رؤية مصر 2030: خُطط كبيرة، وتفاصيل غائمة
 
 

لو كانت قوة إبصارك 30/20 فإن ذلك يعني أنك مصاب بقصور طفيف في البصر. صحيح أنك تعيش بصورة طبيعية، إلا أنك تعاني من بعض التشوش في رؤية التفاصيل الدقيقة أو من مسافات بعيدة.

في الوثيقة التي صدرت مؤخرًا عن استراتيجية التنمية المُستدامة؛ اختار مؤلفوها عنوان “رؤية مصر 2030“، فصنعوا مجازًا مُعبرًا، دون قصد، يصلح لوصف برنامج يحتشد بالأهداف الطموحة، إلا أنه لا يقدم سوى النذر اليسير من التفاصيل عن كيفية تحقيق هذه الأهداف.

تعتمد هذه الرؤية التي استغرقت صياغتها عامين، بشكل كبير، على برنامج الأمم المتحدة حول أهداف التنمية المُستدامة 2030، والذي كان يعتمد بدوره على برنامج الأهداف الإنمائية للألفية؛ التي كانت الدول الأعضاء قد سعت إلى تحقيقها بحلول 2015.

وجهت بعض الدوائر انتقادات لهذه البرامج التابعة للأمم المتحدة، من ناحية كونها غامضة أكثر من اللازم، ومُتشعبة، ومُكلفة. كما تعرضت لانتقادات في كل مكان لأنها لم تتعامل بجدية مع عدم المساواة ومع الأثر البيئي على النمو الاقتصادي. ونظرًا للتشابه بين رؤية الأمم المتحدة ورؤية مصر، فمن المتوقع أن تعاني “رؤية 2030” من نفس العيوب المُتعددة.

الهدف الملموس الأول المُدرج في استراتيجية التنمية المستدامة في مصر هو زيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي إلى نسبة 10% بحلول 2020، و12% بحلول 2030. ورغم أن أهداف مصر تتبع إجمالًا أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، إلا أنها تجاوزتها في هذا الهدف. لا يُحدد برنامج الأمم المتحدة مقياسًا معينًا للبلدان ذات الدخل المتوسط ​​مثل مصر، ولكنه ذكر هدف نمو بنسبة 7% لأقل البلدان نموًا. 

أصبح هدف زيادة الناتج المحلي الإجمالي أكثر طموحًا عنه منذ توزيع الكُتيب الدعائي عام 2015 لخطة “رؤية 2030″، والذي كان قد نص على أن البرنامج يستهدف زيادة بنسبة 7%. في ذلك الوقت، كانت الحكومة فخورة جراء الإعلان في الربع الأول من العام المالي عن مُعدل نمو بمقدار 6.8% (انخفض بعد ذلك إلى 5.6%). وفي نفس الربع الأول للعام المالي، أفادت تقارير بأن مُعدل النمو 3%، وأن الحكومة أُجبرت على إعادة النظر وخفض مُعدلها المُتوقع لنهاية العام المالي إلى 4% بعد أن كان المُستهدف السابق هو 5.5%. لكن هذا أدى، على نحو غير مفهوم، إلى زيادة ثقة مصر في تصوراتها عن النمو.

نمو الاقتصاد بنسبة 10 أو 12% لن يكون غير مسبوق، ففي عام 2006 على سبيل المثال أشارت أرقام البنك الدولي إلى أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في أذربيجان بلغ 34.5%، في حين وصل في قطر إلى نسبة 26.2%.  ومع ذلك، لم تتمكن أي من الدولتين من الحفاظ على تلك المعدلات على مدى عشر سنوات، وهو ما تقترح مصر القيام به. فبحلول عام 2014، انخفض مُعدل النمو في أذربيجان إلى 2%، في حين انخفض في قطر إلى 4%.

إن الحفاظ على مُعدل نمو يتجاوز 10% لمدة عشر سنوات يحتاج إلى استمرار حسن الحظ في التعامل مع الاقتصاد العالمي، إلى جانب زيادة ثابتة في مُعدلات الإنتاج والاستهلاك الداخلي. غير أنه يبدو أن خطط مصر بشأن كيفية الوصول إلى هذا الهدف تستند على فرضيات غامضة مثل الترويج للسياحة، والإصلاح الإداري، وتحسين مناخ الاستثمار. ورغم أن الوثيقة تبلغ 300 صفحة كاملة، فإنها لا تتحدث بأي قدر من التفصيل عن كيفية القيام بهذه الإصلاحات الإدارية وخطط الترويج للسياحة. وبدلًا من ذلك، فإن الوثيقة أدرجت خُططًا أًصبحت مألوفة الآن مثل إنشاء مشروعات عملاقة من بينها محور قناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، وخطط استصلاح أربعة ملايين فدان في الصحراء.

بالطبع يمكن للمرء الدفاع عن عدم خطورة وضع أهداف طموحة والسعي لتحقيقها، ولكن هذا ينطبق أكثر على فرد يسعى للحصول على حافز يدفعه إلى الأمام. تكمن الصعوبة هنا في أن كل الأهداف الأخرى المُدرجة في “رؤية 2030” تعتمد على ثبات هذا المُعدل غير الطبيعي للنمو.

تهدف رؤية مصر إلى زيادة مُعدل الدخل للفرد من 3,436 دولار أمريكي في الوقت الراهن إلى 4000 دولار أمريكي بحلول 2020، و10.000 دولار أمريكي بحلول 2030. كما تهدف إلى خفض نسبة الفقر المُدقع من 4.4% في الوقت الراهن إلى 2.5% بحلول 2020، وإلى نسبة صفر بحلول 2030. تهدف كذلك إلى رفع الإنفاق على الخدمات الصحية للفرد من 152 دولار سنويًا إلى 300 دولار بحلول 2020، و600 دولار بحلول 2030، مع خفض مُعدل الإنفاق الشخصي (خارج نطاق التأمين الصحي) إلى النصف وفق ذات المعيار الزمني. وتهدف إلى خفض مُعدلات وفيات الأطفال وإصابتهم بفقر الدم إلى النصف، وزيادة متوسط طول العمر من 71.1 عامًا إلى 75 عامًا بحلول 2030. ومن المُفترض كذلك أن يزيد نطاق التعليم وجودته. من المنظور أن يرتفع الإنفاق على التعليم ما قبل الجامعي من 3% إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2020، و8% بحلول 2030. ومن المُتوقع أن تقل كثافة الفصول في جميع المراحل التعليمية، بينما من المُتوقع زيادة نسبة الالتحاق بالتعليم الجامعي من 31% في الوقت الراهن إلى 35% بحلول 2020، و45% بحلول 2030.

لا يمكن أن يُجادل أحد ضد أي من هذه الأهداف، لكن من المستحيل التأكد على وجه الدقة من “رؤية 2030” كيف تعتزم الحكومة تحقيقها، رغم أنها تحتاج إلى الكثير من الأموال.

هناك شيء واحد أوضحته الحكومة، هو نيتها القيام بكل هذا دون رفع الضرائب أو زيادة عجز المدفوعات. وتشير “رؤية 2030” بشكل غير صحيح إلى أن ضريبة القيم المُضافة قد تم فرضها بالفعل، وحددت الضريبة بنسبة 10%، وقالت إنها سوف تستمر حتى عام 2030. (ويبدو أن هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها المسؤولون في وثيقة مكتوبة بمُعدل ثابت لضريبة القيمة المُضافة التي طال النقاش بشأنها). ورغم ذلك، بالنظر إلى أن مصر فرضت بالفعل ضريبة شاملة بنسبة 10% على المبيعات، لا تبدو ضريبة القيمة المُضافة حلاً سحرياً سيؤدي لزيادة العائدات خلال السنوات القليلة القادمة. فالوثيقة تعد باستقرار مُعدل ضريبة الدخل عند مستواه الحالي وهو 22.5% حتى عام 2030. وفي ذات الوقت، من المُتوقع أن ينخفض الدين العام من 92.7% من معدل الناتج المحلي في الوقت الراهن، إلى 85.7% في عام 2020، إلى 75% في عام 2030. وبالمثل، من المُتوقع انخفاض عجز الموازنة من 11.5% من إجمالي الناتج لمحلي إلى 7.5% في 2020، وإلى 2.28% عام 2030.

هذه هي عقلية “الحصول على كل شيء في نفس الوقت” التي أشار إليها من انتقدوا الفلسفة الكامنة خلف أهداف التنمية المُستدامة للأمم المتحدة. زيادة الإنفاق العام، وتحسين الخدمات دون رفع الضرائب أو التورط في الديون أمر مُستحيل دون نمو اقتصادي جبار ودائم، وهو سيناريو يصعب تخيله فضلا عن تحقيقه.

ويبدو أن النقد الموجه إلى مثل هذه البرامج، بأنها تضحي بالبُعد البيئي غالبًا باسم النمو، ينطبق كذلك على مصر. فرغم عدم تناول خطط تنفيذية واضحة، يُدرج القسم البيئي في برنامج مصر “رؤية 2030” بعض الأهداف الواقعية: تقليل الفقد في عمليات نقل ومُعالجة المياه، وزيادة عدد محطات مراقبة الانبعاث الحراري، وتحسين عملية جمع القمامة، وزيادة عدد وحجم المحميات الطبيعية. ومع ذلك، لم يرد ذكر هدف من أجل تقليل انبعاث الغازات الذي يؤدي إلى ظاهرة الاحتباس الحراري، لا في عام 2020 ولا في عام 2030. لكن قسم الطاقة في الوثيقة يعطي لمحة عن كيفية تحقيق الأهداف: تتوقع مصر توليد 29% من الطاقة التي تحتاج إليها عن طريق حرق الفحم في 2030، وهي لا تحصل على أي طاقة من هذا المصدر حاليًا. (تتوقع مصر أن تنتج 35% من الطاقة الكهربية عن طريق الرياح، أو الطاقة الشمسية، أو الطاقة الكهرومائية بحلول 2030، في حين أن النسبة الحالية هي 9% فقط).

لدى مصر، مثل أغلب دول العالم، تاريخ طويل من وضع الخطط التنموية الكُبرى، ثم طرحها جانبًا كلما تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية. وربما لا تعدو “رؤية 2030” أكثر من كونها مجرد قائمة أمنيات طموحة. لكن الوقت قد حان، نظرًا لمُعاناة السكان، والتحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه البلاد، إلى وثيقة تستند إلى الواقع، وتعتمد على أفكار جدية بشأن أفضل السُبل لتحديد الأولويات وتخصيص الموارد المحدودة من أجل تحسين مستوى معيشة المواطنين البُسطاء.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن