بطرس غالي.. مواجهة النظام العالمي من داخله

توفي بطرس بطرس غالي؛ أول أفريقي يشغل منصب أمين عام الأمم المتحدة، في القاهرة حيث ولد، وهو في الثالثة والتسعين من عمره. كان غالي يحلم بعالم أفضل حتى آخر لحظات حياته، ولم يعطله عن حلمه ساقه التي انكسرت العام الماضي، ولا الفوضى التي تعم العالم، ولا عدم فاعلية الأمم المتحدة.

ينحدر غالي من أسرة قبطية شهيرة، وشغل جده منصب رئيس وزراء مصر. وكان مُحافظًا على المستويين الشخصي والسياسي. وحين أصبح أستاذًا للقانون، اعتنق الاشتراكية العربية. أدرك غالي عدم المساواة بين الغرب وبين العالم الثالث باعتباره أستاذًا للقانون بجامعة القاهرة، وعضوًا في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي. وكتب كثيرًا عن التنمية، وهو يضع في اعتباره المصاعب التي تواجه المشروعات القومية، نظرًا لطبيعة الاقتصاد العالمي المُراوغة. حازت مواهبه إعجاب الحكومة، فاختير كوزير دولة للشؤون الخارجية. ورغم أنه كان عرّاب اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، إلا أنه عبر عن حزنه لابتعاد مصر عن القومية العربية. وفي عام 1982، كتب: “سينتهي الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غرة، لأن ثلاثة ملايين إسرائيلي لن يتمكنوا من حُكم مليون ونصف فلسطيني إلى الأبد، متجاهلين حقوقهم وطموحاتهم”. طرح هذه الرؤية باعتباره قوميًا عربيًا، وكذلك باعتباره مُلتزمًا بمبادئ عدم الانحياز.

عالم أحادي القطبية

وصل بطرس غالي، إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، في وقت شديد الصعوبة، مع الأسف. كانت القيود التي  تكبح القوى الغربية قد تلاشت بحلول عام 1992. انهار الاتحاد السوفييتي، وضعُف العالم الثالث نتيجة أزمة الديون، أصبح الاستسلام للولايات المتحدة الأمريكية هو السمة الغالبة. وبدا التناغم بين الأجندة الأمريكية وبين أجندة الأمم المتحدة حتميًا. أزيحت أفكار التنمية القديمة لحساب العولمة وتحرير التجارة، ولم تتمكن المناقشات متعددة الأطراف حول الأمن والسلام من الصمود في مواجهة الحاجة إلى تغيير الأنظمة في الدول المارقة. أصبحت مُهمة بطرس غالي مستحيلة في الحفاظ على استقلالية الأمم المُتحدة.

وخلال فترة عمله في الأمم المتحدة، وضع غالي خطة للسلام (1992)، وخطة للتنمية (1995). في الخطة الأولى، حث الأمم المتحدة على العمل بنشاط أكبر على مصادر عدم الاستقرار في العالم. لم تكن زيادة بعثات حفظ السلام كافية. كان إرسال رجال مرتدين خوذات زرقاء، ويعملون كشرطي للعالم،  نهجًا عرضيًا للتعامل مع الأزمة. وكان على الأمم المتحدة معالجة جذور المشاكل، وفهم كيف أصبحت “مصادر عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، مصدر تهديد للسلام والأمن”. ولكي لا يقتصر تعامل بطرس غالي مع الأعراض فقط، كان يأمل في طرح “خطة جديدة للتنمية”، من شأنها مواجهة التوجه للسماح لسلطة الشركات بتقويض مصالح ملايين البشر. لقد خلق الإفقار شروط انعدام الأمن. يحتاج العالم الأمن إلى أخذ الاحتياجات الإنسانية على محمل الجد.

كان من الضروري إسقاط ديون العالم الثالث، وألا يفرض صندوق النقد الدولي وَصَفاته للنمو الاقتصادي على الدول الضعيفة.  كتب غالي: “النجاح ليس مؤكدًا”، وهو ما بدا أمرًا مثيرًا للإعجاب في ضوء المجريات التالية.

أوامر من البيت الأبيض

في عام 1992، حذر بطرس غالي: “على الأقوياء مقاومة الثنائية ومعارضة الأحادية والانعزالية لكي تنجح الأمم المتحدة”. كان يضع في اعتباره الولايات المتحدة، التي تؤمن أنها ليست في حاجة إلى الاستماع إلى كافة الآراء في العالم، وإنما  عليها الدفع من أجل تحقيق مصالحها الضيقة باسم العولمة. لكن كلامه ذهب أدراج الرياح. وفي عام 1993، أثناء تناول الغذاء مع “مادلين أولبرايت”؛ سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، و”وارن كريستوفر”؛ وزير خارجية الولايات المتحدة، قال بطرس غالي: “من فضلكما اسمحا لي من حين لآخر أن أختلف علنًا مع سياسة الولايات المتحدة”. ويحكي أن أولبرايت وكريستوفر “تبادلا النظرات كأني قدمت لهما سمكًا فاسدًا”. لم يقولا أي شيء. لم يكن هناك أي شيء يمكن قوله. كانت حساسية الموقف تنبع من الإشارة إلى حاجة الأمين العام للأمم المتحدة إلى تلقي الأوامر من البيت الأبيض.

الأمريكيون لا يريدون منك أن تقول مجرد “حاضر”، سيقول هو لاحقًا، وإنما: “حاضر، يا سيدي”.

كان غالي ذا طبيعة خاصة، ولم يكن يتعامل بمرونة مع الصحافة أو الدوائر الدبلوماسية. لم يعمل على بناء قاعدة قوية لنفسه. هاجمته وسائل الإعلام الغربية بضراوة، في الوقت الذي كانت فيه دول العالم الثالث ضعيفة لدرجة لا تمكنها من الدفاع عنه. شهدت فترة توليه المنصب كارثة عالمية تلو أخرى –التدخل الثاني في “الصومال” من 1993 إلى 1995، والإبادة العرقية الأكثر تدميرًا في “رواندا”. تلقى غالي اللوم جراء كل هذا، رغم أن الولايات المتحدة هي من حركت تلك الأحداث. ولم يحصل على فترة ثانية كأمين عام للأمم المتحدة.

رافقه “روبرتو سافيو” من وكالة أنباء “إنتر برس سيرفيس” إلى المطار بعد أن غادر الأمم المتحدة. رفض الدخول من بوابة الدبلوماسيين، وقال: “يا صديقي، لقد ولت هذه الأيام، أنا الآن مجرد مواطن مثلك”.

نشر هذا النعي في المرة الأولى في صحيفة ذا هيندو.

 

اعلان
 
 
فيجاى براشاد