هيكل والشباب والسلطوية

أحترم وأتفهم تحفظات نسبة كبيرة من الأجيال الشابة في مصر، وكثير من البلدان العربية، على تجربة الراحل الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل السياسية، وآثارها الإيجابية والسلبية على تجربته الصحفية الفذة، وأشارك هذه الأجيال  بعض تحفظاتها، ولعلي أضيف أنه لو لم يتحفظ شبابنا الآن على كثير من تجربة هيكل لكان الأمر خطيرًا -على نحو مخيف- على وعي الشباب، والأمة، ومن ثم على المستقبل، إذ أن هؤلاء الشباب مخلوقون لزمان غير زماننا، فزمانهم زمن التحول الديمقراطي، أما زماننا فكان زمن التجارب الشمولية في أغلب دول العالم غير المتقدم.

لكن يبقى أن التحفظ بهدف المراجعة واستخلاص الدروس شيء، والرفض المطلق أو الإدانة الشاملة شيء آخر، وإذا كان هذا الرأي ينطبق على كل التجارب السياسية والإنسانية، فهو ينطبق أيضًا، ومن باب أولى، على تجربة نظام يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، التي شارك فيها هيكل بدور مؤثر.

أغلب تحفظات الشباب الذين فجروا ثورة يناير 2011، وحتى من قبلها، على دور هيكل أنه كان منظرًا ومبررًا لسلطوية جمال عبد الناصر، التي استمرت بعده مع أنور السادات، ثم حسني مبارك، وها هي تحاول إنتاج نفسها من جديد، ويحمّل الشباب الأستاذ جزءًا كبيرًا من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع بعد 30 يونيو 2013، لأنه انحاز، في رأي بعضهم، إلى خيار الدولة، وليس إلى خيار الثورة، وفي رأي البعض الآخر أنه انحاز إلى الاختيار التقليدي لنظام يوليو، وهو أن يكون على رأس الدولة رجل قادم من المؤسسة العسكرية، وأن يبقى لهذه المؤسسة بالتالي الدور الرئيسي في توجيه الحياة السياسية فى البلاد.

في السطور التالية سأحاول فهم منطق هيكل السياسي في تجربة جمال عبد الناصر السلطوية، وفي اختياراته بعد 30 يونيو 2013، ثم أعرض وجهة نظري بعدها.

في كتابه “سقوط نظام” يقول الأستاذ هيكل: “إن السلطة قبل 23 يوليو 1952 كانت “مرمية” في الشارع، في انتظار من يلتقطها، ولم يتقدم أحد لالتقاطها غير الضباط، فلا الوفد كان قادرًا على التقاطها بعد طرده من الحكومة على أثر حريق القاهرة الذي كان ذروة الصراع حول إلغاء حكومة الوفد لمعاهدة 1936 من جانب واحد، ولا اليسار كان قادرًا لتفتته، وعدم وجود مساندة شعبية حقيقية له، وكذلك لم يكن الإخوان المسلمون قادرين على التقاط السلطة، لأنهم على الرغم من قوتهم التنظيمية والشعبية، افتقروا إلى البرنامج والإرادة والجرأة”.

وفي كل الأحوال، وهذا كلامي أنا وليس كلام هيكل، فإن جميع هذه الأطراف، بمن فيهم الضباط، كانوا حريصين على العمل في إطار الشرعية، ولو كانت شكلية، إما لشعور واعٍ عندهم بثقل تاريخ الدولة المصرية، وإما بسبب وجود القاعدة العسكرية البريطانية في قناة السويس، ومن ثم كان التخوف من إعادة احتلال مصر كلها في حال الثورة الشاملة على الشرعية، وهكذا لم يقرر الضباط مثلًا خلع الملك، وإنما استخلصوا منه تنازلًا عن العرش لولي عهده، ولم يقرروا إلغاء الملكية إلا بعد أن استقرت السلطة في أيديهم، وضمنوا عدم التدخل الأجنبي.

إذن فمن وجهة نظر هيكل، كان التقاط الضباط للسلطة محتمًا بمنطق الأمور، فهل كان بوسع الضباط في السنوات الأولى من حكمهم إقامة نظام ديمقراطي تعددي؟

في رأيه، الذي يشاركه فيه معظم مؤرخي تلك الحقبة، أن الأحزاب كانت أضعف من أن تقود حياة ديمقراطية سليمة، ليس فقط بسبب عجزها عن التقاط السلطة المرمية في الشارع، إنما أيضًا بسبب مقاومتها لمطلب “العدالة الاجتماعية” المُلِّح، والذي كان يمثل مع مطلب الجلاء جوهر الحركة السياسية الوطنية في مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في وقت لم تستطع فيه الطبقات المحرومة إقامة أحزابها.

باختصار، لم يكن ممكنًا تحقيق هذين المطلبين في ظل القواعد الدستورية المعمول بها منذ عام 1923، وهكذا وُلدت السلطوية التي أنتجت قرارات تحديد الملكية الزراعية، وتحرير اتفاقية السودان، واتفاقية الجلاء، وتأميم قناة السويس، وتمصير المصالح الاقتصادية في البلاد، ثم التأميمات التالية لكبريات الشركات المصرية، نزولًا إلى الشركات المتوسطة، والأخذ بسياسة الاقتصاد الموجه من خلال القطاع العام والتخطيط الاقتصادي، وصولًا إلى تأميم الصحف، وإقامة نظام معبأ بالكامل حول مؤسسة الرئاسة، ثم حول شخص الرئيس، وكان هذا  الوضع السائد في جميع دول العالم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عدا أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، واليابان، والهند، كما أشرنا فيما سبق.

لذا فمن قبيل إعلان الحكمة بأثر رجعي أن نحاسب هيكل عل ظرف تاريخي كان أشمل وأعم من التجربة بكثير، لكن ذلك لا يعني عدم مراجعة واستخلاص الدروس، والاهتداء بها في المستقبل، لا سيما وأن هذه السلطوية أنتجت أيضًا القمع، والاعتقالات والتعذيب، ومن ثم كبت الحريات العامة، وأطلقت الصراع الداخلي بين قوى النظام نفسه دون أن يتاح لـ”الشعب” الاطلاع عل شيء مما يجري، وسمحت باتخاذ قرارات فردية باهظة التكلفة، كالتدخل العسكري في اليمن، والتورط  في حرب 1967 الخاسرة، ثم أنتجت بوادر الفساد والنهب مع السادات، وهو ما تحول إلى أسلوب حياة مقنن وعام في عهد مبارك.

هنا فقدت سلطوية نظام يوليو مبرر وجودها، وقد كتبت هنا في مقال بعنوان “السلطوية: أفضلها ما اختفى في الوقت الصحيح“، بمناسبة وفاة لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة، أن السلطوية ذات المضمون التقدمي بالمعنى الاجتماعي والاقتصادي، قد تكون مجدية في لحظة معينة من لحظات التطور السياسي للمجتمعات، وإن لم تكن حتمية، لكن عليها عدم الاستمرار بعد تحقيق مهمتها، وضربنا أمثلة كثيرة غير تجربة لي كوان يو في سنغافورة، مثل تجربة بطرس الأكبر، وكاترين الثانية في روسيا، وتجربة فريدريك الأكبر، ثم بسمارك، في بروسيا وألمانيا، ومن قبلهما تجربة كرومويل في إنجلترا، وصولًا إلى أتاتورك في تركيا، ومهاتير محمد في ماليزيا، ونظرائهم في كوريا الجنوبية وتايوان.

كما يعرف الجميع، فلم يكن الأستاذ هيكل مشاركًا في معظم حقبة أنور السادات، وطيلة حكم حسني مبارك، لذلك نتجه مباشرة الى دوره بعد 30 يونيو 2013.

في رأيي أن الجذر البعيد للخلاف بين رؤية هيكل بعد 30 يونيو، وبين كثير من الشباب هو دور الجيش في الحياة السياسية المصرية، فهيكل يسلم، بل ويطلب دورًا ما للجيش، وهو ليس فريدًا في ذلك، فكل القوى التي شكلت جبهة الإنقاذ ضد حكم الإخوان، ومعظم الحركات الشبابية، سلمت بذلك الدور، إقرارًا بأمر واقع، وهو عدم قدرة التيارات السياسية المدنية وحدها على تغيير علاقات القوى في المجتمع، بالإضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المنطوية على أخطار حقيقية على الأمن القومي.

وأما عن مساندته العلنية لترشيح الرئيس الحالي، ووزير الدفاع وقتها، عبد الفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، ووصفه له بـ “مرشح الضرورة”، فلم يكن فقط إقرارًا بحقائق القوة على الأرض، ولكن كان الحل المتاح لتفادي ازدواج أو انقسام السلطة في البلاد، بحيث تكون القوة في مكان، والشرعية والمسؤولية في مكان آخر، على حد تعبير له أوافقه عليه بالكامل.

لم يكن هيكل هنا يريد إعادة إنتاج نظام يوليو، بوصفه غاية المراد من رب العباد، ولكنه مثل كثيرين، وأنا منهم، كان  يريد تجنب نموذج جُرب بفشل متوال في الجزائر بعد عزل الرئيس الشاذلي بن جديد، إذ ظل وزير الدفاع خالد نزار وكبار زملائه  محتكري القوة ومصدرها، وظلوا يأتون بالرؤساء، ويتخلصون منهم واحدًا تلو الآخر، فاغتيل محمد بوضياف بعد بضعة أشهر من استقدامه من المنفى، وتقاعد على كافي ومجلسه الرئاسي الباهت مبكرًا، واعتزل اليمين زروال قبل أن تنتهي مدة رئاسته الأولى بعامين، حتى ملَ الجنرالات اللعبة، وجاؤا بعبد العزيز بوتفليقة، بعد اتفاق على تقاعد الرجل القوي خالد نزار أو إجباره على ذلك، لكي تستقر البلاد بعض الشيء، ولكن  بعد أن ضاع عليها وقت طويل ثمين، أُهدرت فيه دماء غزيرة، سُمي  بـ”العشرية السوداء”، ثم أن أحدًا  لا يستطيع حتى الآن الجزم بأن الجزائر قد تعافت نهائيًا، أو ابتعدت عن مهب العواصف والأعاصير.

ما ظهر بعدها من تحفظات لهيكل، مثل حديثه عن افتقاد الرؤية أو البوصلة، أو التحذير من الخروج من التاريخ، وغيرها، لا يجب أن يفهم بوصفه حكمًا بالخطأ على الموقف المبدئي الرافض لازدواج السلطة، والمُقرُّ بدور ضروري للجيش في الحياة السياسية، ولكن يبقى مطلوبًا، وهذا رأيي الشخصي، بلورة فهم، ثم اتفاق صريح على تسوية تاريخية تحدد دور الجيش، وتُطلق قوى المجتمع والسوق في الحياة السياسية والاقتصادية، وتُعمّم حكم القانون ومبدأ المواطنة، وهذا حديث آخر.

لكن الوصول إلى هذا الحل الوسط التاريخي مشروط بالتخلص من تراث نظام يوليو، القائم على استخدام السلطة في إضعاف الحياة السياسية، وتفريغها أولًا بأول من القوى الواعدة، وهو ما شرحناه في مقال سابق هنا تحت عنوان “السلطة كفاعل أصلي في ضعف الأحزاب“.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد