لماذا ما يصحّش كده؟

“وبكل ما أوتيت من قوّة، أحمي حياتي من رغبتي في العيش”.
سيرفانتس- دون كيخوتة

***

فورًا، تبادر إلى ذهني عندما سمعت عن خبر حبس أحمد ناجي، تصميم جرافيك قديم، وصفته صديقة رسّامة بالـ “بذيء” والـ”فظّ”.  كنت قد نفّذت الجرافيك أثناء انتفاضة شارع محمد محمود: ظل لجسد أنثوي عاري. في البطن، تصطفّ جثث على شكل طلقات في مشط سلاح أوتوماتيكي، جثث مربوطة بأكياس وجاهزة للإطلاق نحو “الحياة” (أي استخدام لمصطلح “حياة”، في هذا النص، يأتي جُزافًا). وقد وضعتُ، في هامش الفراغ الضيق القريب من الجسد، اقتباسا من إحدى أجمل قصائد الفاجومي التي لا زلنا نغنيها في فلسطين ونحن نحلم بمصر حرّة (بعيدا عن أية مجاملة، يحتلّ حلم مصر الحرّة في أذهان الكثير من العرب محلّ المرتكز، وهذا أمر كثيرًا ما أثار سخرية الأصدقاء المصريين، وبضمنهم ناجي). يقول الاقتباس: “يا مهرة، يا حبّالة، يا ولّادة“.

الجرافيك

الجرافيك

كان الجرافيك تقريعاً لمصر، بعد انكفاء الثورة: توقفي عن الحبل بالأمل وإنجاب الخيبات القاتلة وإلقاءها على رؤوسنا. (في فلسطين هنالك مثل شعبي معناه أن حجم العتب يتناسب وحجم المحبّة) وهو تضادّ مع طاقة الأمل الرحبة الدافئة المنبعثة من قصيدة نجم، والتي لا تأبه بحياء نظام “ما يصحّش كده”، ولا بحياء الديناصورات التي تفتّش في سراويل البنات الداخلية عن معاني العذرية: “سلامتك من آلام الحيض، من الحرمان، من القهرة“.. “يا ستّ الكلّ يا طاهرة“.. “سلامة نهدك المُرضِع“.

تبدّت هذه الخيبات القاتلة واضحة في الفرق بين ما كتبه ناجي إبّان الثورة وبين ما كتبه بعد الانقلاب عليها (وضوحاً، في أحداث محمد محمود، قبل مجزرة رابعة بكثير). وأكاد أجزم أن ناجي لن يسامح أبدًا الثورة التي انتشلته من السوداوية، لأيام معدودة قبل أن تلقيه في حضنها بقوة أكبر. وهو إثباتٌ لما أظنّه مقولة ناجي الأساسية التي، بقراءتي، تتلخص في أن الحل لا ينبغي أن يكون تجميليًا بالمطلق. ينبغي فرض تغيير حقيقي يطال جذور المجتمع، وهو ما يحلو لي أن أعتبره  تفسيرا لغضب ناجي اللاذع.

وصلني خبر حبس ناجي مساءً، أثناء مظاهرة تضامن مع صحفي فلسطيني يدخل اليوم التسعين لإضرابه عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله الإداري بلا محاكمة. وكان بعض المتظاهرين الذين أسعدتهم الذائقة بالقراءة لناجي في هذا الجزء من العالم قد تناقلوا الخبر بما يشبه وقوع الطامّة. ولسبب ما، بدا الأمر لي مُخجِلًا.

ما يثير الأسف والحيرة فعلا (أقول هذا من دون أية نية مبيتة، وبخجل حقيقي) أن هامش التعبير حتّى هنا، أي تحت الاحتلال، أوسع مما هو عليه في مصر. هذا يعني أن مصر أيضًا واقعة تحت احتلال، هكذا من دون ماكياج. وهذا يذكرني بما قاله لي ناجي ذات مرة: “لو استمرت الأمور كده، واضح إن إحنا اللي هنطلب لجوء سياسي عندكو“. مع حفظ الفروقات طبعًا، فالنظام السياسي هنا يريد بسط سيطرته، في المجمل، في الحيّز المادّي: فعلى الأرض أن تنبسط تحت الحذاء العسكري والبلدوزر، وعلى البشر أن يعملوا في ورشات بناء المستوطنات ومصانعها، وفي الليل، بعد انتهاء الوردية، بإمكانهم أن يقولوا ما يشاؤون. النظام في مصر مختلف تمامًا، لأنه يريد بسط نفوذه أيضا على ما وراء الفيزيائي، فهو يرغب بالنفاذ ، بحسب بورديو، إلى الكلام،  إلى التربية، وإلى أشكال الإقناع الصامتة. نظام الجنرال في مصر ليس احتكارًا للعنف المادي وحده، كما هو الحال في بقية أرجاء هذا العالم . فالدولة المصرية ترغب أيضًا في احتكار البذاءة.

للتوضيح:  أعتقد، جازمًا، بأن المؤسسة الأمنية المصرية تقوم بإهانة الجندي المصري بما هو أكثر من فِعل إهانته بواقٍ ذكري منفوخ على شكل بالون. وهذا النظام يقترف بذاءاته، يوميًا ويقرفنا أيضا، بما يجعل كلمة “الخدش” في عبارة “خدش الحياء” مجرّد توصيف وردي ومتفائل.

لماذا، إذاً، يصاب النظام بالصرع؟

ينفجر جنون النظام لأن ما يقوم به أفراد مصريون كناجي هو، عمليا، كسر “احتكار” العنف والخدش. وفق تصور النظام.

ليست قضية أحمد ناجي هي الأولى في معارك الرقابة والمبدع في مصر بالذات، فلماذا ألقي باللائمة على النظام السياسي؟

كلّا، ليست المشكلة فحسب مشكلة المنظومة القضائية  البالية، ولا هي ارتطام الأدب الطليعي بالمجتمع ومحاذيره. إنها ارتطام الحرية الفردية (وتشظّيها ربما) بجدار يصلّبه النظام السياسي الفاشي القائم. إن هذا النظام يستند إلى جدار طمأنينة مجتمعيّ بالٍ، لكن الكثيرين يستفيؤون بظلّه.  ظلّ الطمأنينة التي تشترط بقاء الممارسات والأخلاقيات والتصورات حول ما هو أخلاقي بمثلث من اللحم بين الساقين، فيما الخراب يعمّ البلاد. وهذا يعني أيضا، وبالضرورة، بأن ما قام به أحمد ناجي لم يكن مجرد سرد روائي وإطلاق خيال، بل إنه إعمال المعول في الحائط الذي يكتسحه العفن، والذي يستند النظام إليه.

موضوعيًا، حبس روائي لسنتين ليس كارثة. (علينا أن نتذكر بأننا لا نعيش في زيورخ، وبأن كل شيء نسبي. فقبل أيام من الحكم على ناجي، حكموا على طفل يبلغ من العمر أربعة سنوات بالسجن مدى الحياة -أية بجاحة تمتّع بها القاضي وهو يتلفّظ بكلمة: الحياة.. “مدى الحياة”!. أية بجاحة تملّكت ناجي أيضًا وهو يسمّي روايته استخدام “الحياة”.. الحياة؟ فعلا؟ الحياة يا ناجي؟!-).  في اعتقالكَ تبدو مصر كلّها محبوسة في هامش هذا الوجود البيولوجي الذي يُطلَق عليه، من دون تمحيص، اسم الحياة. ومصر كلّها تسدد فاتورة الأمل الذي بعثَتْهُ في العالم قبل سنوات تبدو اليوم سحيقة. وسيظلّ الناس هنالك يدفعون الثمن إلى أن يتم إسقاط النظام. لأن الاحتمال الآخر، أي احتمال ترويض الناس، هو أمر لا نهائي ولا قاع له، هكذا على الأقل نتعلم من تجربة الجنرال الحاكم قبل الربيع وبعده. أما الكارثة فهي سكوتنا نحن على بيادات تريد، بغباوة، سحق ربيع كامل. لأن الضمانة الوحيدة لانتصار “بيادات” الدولة على الحياة، وعلى الحياء معًا، هي سكوتنا.

أقول هذا، وأنا أعي موضوعيّا، بأن كل تضامن، في وجه نظام شديد البذاءة، هذر. كلّ التضامن ليس سوى تغليف للهلام الذي هو نحن، هو تعبير عن العجز، وهو يعجز، حتى عن إثارة غضبه كما تفعل هتافات ماهينور، ورؤيا علاء، وكوندومز شادي، ومقالات أحمد ناجي. وأغلب الظن أن النظام في مصر سيفرض حظرًا حتى على هذا العجز المقنّع الذي اسمه تضامن. لأنه يريد استسلامًا كاملًا.  وهو يريد بسط نفوذ عنفه على حيّز النفوس لضمان بسط هذا النفوذ على الأرض. وما يبدو تهريجًا داميًا للنظام، في أروقة القضاء، وفي بوكسات ترحيل المساجين، وعلى يوتيوب، وفي المعتقلات والشوارع والنقابات والمشافي والمدارس، يعني أمرًا واحدًا: يريد النظام أن يتضح للجميع بأن “غباوته” ستطال الجميع. إن رسوخ هذه القناعة هي الضمانة الوحيدة لبقاء تحكّم مهرّجين يزينون صدورهم بنياشين من ورق مقوّى وملوّن، بمصائر وأخلاق، وأحلام، وحياة الناس. وتضامننا العاجز، هنا في فلسطين، بما هو عليه، ليس سوى كناية عن العجز. غير أن النظام يريد مصادرة كل شيء، حتى عجزنا ذاك. وهو يعني أمرًا واحدًا: تضامننا هو فعل نمارسه تجاه ذواتنا بالذات، فناجي الآن، وهو ينظّف أسنانه من صحن العدس اليومي ويقف بانتظار العدّ الصباحي، لن يتأثر كثيرا بهذا “التضامن”. نحن نتضامن لأننا نريد أن نصدّق بأننا نعيش “حياة”. أو، على الأقل، نستحقها.

________________

* يُنشر هذا المحتوى في إطار حملة مشتركة بين مواقع “مدى مصر“، “زائد 18“، “قُل” و”زحمة” للتضامن مع الكاتب أحمد ناجي.

اعلان
 
 
مهند أبو غوش