إلى إرادته المنفردة فقط لا غير.

إذن فالأجدى هو البحث عن تنظيم للكتلة “الكافرة بالاستبداد الشرقي”، لتصنع الديمقراطية، و تفرض كلمة القانون، أكان النظام ملكيًا دستوريًا، أو جمهوريًا برلمانيًا، أو جمهوريًا رئاسيًا، خاصة وقد رأينا للتو أنه لم تكن لدينا ملكية دستورية صحيحة في أي وقت من الأوقات قبل استيلاء الضباط على الحكم، مثلما لم تكن لدينا جمهورية دستورية في أي وقت من الأوقات تحت حكم الضباط.

إلا أنه توجد هنا مفارقة تلفت النظر، وتثير الدهشة والضيق معًا، إذ ربما كان مفهومًا في عصر أسرة محمد علي ألا يكون لأبناء الفلاحين (أي الشعب المصري) وزن كبير في حسابات الحاكم، سوى بوصفه أداة ﻹنتاج الثروة اللازمة للمجد اﻹمبراطوري لمحمد علي وإسماعيل، أو اللازمة للحياة المرفهة للآخرين من الأسرة العلوية، ولتزويد الجيش بالجنود، فهؤلاء الحكام جميعًا ليسوا مصريين من الأصل، وكانوا في أحسن  الأحوال امتدادًا أفضل نوعيًا للأرستقراطية التركية الحاكمة منذ ما يزيد على أربعمائة سنة، وهذه الأرستقراطية نفسها، متضامنة مع بقايا المماليك (الأغراب أيضًا عن الشعب المصري)، كانت امتدادًا للدولة المملوكية التي حكمت مصر منذ منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، ومن ثم كان المسلم به سياسيًا أن هؤلاء القادمين من الخارج هم أصحاب الحق في السلطة والمال بغلبة السيف، وأن الفلاحين لا حق لهم سوى أن يكونوا رعايا تحت رحمة صاحب السيف.

لكن المؤكد أننا لا نفهم أن يبقى أبناء الفلاحين، الذين تولوا السلطة كاملة باسم هؤلاء الفلاحين (أي الشعب) بعد يوليو 1952، امتدادًا فى نظرتهم للشعب وتعاملهم معه للموروث المملوكي، فيرونه غير مؤهل لحكم نفسه، ويحتاج وصايتهم الدائمة، ويرون أن الحديث عن حقوقه، أفرادًا وجماعات، سابق لأوانه كثيرًا، وأن الكرباج بعد تطويره كهربائيًا لا يزال أفضل الوسائل لحكمه.

ينسى القائلون بذلك (وهم يؤمنون به حقًا و ليس ادعاء) من مدنيين وعسكريين، أن نضال هذا الشعب (الذي لا يستحق الديمقراطية) هو من قادهم في الأصل إلى السلطة، فالثورة العرابية هي التي أطاحت بالجراكسة والأتراك من قيادة الجيش المصري، وثورة 1919 هي التي أحلت أبناء الفلاحين محل بقايا الأرستقراطية التركية في الحكومات وفي المناصب العليا في أجهزة الإدارة والقضاء والشرطة، ثم هي التي يسرت التعليم العالي لأبناء الفلاحين، ثم كانت حكومة الوفد هي التي فتحت الكلية الحربية أمام أبناء الموظفين وصغار الملاك بعد معاهدة 1936 ، وهؤلاء هم من صاروا ضباط يوليو 1952، وما كان الوفد إلا حزب الفلاحين وأبنائهم المتعلمين، أي ممثل الشعب في معادلة الحكم. وهذا الشعب غير الناضج هو أيضًا دافع ميزانيات مؤسساتهم، وفاتح بيوتهم. ثم، وهذه إحدى مفارقات ضباط يوليو وامتداداتهم، أنهم تعهدوا بإقامة حياة نيابية سليمة بعد الخلاص من الاستعمار، والخلاص من سيطرة الإقطاع ورأس المال على الحكم. وإذا كان الضباط قد أنجزوا بعض مهامهم الأولى، إلا أن عدم إخلاصهم للقضية الحقوقية الديمقراطية أفشل مشروعهم في نهاية المطاف، لقصور في نظامهم، أدى إلى غياب الرشد في القرار، وإلى انتشار الفساد والإهمال الجسيم في كل أجهزتهم المعاونة.

كل ذلك سببه الحرص على إدامة الاستبداد الشرقي، أو الطغيان الفرعوني، بلغة جمال حمدان،  للأسباب القديمة نفسها، أي الاحتكار الفئوي للسلطة والنفوذ والثروة وفق تراتبية تنازلية للفئات المتحكمة.

هذا هو جوهر الأزمة الحقوقية في مصر قبل جوليو ريجينى وبعده، ومع الملكية، أو تحت علم الجمهورية، وسيبقى هذا الوضع البائس على حالة ما لم تنظم الكتلة “الكافرة بالاستبداد” نفسها، وتفرض قيمها، كما سبق القول. ومهما بدا الحاضر ضبابيًا، فهذه الكتلة هي الأغلبية الكاسحة بين الأجيال الجديدة، والأجيال التي ستليها.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن