نروح لمين يا مصر؟

“رايحة بينا علي فين يا مصر؟” هذا هو السؤال المكرر في البرامج التليفزيونية والندوات والمقاهي والبيوت خلال السنوات الماضية، إلا أنني مؤخرًا، وبعد خبرة في العمل بالقضايا المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، أصبح لسان حالي طوال الوقت يسأل: “نروح لمين يا مصر؟”.

منصة القضاء لا يضاهي رفعتها ومكانتها أي عمل أو منصب، فهم مقيمو كلمة الرب على الأرض، والذين رفعهم المجتمع لمنصة الأنبياء بألا ينطقوا عن الهوى وأن يؤدوا الأمانات إلى أصحابها، ومن ثم فمكانتهم تلك تُحتم عليهم أن يسلكوا سلوكيات صارمة أهمها البعد عما يشوب المجتمع من صراعات سياسية تؤثر على تلك المكانة.

إلا أن السيد المستشار الموقر، وقد اعتاد الظهور الإعلامي لإبداء الأراء السياسية والاجتماعية، بل والتحدث عما يُوكل إليه من قضايا، واضعًا مكانة القضاء في موقف القيل والقال؛ ليناقش الناس أرائه، ويؤخذ عليه ما يؤخذ من مسالك، ويلام على ما يلام من أقوال، وتصبح المنصة الموقرة عرضة لكل رأي وخلاف.

كيف يأمن المجتمع لذاك القاضي فضلاً عن اطمئنان المتهم الذي يُحاكم أمامه وحياته معلقة على عقيدته ونزاهته وحيدته، فبغياب تلك الطمأنينة تسقط هيبة القضاء ويسقط المجتمع في الفوضي والظلام.

كانت تلك فقرة من مذكرة تقدمت بها للدائرة 46 مدني، في دعوي لرد المستشار الشهير محمد ناجي شحاتة.. وبافتراض أنك لا تعرفه، فدعنا نعود للخلف قليلاً.

….

يقف الناشط السياسي أحمد دومة أمام المنصة بمعهد أمناء الشرطة، بعد أن طلب الكلمة دفاعاً عن نفسه، بعد أن أحال السيد المستشار ناجي شحاتة المحامين الخمسة الذين حضروا للدفاع عنه تباعًا للنيابة؛ لمجرد أنهم تمسكوا بطلباتهم ورفضوا أن يترافعوا دون الحصول على الضمانة الكاملة للمحاكمة العادلة والمنصفة، حتى أن النقابة العامة للمحامين أصدرت قرارًا بمنع المحامين من الحضور أمام المستشار شحاتة في تلك القضية؛ لتحيزه الواضح ضدهم.

بعد مرافعة بليغة لدومة فند فيها كل جوانب القضية يستأذن المستشار ليسأله: “حضرتك عندك أكونت على فيس بوك؟”. يصمت المستشار قليلاً ثم يأمر النيابة بتوجيه اتهام إهانة المحكمة للمتهم، ويحكم في دقائق بحبسه ثلاث سنوات مع الشغل، قبل أن يحكم عليه في الدعوي الأصلية بالمؤبد.

….

حدثت مذبحة بشعة في منطقة كرداسة، تم اقتحام قسم الشرطة وقتل 11 ضابط وفرد أمن، وحين عُرض المتهمون الـ 188 أمام السيد المستشار شحاتة، ارتأى أنهم جميعًا اتفقوا وتشاركوا في ذات الفعل الإجرامي الذي أدى لمقتل رجال الشرطة، وأحالهم جميعًا للمفتي ليخرج الحكم بإعدام 183 متهمًا والحكم على قاصر بـ 10 سنوات والبراءة لاثنين وانقضاء الدعوي الجنائية لمتهمين أخرين ماتا أثناء نظر القضية.

….

كان رامي سيد، مسئول العمل الجماهيري لحركة شباب 6 أبريل، وتسعة من رفاقه في طريقهم لإحياء ذكرى صديقهم أحمد المصري، عضو الحركة الذي استشهد في أحداث الحرس الجمهوري، ليلقى القبض عليهم من على المقهى المجاور لمنزل “المصري”، وتُلفق لهم تهمة “حيازة شمروخ”، والذي تعتبره النيابة متفجرات، ويحكم عليهم المستشار شحاتة بالمؤبد غيابيًا في القضية الشهيرة بـ “معتقلي العزاء”.

….

بعد معرفتنا بالمستشار شحاتة، فأنت الأن بالطبع لا تستغرب قراري ومجموعة من الزملاء بعدم العمل بالقضايا المعروضة أمامه؛ من منطلق أن “كله محصل بعضه”. وكنت قد اعتذرت بالفعل عن عدد من القضايا واعدًا الموكلين أن أعمل بها بعد أن يُقبل الطعن بالنقض فيها. (قُبلت بالفعل الأربعة طعون بالنقض التي قُدمت في أحكام عدالته منذ أن تولى دائرة “إرهاب”، محققًا نسبة 100% إلغاء أحكام).

إلا أنني اصطدمت بمتهم لم يمكنني إلا أن أتولي قضيته، بل والحق أني كان من المفترض أن ألازمه محبسه إذا أخذت الأحداث منحى آخر، فرامي سيد، المتهم في قضية معتقلي العزاء، هو جاري وصديق طفولتي، ونتشارك معاً حتى في تاريخ الميلاد، وكنت أنا أول من عرّفه على طريق العمل العام قبل أن ينضم هو لحركة شباب 6 أبريل وأكتفي أنا بالعمل الحقوقي.

….

اعتاد المستشار شحاتة الظهور الإعلامي وأحبه، بل إنه تمادى فيه حتى أصبح الأمر محرجًا للمؤسسة القضائية المصرية، وهو الأمر الذي تخطى حدود المعقول حين أجرى حوارًا مع جريدة “الوطن” مبديًا مجموعة من الآراء السياسية التي يحظر على القضاء إبداؤها، فهو مؤيد ومحب لرئيس الجمهورية تارة، وتارة يهاجم الثورة والحركات الثورية واصفًا إياها بـ “ثورة بنت 60 كلب” (لو كان روائياً لحوكم بتهمة خدش الحياء العام)، قبل أن يتمادى ليهاجم محكمة النقض بشكل لو كنت أنا من أبديته لوجدتني بجوار علاء عبد الفتاح وتوفيق عكاشة ومحمد مرسي في قفص الاتهام في قضية إهانة القضاء الشهيرة.

بل أن السيد المستشار ارتكب جرمًا أكبر بخروجه للإعلام منكراً للحوار، مما أدى لقيام جريدة الوطن بتهديده بنشر التسجيلات إن لم يتراجع، ثم نشرت تلك التسجيلات فعلاً مكذبة للمستشار في موقف لم نر عليه القضاء المصري من قبل.

….

دعوى الرد هي إجراء أقره قانون المرافعات المصري، يتيح للمتقاضي أن يطلب أن تُنظر دعواه أمام قاضٍ آخر لعدة أسباب، أشهرها “إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة ترجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل”، بحسب نص المادة 148/4 مرافعات. إلا إننا عبر التاريخ كنا قد فقدنا الأمل في هذه الدعوى؛ لكونها تُرفض مرارًا وتكرارًا، حتى أن أكثرنا علمًا بتاريخ القانون لم يستطع أن يتذكر أكثر من 4 دعاوى رد قُبلت في التاريخ القضائي المصري، إحداها سنة 1948 وأخرها سنة 1990.

إلا أننا كلنا اندهشنا حين قُبلت دعوى رد للمستشار ناجي في إحدى قضاياه بعد ذلك الحوار الصحفي، بل أن السادة القضاء الأجلاء أعضاء الدائرة 29 إيجارات قد خطوا في حكمهم بقبول دعوى الرد، المقيدة بالجدول العمومي تحت رقم 1184 لسنة 132 ق، ما نصه:
وإذ من المقرر أن مبدأ حياد القاضي يتأسس على قاعدة أصولية قوامها وجوب اطمئنان المتقاضي إلى قاضيه الطبيعي وأن قضاءه لا يصدر إلا عن الحق وحده دون تحيز أو هوى -وصرحت الأحكام التشريعية المنظمة لشئون القضاء على تدعيم وتوفير هذه الحيدة ولم تغفل عن حق المتقاضي إذا كان لديه أسباب إلى مظنة التأثير في هذه الحيدة أن يجد السبيل ليحول دون من قامت في شأنه تلك المظنة وبين القضاء في دعواه- ومن ثم فقد تم في حقه في رد القاضي عن نظر نزاع بعينه كحق من الحقوق الأساسية التي ترتبط بحق التقاضي ذاته.
وإذ كانت المحكمة تستخلص من العبارات التي تحدث وصرح بها السيد الأستاذ القاضي المطلوب رده بتلك الصحيفة أن .. عدم توافر الحدية بما تثير مظنة عدم اطمئنان طالب الرد إلى قاضيه الطبيعي وأن حكمه لن يصدر عن الحق وإنما سيصدر بتحيز وبغير ميل بما يكون معه طلب الرد بسببه الأول المبين بتقرير الطلب قد وافق صحيح الواقع والقانون متعينًا قبوله.

وكان هذا الخبر السعيد بمثابة إشارة البداية لمجموعة دعاوى رد ضد عدالته في جميع القضايا المنظورة أمامه.

….

الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به ورجل يفهمه.

قالها “جبران خليل جبران” في زمن بعيد، إلا أنني، وعلى مدى سنوات من العمل بالمحاماة، قليلًا ما وجدت ذلك الرجل الثاني ليفهم ما ينطق به الباحثون عن العدالة، حاشا لله أن أدعي يقينًا بامتلاك الحق المطلق أو الطريق الوحيد للعدالة، فلا يدّعي ذلك إلا أحمق، ولكن وإن صعب علينا رؤية الحق -خاصةً في تلك السنوات التي أختلط فيها الحق بالباطل في كل المجالات- فلا يمكنك أن تغض طرفك عن باطلٍ واضحٍ يطاردك أينما وليت وجهك.

كنت أتمنى أن أحكي لك كيف انتفض قضاة مصر مدافعين عن مقامهم الرفيع ومكانتهم السامية التي تبعدهم عن الصراعات السياسية وتنأى بهم عن الدخول في خصومة مع المتقاضين كما تعلمنا في كليات الحقوق، إلا أنني حين تقدمت بدعوى الرد في قضية رامي ونظرتها الدائرة 46 مدني وجدت الدائرة تخالف القانون بشكل واضح.

دعني أخبرك أولًا أن دعاوى الرد لها طبيعة خاصة؛ إذ تستلزم حضور المتهم بنفسه للجلسة أو عبر محام بتوكيل خاص، كما نصت المادة 157 من قانون المرافعات أن القاضي لا يحكم بها إلا بعد سماع أقوال طالب الرد، وهو ما يجب أن تتذكره جيدًا، وأن تعرف أيضًا أن رامي محبوس، ونظر دعوى الرد تحدد له يوم 23 يناير في أسبوع ذكرى الثورة الذي قررت الداخلية أنها لن تنقل أي محبوسين خلاله، ولا يمكننا الحضور عنه إلا بتوكيل خاص، وهو غير متوفر.

في جلسة يوم 23 يناير الماضي شرحنا كل هذا للقاضي فقام بتأجيلها ليوم 27 وبتلك الجلسة أيضاً لم تقم الداخلية بإحضار رامي ولم يسمح لنا القاضي مرة أخري بالحضور عنه، برغم أني حضرت مع رامي في كل محاضر الجلسات المثبتة أمامه، فخرجنا منتظرين القرار بالتأجيل مرة أخرى إلا أن السيد المستشار قضى بحجز الدعوى للحكم دون السماح لطالب الرد بإبداء أي طلبات أو دفاع مخالفًا للقانون بشك واضح، وفي جلسة الحكم يوم 23 فبراير الجاري قضى برفض دعوي الرد وبتغريم رامي 4 ألاف جنيهًا ( كما قضى في ذات الجلسة برفض 21 دعوى رد أخرى) وأتى في حيثيات الحكم أن: “الاعتماد على أن القاضي أبد  أراء سياسية لا يحقق الشرط المنصوص عليه في المواد 146، 148 من قانون المرافعات والتي اشترطت وجود خصومة شخصية بين القاضي والمتهم وليس مجرد إبداء أراء سياسية.

إذن فالسادة القضاة ارتأوا أن الهجوم على الجماعة التي ينتمي إليها المتهم ووصفها بـ”الشيطان” وسب الثورة لا يجعله في خصومه معه، كما رأوا أن الحط من قدر القضاء بالتدخل في المعتركات السياسية وسب محكمة النقض (المحكمة العليا بالبلاد) لا يجعل القاضي غير لائق للتحكم في حيوات البشر.

قد يبدو هذا الحكم الأخير بسيطًا بالمقارنة بالأحكام السابقة، المتنوعة ما بين الإعدام والمؤبد، ولكنها كانت القشة التي سقط معها أخر أمل لي في أن أجد ذلك الرجل المنشود الذي يستمع للحق الذي كنت أحاول أن أكون مدافعاً عنه.. أو مرة أخرى: نروح لمين يا مصر؟

اعلان