نقص الدولار يضرب كل نواحي حياة المصريين
 
 

تقول لميس أحمد، وهي طالبة مصرية تدرس في إحدى الجامعات بالولايات المتحدة، إنها لم تعد قادرة على استقبال أموال من مصر بسبب حزمة من القيود التي تستهدف تقييد خروج العملة الصعبة من مصر.

لا تقلق لميس بشأن مصاريف دراستها على الأقل؛ لكونها حاصلة على منحة كاملة من جامعة أوكلاهوما، فضلًا عن كونها تعمل بدوام جزئي لتغطية نفقات المعيشة. ومع ذلك، مثلها مثل الكثير من الطلاب، لا تزال تعتمد على مساعدة أسرتها في أوجه الإنفاق الكبرى، مثل تكلفة تذاكر الطيران للعودة إلى مصر.

تقول: “أسرتي لديها حساب بنكي بالجنيه المصري، لذلك طلبت والدتي من إحدى صديقاتها أن تحول لي أموالًا. لكن البنك رفض أن يقوم صديق للأسرة بتحويل الدولارات وأصروا أن أهلي وحدهم المسموح لهم بتحويل الدولارات”. وبناء على تعليمات البنك المركزي رفض البنك -بنك مصر- السماح لوالدتها بفتح حساب بالدولار دون الانتظار لشهور. “أصبحوا غير قادرين على إرسال المال لي من مصر، لذلك قام رئيس والدي في العمل بتحويل المال لي من الكويت، على أن تسدده أسرتي له فيما بعد.”

“ليس هذا وضعًا بشعًا”، تضيف لميس، مدركة أن كثيرين في مصر يواجهون مشاكل أسوأ بكثير. إلا أن الأمر يمثل ضغطًا كانت هي وأسرتها في غنى عنه، خاصة وهم مضغوطون ماديًا بالفعل بسبب ارتفاع تكلفة توفير الدولارات.

لا تواجه أسرة لميس وحدها صعوبة في إيجاد وتحويل الدولارات. فالجميع بدءًا من المستوردين التابعين للحكومة إلى الشركات متعددة الجنسيات يواجهون مشكلات في السيولة النقدية في الشهور الأخيرة. كما يشعر المصريون بتأثير أزمة العملة في شتى مناحي الحياة.

تعود الصعوبات التي تواجهها مصر في الوفاء بفواتير النفط والغاز إلى وقت طويل في الماضي. فيما أدت مشكلات السيولة في الفترة الأخيرة في حدوث نقص شديد في نوع آخر من الزيوت.

يقول ماجد نادي المتحدث باسم جمعية البقالين: “تستورد مصر حوالي 95% من الزيت الذي يستهلكه السوق المدعوم. حاليًا لا يتوفر من هذه الكمية سوى 50%”، ما يؤدي إلى نقص احتياجات ملايين المصريين الذين يعتمدون على هذه السلع المدعومة في إطعام أسرهم.

يضيف نادي أن الوضع كان أسوأ في الشهر الماضي، حيث انخفض المعروض من زيوت الطعام إلى أقل من 10% من حجم الطلب. وفي يوم 22 فبراير توصل البنك المركزي المصري ووزير التموين إلى اتفاق لمساعدة مستوردي زيوت الطعام، ويبدو أن جهودهما حققت بعض النتائج.

إلا أنه في القترة الأخيرة، كلما اتخذت الحكومة خطوات نحو معالجة مشكلة تظهر لها مشكلة أخرى. فبعد بضعة أيام من اتخاذ خطوات لحل مشكلة نقص زيت الطعام، واجهت الحكومة شكاوى علنية من خطوط الطيران الدولية بسبب عدم قدرتها على استعادة أرباح قيمتها ملايين الدولارات. ويوم 2 مارس قال مسئولون إنهم وصلوا إلى اتفاق مع خطوط الطيران، بما فيها الخطوط البريطانية والفرنسية والهولندية، يسمح بتحويل نسبة من الأموال المعلقة إلى خارج مصر. ثم يوم 6 مارس قال المدير التنفيذي لشركة أسمنت السويس، وهي فرع من الشركة الإيطالية للأسمنت، في تصريح للصحفيين، إن الشركة كانت غير قادرة على استعادة أموالها على مدى عام كامل، وأنها تواجه مشاكل في تسديد مستحقات مورديها وأنها قد تفكر في نقل مقرها الإقليمي إلى خارج مصر نتيجة لذلك.

ما الذي يحدث؟

ليست المشكلات المتعلقة بالعملة الصعبة أمرًا جديدًا على مصر، فقد سبق أن ذكر رجال أعمال أنهم يضطرون إلى اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على السيولة اللازمة لاحتياجاتهم وذلك منذ عام 2013.

فيما يتعلق الأمر بالعملة الصعبة، عانت مصر عجزًا لسنوات عديدة. فالبلاد تستورد أكثر مما تصدر وعانت من عجز في الميزان التجاري يتجاوز 38 بليون دولارا في السنة المالية الأخيرة.

كذلك انخفض الاحتياطي المصري من النقد الأجنبي من 36 بليون دولار عشية ثورة يناير إلى حوالي 16.5 بليون دولار اليوم. وفي هذه الأثناء لم تسمح الحكومة سوى بتخفيض محدود في قيمة الجنيه المصري، من خلال السيطرة على  السعر الرسمي لصرف الدولار بواسطة مزادات العملة مع البنوك التجارية. في حينها، مثلما هو الحال الآن، لم يكن الحصول على الدولار من خلال القنوات الرسمية كافيا لسد الاحتياجات.

كانت السوق السوداء للعملة بمثابة صمام الأمان. حين كانت الشركات تعجز عن الحصول على ما تحتاجه من البنوك كانت تلجأ إلى شراء العملة الصعبة من السوق الموازي، ثم تودع الأموال في حساباتها وتدير أعمالها كالمعتاد.

في فبراير 2015 حاول البنك المركزي المصري إغلاق هذه القناة الخلفية وسحق السوق السوداء من خلال تحديد إيداع الأموال في البنوك بحد أقصى 50 ألف دولارا في الشهر.. وبذلك انتهت عملية نقل حقائب مليئة بدولارات السوق السوداء.

إلا أن هذه السياسات لم تقضي على السوق السوداء. ففي حين استقر سعر العملة في البنك المركزي المصري عند 7.73 جنيها مصريا للدولار منذ نوفمبر 2015، ارتفعت أسعار العملة في السوق السوداء إلى ما يقرب من 10 جنيهات للدولار.

كانت المشروعات المحلية التي تعمل في استيراد السلع أو المواد الخام للتصنيع أو البيع في السوق المحلية أول من شعر بالأزمة؛ حيث أن مصاريفهم بالدولار ودخولهم بالجنيه، وأصبح عليهم التزاحم من أجل دفع مقابل السلع. لم يكن أمام تلك الشركات الصغيرة سوى أن تقتطع من وارداتها -ومن ثم أعمالها- أو تلجأ إلى ممارسات ذات شبهة غير قانونية مثل تأسيس شركات وهمية للمعاملات المالية.

لفترة من الوقت كان بإمكان الشركات العالمية أن تعتمد على فروعها أو مقارها في الخارج لتمرير العملة الصعبة لها أو لتسديد مقابل الواردات. إلا ان الاستمرار في ذلك على المدى الطويل هو بمثابة كابوس دفتري، خاصة حين تتحول مصر إلى ثقب مالي أسود تدخل إليه العملة ولا تخرج منه. ويتضح نفاذ صبر المقار الرئيسية للشركات في التصريحات الأخيرة التي صدرت عن شركة أسمنت السويس وشركات الطيران. كذلك اشتكت شركة إل جي لتصنيع الإلكترونيات علانية من نقص العملة، في حين اضطرت شركة جنرال موتورز إلى تعليق الإنتاج مؤقتا لصعوبة استيراد قطع الغيار.

الشركات الوحيدة التي يبدو أنها لم تتأثر هي تلك التي تحصل على دخلها من التصدير. “لدي مصدري الخاص للدولارات، لذلك فإنني لست في الحقيقة متأثرا بنقص العملة”، يقول محمد عشرة، صاحب شركة نسيج عشراتكس، التي تصدر السلع القطنية والمصنوعة من البولي استر. ويضيف أن ارتفاع قيمة الدولار في السوق السوداء يعني زيادة دخل من يحصلون عليه بانتظام.

لا يوجد مخرج سهل

على مدى شهور دفع الاقتصاديون بأنه على مصر أن تسمح بتخفيض رشيد لقيمة الجنيه بدلا من الصراع من أجل التضييق على الدولار الأمريكي. “العالم يخفض من قيمة عملته، لكن مصر لا تفعل ذلك”، يقول أنجوس بلير، المدير التنفيذي لشركة فاروس القابضة للاستثمارات المالية. ويضيف أنه نتيجة لذلك تعجز مصر عن اللحاق بالأسواق الناشئة وتخسر التنافس في ما يتعلق بالتكلفة.

لقد صعد الدولار الأمريكي في مواجهة باقي عملات العالم هذا العام، وكذلك أمام الجنيه المصري بسبب التثبيت. “إذا نظرت إلى الجنيه من منظور وزنه التجاري ستجد أن قيمته ارتفعت بنسبة 5% عنها في بداية 2014. وهذا في الواقع أفضل من أداء عملة الصين”، يقول جيسون توفاي، محلل الشئون الاقتصادية في الشرق الأوسط في “كابيتال إكونوميكس” ومقرها لندن. دون إدراج عنصر التضخم تعتقد شركته أن قيمة الجنيه المصري زادت بنسبة 18.5%.

للوصول إلى قيمة السوق -ومن ثم وضع حد للنقص والقضاء على السوق السوداء- يقدر توفاي أن سعر الصرف الرسمي يجب أن ينخفض إلى 9.50 جنيها مصريا للدولار.

إلا أن ذلك لن يتحقق دون ثمن. يقدر توفاي أن تخفيض قيمة العملة بهذا القدر يرفع معدل التضخم بمقدار يتراوح بين 2.5 إلى 3.5 نقطة مئوية، ما يصل بالمعدل السنوي إلى 12.5% متسببا في صعوبات للمواطنين العاديين. كما أن ذلك سوف يرفع من تكلفة خدمة الدين الخارجي المصري.

رسميا لم يتبنى محافظ البنك المركزي، طارق عامر، هذا الاختيار. بعد فترة وجيزة من تعيين عامر في شهر أكتوبر دعم البنك سعر الصرف كما أعلن أخيرا أنه لن يفكر في السماح لتعويم الجنيه إلى أن يصل حجم الاحتياطي إلى ما بين 25 – 30 بليون دولارا، رغم أن تصريحه لا يستبعد بالضرورة احتمال التعويم الرشيد.

بدلا من ذلك أدخل عامر وتبنى سياسات تستهدف بناء الاحتياطي من خلال تقييد الواردات وتشجيع المصريين العاملين بالخارج على إيداع دولاراتهم في بنوك مملوكة للدولة.

“هذه ولا شك إحدى طرق التعامل مع الوضع” يقول توفاي تعليقا على سياسة تقييد الواردات. “إلا أنها سوف تضر بشدة بالاقتصاد دون التعامل مع أصل المشكلة هنا، وهي ارتفاع قيمة الجنيه عن حقيقتها.”

عشرة، المستثمر في قطاع النسيج، ورغم استفادته الشخصية من تلك السياسات يتشكك في كفاءتها. ويقول: “هذه السياسات تساعد الصناعات المحلية لكنها لا تمثل الحل. إنها محاولة للتحكم في المشكلة وليس حلها.”

ويضيف أنه لتحقيق تحسن فعلي في الصناعة يجب على الحكومة تشجيع الاستثمار. لكن الصعوبة في استعادة الأرباح وزيادة قيمة العملة ليست سوى عوامل طرد للمستثمرين المحتملين. فيما يضيف توفاي: “في ظل تهديد مالي بتخفيض العملة سوف يتردد المستثمرون في استثمار أموالهم في مصر الأمر الذي سوف يفاقم من المشكلة”.

فيما يتعلق بتخفيض قيمة العملة يرى البعض على الأقل فرصة للتفاؤل. حديث عامر المتشدد عن تخفيض قيمة الجنيه قد يكون تكتيكيا فحسب. وتوقع توفاي أن البنك المركزي المصري سوف ينكر أن لديه خطط لتخفيض قيمة العملة إلى أن يبدأ في تنفيذ ذلك. ويفسر: “لا بد وأن يكون هناك عنصر مفاجأة ما لكي تحصل على رد فعل إيجابي من السوق.”

هناك سلسلة من التعديلات السياسية التي تشير إلى أن البنك المركزي قد يكون بصدد التحضير لتخفيف القبضة على الجنيه. منذ يناير خفف البنك المركز المصري من سقف الإيداعات للمستوردين، كما ألغى قيود الإيداع بالنسبة للمسافرين إلى البلاد. يوم الثلاثاء الماضي ألغى البنك تماما الحد الأقصى للإيداع بالنسبة للأفراد. ويوم الأربعاء ألغى الحد الأقصى لمستوردي “الضروريات”. كل ذلك مجتمعا يعني على أقل تقدير أن البنك يتراجع عن موقفه الحازم بشأن السوق السوداء، بحسب ما يشير توفاي. فيما أصبحت الأنظار كلها موجهة الآن نحو البنك المركزي.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن