الناظم: (1) متأخرًا.. لعشرة أيام؟
 
 

*هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة نصوص طويلة عن الشعر واللغة، يكتبها أحمد ندا تحت عنوان “الناظم”.

***

يقول أبي إن ذلك حدث لأن مكتب الصحة كان بعيدا وكانت أمي مصابة بحمى النفاس، فقرر تأجيل المشوار إلى أن تتعافى أمي ليكون بجوارها، فيما تقول أمي إن أبي لم يحضر أصلا، إذ كان في السعودية بينما هي كانت في الغرفة الوسطى في بيت جدي، وهي تحب الأرقام المميزة. بين الروايتين تشتتت خصومتي بخصوص من سجل تاريخ ميلادي، الأول من يونيو، خاصة أن من لحقني من أخوتي سُجل في نفس يوم ولادته، ناهيك عن ولادته في مستشفى، لا على يد “داية” في غرفة ببيت جدي. غضبي لم يكن لاهتمامي بموعد ولادتي الرسمي الذي تعرفه الدولة، وما إذا كان ذلك تزويرا في عمري الحقيقي حتى ولو لأيام. غضبي لأن أمي وأبي وجدتي وخالتي وخالي الأصغر اختلفوا على موعد ولادتي الحقيقي، هل هو الثالث والعشرين من مايو، أم الخامس والعشرين، أم السابع والعشرين؟ أمي وأبي يصرون على الخامس والعشرين، خالتي أكدت أنه كان اليوم التالي لدخلتها لذا فهو في السابع والعشرين من مايو، جدتي وخالي الأصغر بحكم تعلقهما بي أكدا على الثالث والعشرين. وأنا لأسباب عاطفية قررت أن يكون يوم الثالث والعشرين هو يوم مولدي.

لسنوات بقيت أحكي هذه القصة، أحبها كمدخل في بداية معرفتي بأحدهم، بصيغة ما أعتبرها معبرة عني. دون دراما زائدة أنا مشتت بين تواريخ وهويات وأماكن ومزاجات، ليست ثمة مرجعية أعود إليها، لا رأي حاسم تجاه أي شيء، بطيء في الحسم، وعلى الرغم من قدرتي على التكيف مع المتغيرات السريعة، فإنني أرتبك إذا ما طُلبت مني ردة فعل سريعة تجاهها، لستُ سريع البديهة رغم تمنياتي بأن أكون كذلك، أنا متأخر عن تاريخي بخمسة أيام على الأقل، ألا يُعتبر ذلك علامة؟

لم اختفت لذة البطء؟ أين ذهب من يتأملون نوافذ الإله كما يقول كونديرا؟ التأمل بمعناه القديم الذي هو تثبيت النظر على نقطة أو مشهد ما، ليس محاولة استبانة ما وراءه، شيء ما مثل الفوتوغرافيا، مثل استحلاب الحلوى، حيث كل طبقة تذوب تحمل موجة جديدة من الطعم، استمرار المتعة لفترة أطول. هكذا اعتبرت قصيدة النثر منذ دهشتي الأولى منها وبها، هي الشيء المكتوب المتناغم الحلو، الذي يجب استحلابه ببطء، متماسك ذو هيئة واضحة. بعض القصائد علقَم، مٌرة مرارة غير محببة، مرارة بغيضة لا مرارة القهوة أو الشاي، وبعضها لاذع كالليمون، أو حار كالفلفل، أو دسم كالطبيخ بالزبدة البلدي، وكل ذلك “فيه” من قصيدة النثر، لكنه ليس نثرا، أو على الأقل هذه طريقتي في استقباله.

القصائد التي تخلص حلاوتها من المرة الأولى كالمناديل الورقية، أستعملها مرة واحدة وأرميها ولا أعود إليها. القصائد المرة حلوة للمازوخيين، أو لمستهلكي الميلودراما مؤقتا. القصائد الدسمة، ذات اللغة المركبة والمجازات الملتفة والصور المتراكبة طبقات فوق طبقات، لا تناسب قصيدة النثر، خاصة لو أن الدسم هو ميزتها الوحيدة، لا طعم مميز، كمن يشرب سمنا ذائبا. نعم، هذا الشعور الذي يقلب البطن.

قصيدة النثر يجب أن تكون حلوة في فمي، الحلاوة لا تحتاج إلى ثرثرة زائدة، قدر رهيف تماما يفصل بين الحلاوة المطلوبة والزائدة المنفرة. لذلك لا أفهم الشعراء الذين لا يعرفون كيف يتذوقون، التذوق بالعين واللسان والأذن، تذوق المعاني والصور، تذوق خصوصية كل نص.

أرتبك كثيرا أمام هؤلاء الذين لا يقدّرون البطء، يسارعون إلى تدبيج الكلام ورصفه وراء بعضه، قصيدة النثر لا قواعد شكلية لها، لكن شعريتها حاضرة في كثافتها، في قلة كلماتها وقدرتها على أن تكون نافذة، ربما الشعر كله يجب أن يكون كذلك، قرأتُ مرة للشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب، وهو يفرق بين النظم والشعر بأن الأخير به “سحر”، هذا الشيء غير الممسوك ذو الأثر الجميل في النفس، هذه الحلاوة يا ثرثارين، ولا أستثني نفسي.

أحتفي بالبطء ولا أمارسه مع قصائدي، أقذف الحالة الشعورية التي تعتريني من باب التفريغ، ثم لا أعود إليها ثانية، ولأنه تفريغ، فإنه يكون عشوائيا مثل ذيل حمار يطيش في لوحة، خليط من طعوم غير متجانسة، ولأن لا وعيي خبيث فإن كل هذه الفوضى تختبئ تحت جمل وتدبيجات قديمة ومنقوعة في دماغي، أخرجها من كيسها “لتقييف” هذه الطاقة الشعورية أو لتغطيتها أو لمداراة حرج المشاعر المختلطة، وفي رأسي أن من يقرأ ستعجبه هذه التدبيجات، وينسى ارتباكي.

في واحدة من الجلسات الرائقة بيني وبين صديق مسافر، قال لي فجأة إن قصائدي تشبه حيرتي في يوم ميلادي الحقيقي، حيرة لا معنى لها ولن تضيف شيئا للعالم، ربما لو حسمتها لصفت القصائد من كل هذا الضجيج الذي أملؤها به، انشغال بما هو غير ضروري. لأتجاوز هذه المسألة ساعتها، قلت له ممازحا “بس أنا عاجبني يوم 23 مايو يا أخي” ابتسم ولم يرد، وأنا أعلم أنه فهم حرجي من الكلام.

وعلى كل هذه الحيرة، اتفقت عائلتي أن يوم مولدي يوافق الثامن عشر من رمضان. اتفق المختلفون على اليوم الهجري. لجأت إلى الإنترنت لأعرف التاريخ بدقة أخيرا بعد أعوام، لأجد أن التاريخ الحقيقي يوافق ما اخترته سابقا، الثالث والعشرين من شهر مايو. فرحت جدا. يجب علي أن أثق بحدسي، وأن أتخلص من الضجيج الذي يحتل رأسي، أتأمل نوافذ الإله وأنا أستحلب الحلاوة ببطء.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن