“فراعنة مصر المعاصرون”.. الحاجة الدائمة لمذبحة قلعة

تتعالى الآن الأصوات التي تطالب السيسي بمذبحة قلعة يتخلص فيها من “مراكز القوى” المتسببة  في إفشال خطته لحكم البلد. ما الخطة أصلًا لكي يفسدها أحد؟ ومن عيّن كل هؤلاء ليكونوا الآن عبئًا على الحكم وسبب هذا الفشل البادي لأي عابر؟

لا اندهاش حين تكتشف أن هذا الذي تسمعه الآن تكرر في كل عصر، وكان في كل مرة قبلة الحياة للنظام الجديد، عندما تجلى الشقاق بين أجنحة السلطة الوليدة وتململ الجمهور من الفشل الذي لا تخطئه الأعين، وغياب أي ثمار لما صدّرته الأغنيات الوطنية وجوقة الإعلاميين من أحلام الديمقراطية في بدايات الثورة، أو النصر في بدايات حكم السادات، أو الحريات وحقوق من هضمهم الانفتاح في بدايات حكم مبارك.

كيف يتحول الحاكم المصري الذي دشن أيامه على الكرسي بوعود الديمقراطية والرخاء وقطع الصلة بالماضي الأليم وتجاوز إرث من سبقه من قمع ومصادرة للرأي وفشل على كافة الأصعدة؟ وما الذي يحول الضابط الشاب الحالم بالحرية والخلاص، إلى متآمر يتحفظ على زملائه ويدبر الدسائس للإطاحة بغريم اليوم، وصديق الماضي.

من هذه اﻷسئلة، وبحثًا عن إجابة، تنطلق ثلاثية أفلام “فراعنة مصر المعاصرون” التي انتهى عرضها على قناة الـ”بي بي سي” قبل أسابيع،  بعد أن استغرق إنجازها خمسة أعوام، كما تقول المخرجة جيهان الطاهري.

يخاطب الفيلم جمهورًا مختلفًا، ربما لا يعرف الكثير عن ملابسات تعاقب الثلاثة على حكم مصر. لذا فقد يبدو أنه يسرد لنا تاريخًا معروفاً عن بلادنا. لكن الأسباب لمشاهدته بعين مختلفة كثيرة.

ترينا السلسلة كيف أن ناصر زرع أفراد الجيش في كل منصب، بحسب أمين مجلس قيادة الثورة عبد المجيد شديد، وكيف أن كل قطاع امتﻷ بـ”أهل الثقة”، وهي السُنة التي سيسير عليه كل خلف. تُظهر الصورة نظرة عبد الناصر إلى نجيب وهو يمشي وراءه في أيام الثورة الأولى، ويحكي التعليق الصوتي  كيف بدأ النزاع، كيف أحس النائب بتهميشه، وفي مشهد آخر يحكي التعليق عن إصرار السادات في بداية أيامه على الإيحاء بأنه امتداد لسابقه، وهو يمشي باتجاه صورته ليحييها.

بدأ كل  منهم بالتحالف مع الإخوان، الذين سارعوا هم كذلك للارتماء في أحضانه، منتظرين تقاسم الحكم وراضين بما تقره الصفقة من حدود للتواجد في المشهد. سرعان ما يضيق كل منهما بالآخر ويعود إلى مكانه. الجيش في السلطة، والإخوان في السجن.

من أهم الخطوط في بنيان الفيلم حرص مخرجته على تغيير صفة المتحدثين طوال الأجزاء الثلاثة، باختلاف ما تولوه من مناصب. فؤاد علام يتحول من فدائي في عصر عبد الناصر إلى مدير لشرطة السياحة، ثم نائب رئيس قطاع أمن الدولة في عصر مبارك، ورفعت السعيد من عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصري إلى مؤسس حزب التجمع، وضابط المخابرات، الذي كشف للسادات مخطط “مراكز القوى” للقبض عليه، يتحول بعد دقائق إلى سكرتيره الخاص، ومحمد فائق من وزير للإعلام في عصر عبد الناصر إلى سجين يُحاكَم في عصر السادات، إلى رئيس للمجلس القومي لحقوق الإنسان، يتحدث عن مقتل خالد سعيد وما تسبب فيه من أحداث.

لا تقتصر مهمة اللقاءات في الثلاثية على ملء الفراغ بين الصور، وإنما نرى فيها مثلًا للمرة الأولى حسام بدراوي وهو يتحدث عن اقتصاد الجيش وضيقه بالمجموعة الجديدة التي صاحبت ظهور جمال مبارك من رجال أعمال، وكواليس إنشاء حزب بعد عودة جمال مبارك، قبل أن ينصحهما أسامة الباز بأن يكونا داخل الحزب الوطني، وتحكي الراقصة كارول شانون  كيف استعانوا بها لإتمام صفقة تحويل السلاح السوفيتي إلى أفغانستان، وكيف أقنعت الجانب المصري بالأمر.

في مقطع آخر من الجزء المخصص لناصر يجلس أحد الضباط الأحرار من جناح جمال، ليتحدث عن التظاهرات التي اجتاحت البلاد “ضد الديمقراطية”. تسأله المخرجة فيبتسم ويقول: “المظاهرات دي احنا اللي كنا بنطلعها.. ما هي دي السياسة..كنا بنطبع المنشورات في المخابرات”، أما مساعد وزير الداخلية الأسبق زكي بدر فيتذكر  كيف كانت التعليمات واضحة بالتصفية الفورية للإسلاميين قائلًا: “لسة هيبقى متهم ويشتكي للنيابة من التعذيب؟”

واحد من أوضح أسباب النفور من الوثائقيات العربية تحولها إلى تقرير تقليدي طويل، لا رابط فيه بين اللقاءات الكثيرة مع الضيوف، وعرض نفس الوجوه التي تظهر في التلفزيون لتسترجع مرارًا وتكرارًا نفس ما تعرفه مع موسيقي قُتلت استخدامًا.

تجنب الفيلم هذا، فلم تقتصر الصورة فيه على المشاهد الأرشيفية الطازجة، والصور الأحدث لمواقع الأحداث وما فعله بها الزمن، وإنما تمزجها بعناوين الصحف في تلك اللحظات الفارقة، مع مقاطع من أفلام سينمائية تناولت تلك الوقائع ضمن أحداثها هي “السمان والخريف”، “الرصاصة لا تزال في جيبي”، “القطط السمان”، “الكرنك”، “جمال عبد الناصر”، “الحرام”، “بخيت وعديلة” و”عمارة يعقوبيان”.

يبتسم خالد الزعفراني وهو يحكي عن تحالفهم- الإسلاميون- داخل الجامعة مع الأمن للقضاء على الناصريين واليساريين، يتذكر متهلل الوجه كيف  دخلوا القاعة لضرب المعتصمين احتجاجًا على تأخر حرب التحرير، يضيف: “جاء البعض داخل عربات خصصها الأمن، لا يهمنا إذا استفاد السادات. هؤلاء كانوا يسخرون من الإسلام”.

في الفيلم تتضح الصورة، يبدأ كل رئيس حكمه بالوعود بينما هو يدشن  نسخته من السلطة. يقول ناصر إنه علماني لكنه يخشى رد الفعل فيظهر مصليًا في روسيا بعد لقاء مع خروتشوف، ويقول السادات إنه يتفادى أخطاء الاشتراكية والبعد عن الدين، ولكن في أول خلاف، يلقي الرئيس المؤمن الآلاف في السجون، وفي مقدمتهم الإخوان، حلفائه ضد الناصريين واليساريين، بينما يعلن مبارك  عصر حريات ويفتتح فترته بلقاء مع المفرج عنهم من سجون سلفه، ويختمها بآلاف المحبوسين والمقتولين في الشوارع اعتراضًا على مخطط توريث نجله وشبكة مصالحه الجديدة مع رجال الأعمال.

يلخص المسألة  أمين مجلس قيادة الثورة عبد المجيد شديد، فهو يجيب على سؤال المخرجة في بداية الثلاثية: “هل تحول من تداولوا السلطة باعتبارهم محرري مصر إلى مضطهدين لها؟”،  فيقول: “كنت فاكر إن العملية عملية الملك”.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين