بعد “إعفائه من منصبه”.. هل أُقيل “الزند” عن مجمل أعماله؟
 
 

بعد الإعلان عن “إعفاء” رئيس الوزراء شريف إسماعيل للمستشار أحمد الزند من منصبه كوزير للعدل بعد رفض الأخير تقديم استقالته، ورغم أن خروج الزند بهذه الطريقة يبدو للوهلة الأولى رد فعل على آخر تصريحاته المثيرة للجدل، إلا أن السؤال يظل مطروحًا عن كونها إقاله “عن مجمل أعماله” منذ توليه الوزارة.

خبر إقالة الزند اليوم، الأحد، تم ربطه مباشرة بالتصريحات التي أدلى بها للصحفي حمدي رزق في برنامجه “نظرة” المعروض على فضائية “صدى البلد”، حين سأله رزق عن هجومه على صحفيين نشروا تحقيقات تتهمه وأفراد عائلته بالفساد، فرد الوزير بأنه يستطيع حماية أسرته جيدًا، وأنه يمكنه حبس أي متهم، وحين سأله رزق “تسجن صحفيين؟!”، ما كان منه إلا أن رد قائلًا “إن شالله يكون النبي عليه الصلاة والسلام أستغفر الله العظيم يا رب”. وهو التصريح الذي نتج عنه ردود فعل واسعة، وصلت إلى المطالبة بمحاكمته بتهمة ازدراء الأديان، حتى وإن كان ما قاله كان مجرد “زلة لسان” من وجهة نظر البعض.

كان الزند قد قام بعمل مداخلة هاتفية مع المذيع وائل الإبراشي بعد تلك الواقعة، أبدى فيها اعتذاره واعترافه بالخطأ، مؤكدا أن حبه للنبي “يفوق كل الحدود”، وأنه من أكثر المتحمسين لتطبيق الشريعة الإسلامية بعيدًا عن التشدد، وهو الاعتذار الذي لم يتم الالتفات له، ما جعل البعض يرى أن الزند ربما تمت محاسبته للمرة الأولى على عدد من الأخطاء، التي ارتكبها من توليه الوزارة في 20 مايو 2015، والتي كان من بينها تصريحات أكثر خطورة تعلقت بنشر خطاب كراهية، كان أوضحها حين قال سابقًا إنه لن يقبل بأقل من أن يعدم عشرة آلاف من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين؛ للثأر من الذين قتلوا ضباط الشرطة والجيش، بالإضافة إلى تصريحه في مطلع مارس الجاري باعتزامه إصدار تشريع ملحق لقانون الإرهاب يعاقب والدي الإرهابي أو من تولى تربيته، وهو التصريح الذي أثار غضبًا حقوقيًا وقانونيًا وقتها.

فيما لم تتوقف خصومات الزند فقط على تلك المتعلقة بجماعة الإخوان المسلمين أو “الإرهابيين”، بل امتدت حتى للوسط القضائي ذاته. ففي فبراير الماضي، أصدر مجلس الدولة بيانًا شديد اللهجة بخصوص تعليق الزند على رفض قسم التشريع بالمجلس تعديلات قانون الإجراءات الجنائية وهجومه عليه في تصريحات اعتبرها المجلس “تنطوى على تدخل غير مبرر فى أعمال إحدى الجهات القضائية، بما ينال من استقلالها المكفول دستوريا، على الرغم من أن التصريحات صدرت ممن يفترض أنه الأحرص على صيانة استقلال الجهات والهيئات القضائية” وأضاف المجلس في بيانه آنذاك: “وإذ صادفت تلك التصريحات انزعاجاً شديدًا لدى أعضاء مجلس الدولة بحسبانها تمثل تدخلاً صارخاً فى أعمال إحدى الجهات القضائية وتُنبئ بذاتها عن عدم الإحاطة بما وُسد له من استقلال وتعيين دقيق لاختصاصاته طبقاً لما نصت عليه المادة (190) من الدستور ؛ لذا ارتأى المجلس ضرورة التدخل باستعمال حق الرد”.

كما وصلت خصومات الزند أيضا لمجلس القضاء الأعلى، الذي رفض ترشيحات الوزير لتعيينات النائب العام. ففي أغسطس 2015، قالت مصادر قضائية إن المجلس رفض ترشيح الزند لصديقه المستشار عادل السعيد لمنصب النائب العام. وأضافت أن السعيد، الذي حضر اسمه بين المرشحين الثلاثة لمنصب النائب العام، لم يحصل على أي من أصوات أعضاء مجلس القضاء الأعلى، الذي انتهى إلى اختيار المستشار نبيل صادق نائبا عاما.

فضلًا عن هذا، كانت إحدى أكبر الخصومات التي دخلها الزند هي تلك التي جمعته بالمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، الذي قال في حوار سابق لـ “مدى مصر” إن الزند يقف وراء محاولات الإطاحة به، وأنه من يقف وراء إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي مرسومًا بقانون يمنحه حق إقالة رؤساء الهيئات الرقابية والمستقلة في حال ثبت أنهم يشكلون ضررًا على الأمن القومي، أو فشلوا في القيام بدورهم. وهو المشروع الذي تم اعتباره محاولة للتخلص من جنينة، الذي أضاف: “لقد علمت أنه وراء هذه المؤامرة التي يكيد بها للجهاز”، مستطردًا: “لا توجد خصومة شخصية بيني وبينه، هناك ملفات”.كما قال، إن هناك قضايا خاصة بالفساد المالي ضد الزند حين كان رئيسًا لنادي القضاة وقبل تعيينه وزيرًا.. “هناك ملفات تخصه شخصيًا وهو يعلم بأمرها، وكان يعلم أن الملفات تحت يدي”.

ومع حرص رئيس “المركزي للمحاسبات” على عدم توجيه انتقاد مباشر لشخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، إلا أنه قال إن مجرد تعيين الزند وزيرًا للعدل كان “صادما”، معتبرًا أن “أخطر ما في الأمر أن يحدث اختراق للمنظومة القضائية من خلال سيطرة أمنية على بعض مفاصل القضاء”، مستطردًا: “هذا أمر مقلق للغاية”.

كما كانت الاتهامات بالفساد أيضًا مصدرا لخصومة أخرى بين الزند والصحافة هذه المرة. ففي يناير الماضي، قررت جهات قضائية مختلفة اتخاذ إجراءات قانونية في ثلاث قضايا مختلفة ضد صحفيين من ثلاث صحف هي: اﻷهرام والتحرير والمصريون، وذلك على خلفية تقارير وحوارات صحفية نشروها عن شبهات فساد تحيط بالزند.

وواجه الصحفيون اتهامات إهانة القضاء ومؤسسات الدولة ونشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام، منهم ممن يعملون في جريدة الأهرام المملوكة للدولة، وشمل هؤلاء أحمد عامر، الصحفي باﻷهرام، وهشام يونس، رئيس تحرير بوابة اﻷهرام وإيمان يحيى الصحفية بجريدة المصريون، وجمال سلطان رئيس التحرير، ومحمود سلطان، رئيس التحرير التنفيذي الذين تم احالتهم جميعا للمحاكمة الجنائية. شملت التحقيقات أيضا صحفيون بجريدة التحرير.

كما ينتظر رئيس تحرير جريدة صوت الأمة، عبد الحليم قنديل، بدء محاكمته في أبريل المقبل بتهمة نشر أخبار كاذبة عن الزند، على خلفية نشر تحقيق عن بيع أرض نادي قضاة بورسعيد لصهر “الزند”رغم ملكيتها للدولة، وهو اعتبره البلاغ الذي قدمه الوزير تشهيرًا به.

المثير أن تصريحات الزند وخصوماته تلك أثارت في حينها الكثير من اللغط، إلا أنها لم تصل إلى حد محاولة إرغامه على الاستقالة، قبل إقالته فعليًا، مع الإعلان عن الأمر بصيغة “الإعفاء من المنصب”، مثلما حدث مع تصريحه الأخير الذي اعتبره البعض “ازدراء للأديان”، والذي حاول بعض رجال الدين تخفيف حدته، والدفاع عن الوزير، وهو ما فعله الشيخ خالد الجندي الذي قال معلقًا عليه: “هناك فارق كبير بين سبق اللسان، وبين مكنون العقيدة، فسبق اللسان حدث للصحابة أنفسهم ونطقوا بكلمات شعروا بخطئهم فيها فسارعوا بالاستغفار أما المعتقد القلبي، فلا تجوز المزايدة عليه، فلا يحكم في القلوب غير ربّ القلوب”. كما أكد أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر الشيخ أحمد كريمة في تصريح لموقع مصر العربية أن تصريحات الزند “زلة لسان غير مقصودة، وحماسة مفرطة، ولا تستحق كل هذه الضجة الإعلامية. المستشار الزند رجل مؤمن و صادق وصالح ولم يقصد ازدراء أديان”. وهي التصريحات التي تزامنت من بيان مقتضب أصدره الأزهر الشريف، لم تتم الإشارة فيه لتصريحات الزند بشكل مباشر، وإن ناشد الأزهر فيه كل المتصدين للعمل العام “الحذر من التعريض بمقام النبوة صونًا للمقام النبوي الشريف -صلى الله عليه وسلم- من أن تلحق به إساءة حتى لو كانت غير مقصودة”.

لكن هذه المحاولات لم تجد صدى عند الكثيرين، ولم تستطع إيقاف سيل الهجوم الذي انتهى بالإطاحة بالوزير، مع تأكيدات حملها عدد من التقارير الصحفية على أن الإقالة جاءت بناء على توجيهات من الرئيس السيسي، في إشارة، ربما تكون مقصودة، لعدم رضا رئيس الدولة عن خطأ الوزير، الذي أصبح عبئًا على الدولة المثقلة، والذي كان قد عينه في منصبه خلفًا للوزير محفوظ صابر، الذي كان قد قدم استقالته من منصبه على خلفية تصريح له اعتبر فيه أن أبناء عمال النظافة غير مؤهلين للعمل بالقضاء، وهو ما أثار وقتها جدلًا كبيرًا وهجومًا عليه.

اعلان
 
 
مي شمس الدين