الناظم: (2) البحث عن الصوت
 
 

هل اللغة صوت أم رسم؟ أقصد، هل بدأت صوتًا ثم جاء الرسم للتعبير عن الصوت، أم أن الرسم جاء أولًا للتعبير عن أشكال وحالات عينية ثم اختُرع الصوت للتعبير عنها؟ لا أريد الانشغال بتاريخ اللغويات ولا تلزمني هنا الصرامة العلمية والدقة المنهجية. بل هي الأسئلة التي أكلت رأسي منذ أن أحببت اللغة.

أحب اللغة العربية حبًا من النظرة الأولى، من الصوت الأول، منذ أن أخذتني لعبة المكعبات اللغوية: هل ترى يا أحمد هذه الأشكال؟ تسمى حروفًا، ولكل واحد منها صوت يخصه، وله اسم كذلك. لو ألصقنا عدة مكعبات إلى جانب بعضها البعض، يتكوّن شيء اسمه “كلمات” وهذا التكوين له صوت أيضًا، بل مجموعة من الأصوات المتصلة، ولو وضعنا هذه التكوينات إلى جانب بعضها البعض تصير جُملًا. جميل جدًا هذا السحر البسيط الذي انغمست فيه، كنت أحب تكوين الكلمات فالجمل، وأشكّلُها لأن التشكيل شكله جميل، كما أنه يحدد مسار الصوت دون تعثّر، اسمه “تشكيل”، أي فن بصري، لكنه فن بصري يتضمن صوتًا، ويحمل دلالة واضحة محددة، كما يمكن أن يخفي دلالات أخرى، أليس هذا هو جمال الفن؟

مع الوقت، أدركت أن للغة ألعابًا أخرى أكبر وأكثر تعقيدًا من مكعبات التكوين الأولى، اتضح لي أن فتنتي وأفكاري الخاصة عن اللغة فكر فيها كثيرون قبلي من علماء لغة ومتصوفة وفلاسفة، وهذه العلاقات الملونة في رأسي بين الأصوات والأشكال والحروف والكلمات أخذت أسماء مخيفة: أصالة الوجود والمنطق الفينومينولوجي “حتى الآن أتعثر في نطقها” والسيميولوجي وغيرها من المفزعات. من فزعي رميت نفسي في هذه الغابة المخيفة من المصطلحات والأفكار، لعلها تعينني على فهم ما أحبه وأتخيله عن اللغة، حدث ذلك أحيانًا، ومعظم الأحيان أغرق ولا أفهم.

انتصر العرب في البداية للصوت، كانوا يقولون مثلًا: فلان فصيح لولا “لثغة”، أي أن حروفه ليست كاملة، يغيب بعضها عن الحضور في عالمه الصوتي، آلة موسيقية ينقصها وتر، حلو لم يكتمل. يتحدث مؤرخو العربية وكتاب الحكايات عن واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة، أول أهل الكلام في الحضارة العربية الإسلامية، ولم تشفع له رجاحة عقله ولا اتساع علمه ولا تأثيره في أن ينسى له الناس فقدانه لحرف الراء، أي أن كلماته عرجاء، ثم يتحدثون منبهرين عن خطبته التي تجنب فيها نطق حرف الراء، واحد من أكثر الحروف تدويرًا في اللغة العربية، وكيف أن المعنى لم يغب عنه طوال الخطبة. برافو يا واصل، مثل قرد يعزف على البيانو، أبهرتنا يا جميل، لكنك ستظل ناقصًا.

من الطفولة، وشكل الكلمة وصوتها واحد من أسباب محبتي لها قبل معانيها. أول مرة سمعت كلمة “اعترى” أعجبني جرسها جدا، معناها أصاب أو غشي، لكن “اعترى” أجمل. في وقت لاحق عرفت أن “اعترى” ليست أي إصابة، بل هي إصابة “معنوية”، بمعنى أن الإنسان لا يعتريه المرض، بل يعتريه الجنون. المرض شيء مادي له سمات يمكن أن نتعرف عليه، أما الجنون فكلمة مطاطة مبهمة التعريف. كنت أخترع الأسباب والجمل التي يمكنني فيها استخدام كلمة “اعترى” باشتقاقاتها، كتبت كثيرا “يعتريني كذا”، و”اعتراه كذا”، أقولها بصوت متهدج مرتعش. كنت أتلمس الشاعرية في الكلمات المفردة، قبل تحسسها في الجمل ثم الفقرات، والكتب قبل القصائد. في وقت مبكر جدًا كنت قادرًا على القبض على الشاعرية قبل معرفتها، كنت أستشعر جمالها على لساني وفي أذني وفي شكل الكلمة.

لم يكن معلمو اللغة العربية يحبونني أبدا، على خلاف الطلاب المتفوقين. لم أكن مشاغبًا، لكن مملوء بأسئلة لا يملكون إجاباتها، هم يتقيؤون مناهج محددة سلفًا، يعرفون كمًّا من المعلومات ويلقونها علينا، ولا تعنيني هذه المعلومات، أستطيع أن أعرفها وحدي، وكنت أعرفها وحدي بالفعل من قراءتي لكتب النحو والصرف والبلاغة في مكتبة المدرسة، أريد أن “أفهم” هذا الكيان الذي أتعامل معه أكثر. كنت أسأل: لماذا نصبنا الحال، ولماذا أسميناه حالًا، ولماذا نُصِب، وما علاقة كلمة “النصب” بحركة “الفتحة”، أسأل كيف صار كل شيء على صورته، فلا أجد غير تقريع وتعنيف، وسخرية على أحسن تقدير.

هكذا كنت أحكم على القصيدة الجميلة، أو بيت الشعر الجميل، أن يكون وقعه الموسيقي في أذني جميل، لا وقع الوزن العروضي، فهذا سهل، لكن تناغم أصوات الحروف وراء بعضها البعض. يمكن للمعنى أن يُهضم مرة واحدة أو على مراحل، لكن تناغم الأصوات موسيقى. لا أستطيع أن أحب قصيدة ذات صور جميلة ومعان تدعو للتفكير، إذا كانت أصواتها مزعجة. للمتنبي قصيدة مطلعها “قفا تريا ودقي فهاتا المخايل”، كان أهل اللغة يتحدثون عن بلاغته وفصاحته في أحد أبياتها:

فقَلْقَلْتُ بالهَمّ الذي قَلْقَلَ الحَشَا** قَلاقِلَ عِيسٍ كُلّهُنّ قَلاقِلُ

ما هذا القرف؟! ثمانية قافات وأكثر من اللامات، البيت مزعج جدًا للأذن، كمن يحاول أن يطرد بلغمًا من حلقه. أين الجمال في هذه الأصوات مع استدعاءاتها المقززة في رأسي؟ لا، لا، هذا ليس بيتًا شعريًا جميلًا، حتى لو سوّد فيه أهل البلاغة الكتب والمجلدات.

ربيتُ عاداتي السرية حتى صارت المعيار الأساسي في الحكم، ولكن مع السن والقراءة أكثر فيما يحوم حول الفن “تاريخه ونقده ومذاهبه وفلسفته ونظرياته وما إلى ذلك” استطعت دفن عاداتي السرية في أعمق درجات وعيي، والاستعانة بالكلام المنمق الواثق من نفسه في تبرير إعجابي من عدمه. لكن عاداتي السرية وأحكامي الصوتية الشكلية هي الأساس. يمكن لهذا السبب أكره قصائدي، أنها ناتئة نافرة، خلاط من الصور والمعاني والأشكال والألوان غير المتجانسة، حرف واحد في غير مكانه كفيل بأن يحيل حياتي جحيمًا.

خيط الشاعرية الواهي الذي التقطته من عالم المكعبات الملون الذي ربيته من طفولتي، هو ما جعلني أحب القصيدة العمودية ثم أكرهها، أحب التفعيلة ثم أكرهها، أحب قصيدة النثر وأغرق معها حتى الآن، أدرك جيدًا أن قصيدة النثر أصعب من سابقاتها. القصيدة مبنية على ذلك الخيط الواهي، خيط العنكبوت الذي لا يحتمل حرفًا زائدًا، فما بالك يا مؤمن بكلمات وجمل زائدة؟ فما بالي وأنا ثرثار كبير؟ عندما ألتقط ذلك الخيط الواهي أتعامل معه معاملة طفل غشيم للعبة جديدة: أقطع أوصاله، أخنقه، أحشر فيه عشرات الطموحات والجمل التي تطفح من لاوعيي. لذلك أخاف قصيدة النثر، أخاف منها وأحبها، أحب صفاءها اللغوي الذي أسعى إليه جاهدًا.

كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء، نقتل الوقت بدردشة عن أشياء تحوم حول الكتابة والشعر، ليخبرني أنه يحب “طه حسين” للغاية، ويحب لغته لدرجة الافتتان، قلتُ له: طه حسين كان يملي الكلام على كاتب. لذلك كانت جمله قصيرة، واضحة المعنى، تذهب إلى مقصدها مباشرة دون زيادات. كلام يسهل الاستماع إليه، لأنه يمشي على رجل واحدة للغة وهو الصوت، لم تستغرقه “الصور” ولا يعرف شكل الحروف ولا الكلمات. طه حسين هو الرجل الذي يقود عماه لغته. عالمه كله استقبال وإرسال أصوات، لذلك فإن جمال لغته نابع من تناغم الصوت، قدرة الصوت على إيصال المعنى.

يقول أهل النقد عن الكاتب أو الشاعر الجيد إن له “صوتًا خاصًا”، وعن الكاتب الواعد، إنه يبحث عن “صوته الخاص”، هل يعلمون أن المجاز هنا حقيقي تمامًا؟ وأن الصوت الخاص هو ذلك الخط الواهي من الشاعرية الذي أبحث عنه من طفولتي.

لهذا السبب لا أحب إلقاء قصائدي، مع أنني أقرأ قصائد غيري بصوت مرتفع، أتذوق صوتها وأقيس حساسيته بأذني. أما جرائمي المكتوبة بحمى المخيال الطفولي القديم في تكوين مكعبات من اختراعي، فلا هي صارت مكعبات، ولا تعرف من الألوان إلا الأسود، لون الثقب النابت في نفسي منذ أصبحت شاعرًا، وربما سأعيش ضعف ما عشت قبل أن أجد صوتي الخاص، وأنا الآن مصاب بخرس أخشى أن يكون دائمًا.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن