الناظم: (3) وأين مكان البعد إلا مكانيا؟
 
 

قصائد كثيرة جعلتني أرتعش، أنتشي أو أبكي، أشعر بها على لساني بمذاق حلو، خاصة في مراحلي الأولى في التعرف على الشعر، أبيات ومقاطع وقصائد كاملة، أوقفت شعر جسمي، وصحت بعدها “الللللللللله، حلوة قوي قوي”. لم يعد ثمة قصيدة هذه الأيام تفعل بي ذلك. هل لأن بكارة التعرف على عالم الشعر فُضت؟ ربما، على كل حال ما أزال أفتقد هذه الرعشة الخفيفة مع كل نص جميل.

من بين كل ما قرأت، كانت مرثية مالك بن الريب لنفسه الأكثر قدرة على فعل الأفاعيل بي، قصيدة رغم كلاسيكية لغتها؛ حارقة. صعقتني عند قراءتها أول مرة، لم أفهم كل المفردات وقتها، إذ كنت في الصف السادس الابتدائي، لكنني فهمت روحها دفعة واحدة، لحسن حظي كانت مقررة عليّ في منهج “النصوص” في مدرسة “معن بن زائدة” في مدينة الرياض. حصة النصوص؛ هذه الفسحة الجميلة وسط القصائد والأدب. كنت من “أشطر” الطلاب في اللغة العربية، وأقدرهم على القراءة بصوت عالٍ أمام الفصل حتى لو لم أقم بـ “تحضير” الدرس، وحتى لو كان النص مستغلقًا وكلاسيكيًا. بنظرة سريعة في أول الحصة أدرك تمامًا ما سأقرأ، وكالعادة سيختارني مدرس اللغة العربية من بين الجميع لسلامة نطقي وندرة أخطائي. بدأت أقرأُ:

ألاَ لَيتَ شِعرِي هَـلْ أبيتَنّ ليلةً …. بجَنبِ الغَضَا، أُزجي القِلاص النّواجِيا

فَلَيتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ …. وليـتَ الغَضَا مَاشىَ الـركابَ لَياليِا

لقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا …. مـزارٌ، ولكـنّ الغضـا ليْسَ دانيا

حتى وصلت إلى:

تَذَكّرْتُ من يَبْكي عليّ ، فلمْ أَجِدْ …. سِوَى السَيْفِ والرّمحِ الرُّدَينيِّ باكيا

قلتُ في سري “اللللللللله على جمالك”، واستأنفت القراءة، حتى البيت الخرافي:

يقولون: لا تَبعُدْ، وهُم يدفِنونني …. وأيْـنَ مَـكانُ البُعْـدِ إلاّ مَـكانِيا؟

هنا توقفت للحظات، دمعت عيناي، هذا الجمال ليس عاديًا. هذه الحرارة لفحتني فانتشيت، أعيد قراءة البيت بعيني ثانية وثالثة، يا إلهي إذا لم يكن هذا هو الشعر فما هو؟ أخرجني من لحظتي المسحورة صوت المدرس: “إيش فيك يا أحمد؟” نظرت إليه بعينين لامعتين، وقلت: “ما فيه شي يا أستاذ”، فقال لي: “عيونك إيش فيها؟” قلت له: “معليش، ما نمت زين أمس” واعتذرت وأكملت تلاوة القصيدة، يقول زملائي إنهم لأول مرة يحبون أن يسمعوا قصيدة مني، يقولون كان صوتي متهدجًا، لم أعلق، أنا لا أزال مأخوذًا بهذه الفتنة.

طوال الحصة والمدرس يشرح “مواطن الجمال” و”مواقع البلاغة” دون أن أهتم، لم أنتبه إلا لمناسبة القصيدة: مالك بن الريب قاطع الطريق فتاك الليل، تغيرت حياته بشكل درامي حين صادف سعيد بن عفان في جيش ذاهب للغزو، فتحول إلى واحد من أبطال الحرب، ولما أضناه فراق أهله، قرر العودة لتلدغه أفعى في طريق العودة، ويسري السم في عروقه، يعرف أن نهايته اقتربت، وهو يعاني وحشتين: وحشة فراق الأحباب ووحشة الموت. حزن مركب، حزن خالص، حزن نقي يحركه الاشتياق. أتخيله وهو مستلقٍ على ظهره، ودموعه تسري بلا انقطاع، والحمى تأكل جسده، وينظر إلى السماء حيث النجوم التي عرفها واهتدى بها في طفولته وشبابه، النجوم التي نظر إليها نفس الأحباب. إنه يرثي نفسه لتصل كلماته إليهم، فما أسهل أن يُروى عنه الشعر، أن يعرفوا كيف كان حاله في ساعاته الأخيرة. أنا رأيت كل ذلك في بكائيته، رأيته رأي العين. شاب في منتصف الثلاثينات، ضخم الجسد هائل اللحية، مغبر غير مهندم، عيناه لا تفقدان لمعتهما رغم أثر السم البادي عليهما، أصحابه يجلسون جواره يحاولون مداواة الحمى. كل كلمة في القصيدة تحولت إلى صورة، كل طاقة المشاعر سرت في جسدي، حتى السم شعرت به في دمي.

عدتُ إلى البيت مسحورًا، تتردد في رأسي أجواء القصيدة ومشاهد ابن الريب الأخيرة. تفزع أمي من منظري وتقول لي: “في حاجة حصلت في المدرسة؟ مالك؟” أرد بآلية تقلقها أكثر: “ما ليش يا ماما، أنا كويس.” أدخل غرفتي وأُخرج كتاب المدرسة وأقرأ القصيدة، أتذوقها بيتًا بيتًا، حتى الكلمات “الغريبة” لم تعد غريبة، آمنت أن للشعر الجميل قوة السحر، ألم يُقل: “إن من البيان لسحرًا”؟ البيان هنا أعرفه بيان المشاعر أو وضوحها وحرارتها، لا بيان اللغة فحسب. الغريب فعلًا أنني حفظت القصيدة من ثاني مرة قرأتها. كل ما في القصيدة جميل، قافية الياء المتبوعة بألف مد، لا سكون ولا حركة، ألف مد يجعل خط المشاعر ممتدًا إلى ما لا نهاية، لا حروف شفوية تغلق المسار المفتوح للنطق، مما يجعل الحرارة تخرج إلى آخرها.

بعد هذه المرثية الفاتنة، لم أعد مشغولًا بالجزالة أو امتلاء القصيدة بمواطن الجمال. هذا جمال محدد سلفًا، معيار لا يخصني في شيء. الجمال الذي أبحث عنه، له علاماته غير الممسوكة، الآهة التي تخرج رغمًا عني، “الله” الممدودة، قشعريرة الجسد، لمعة العين، أعراض تشبه الوقوع في الحب، أو هي بالفعل وقوع في الحب، خارج العلبة الضيقة القديمة لمعنى الحب.

صارت القصائد والأفلام واللوحات والروايات شأنًا شخصيًا. موقع العمل الفني ينشغل به جغرافيو العالم النقدي. قيمته وتأثيره يتتبعهما مؤرخو الفن ومشرعو قوانينه، أما بالنسبة لي فلا يعنيني ذلك، قد لا يكون هناك تعارض بين الفكرتين، التلقي الشخصي وموقع العمل وسياقه، خاصة مع تراكم التجارب وكثرة الأعمال الفنية. يبدأ الجمال في الانتظام في خط أو خطوط شديدة الخصوصية، حتى لو أعجبني ما أعجب غيري، فبالتأكيد ليس لنفس الأسباب، وإن اتحدت الأسباب، فلن يكون شعورنا واحدًا.

لكن من قال أن طباخ السم يذوقه؟ وأنا أطبخ السم الشعري منذ ما يزيد على عشرين عامًا، ولم أتذوقه، أكتب الشعر فيتحول إلى حشرات وديدان من الهواجس والأفكار المظلمة تسكن رأسي. حتى إن انتشيت من فعل الكتابة نفسه، عندما أتحول إلى قارئي تختفي النشوة، ويحل محلها ألم وصداع، تتحول كل كلمة إلى شوكة في ظهري، ومثل المدمن تمامًا، أقسم ألا أعود، وأعود مع أول فكرة تأكل دماغي وأكتب.

أطبخ السم ولا أعرف طعمه، أطبخ السم ولا أستسيغه، هذا السم أقسى من سم مالك بن الريب، لأنه لا ينهي الحياة، بل ينغصها.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن