هيكل والأسئلة السهلة

أنهى الموت الصفحة الأخيرة من حياة الكاتب السياسي الاستثنائي محمد حسنين هيكل، وبدأ صفحات جديدة من الجدل المُثار حوله ومشروعه السياسي والفكري.

جلّ النقاش دار حول أمور شخصية تبدو ظاهريًا لافتة واستثنائية، كيف أن الرجل كان يستدعي الطبيب لأتفه الأسباب، كأن يتسرب الماء لأذنيه أثناء ممارسة السباحة، أو أن الوقت لديه له تقدير خاص. يدور الحديث عن الذاكرة الفولاذية والتفاصيل الحاضرة و”الإفيه” الذي يأتي في وقته ومكانه. لكن هل هذا أمر جدير بكل هذا التمجيد؟ فصورة  الرجل الدقيق للغاية تبدو متشابهة مع العرض المرضي الطبيعي للمتعايشين مع الوسواس القهري. والذاكرة الفولاذية والدقة اللافتة أمر موجود بين تلاميذ فصول المتفوقين وطلاب الإعدادي الذين يقدموا اختراعات يوميًا تذهل العالم كله.

إذن ما القصة؟ لماذا كل هذه الضجة؟ لماذا اشتعلت النقاشات بهذه الطريقة فجأة، ونخرج من ادعاء عن انجاز ما منسوب للرجل، لنصل في النهاية لحائط مكتوب عليه “وانت مين عشان تنتقد هيكل؟ قدمت انت إيه للصحافة ولا للسياسة؟!”.

في الواقع لا ينكر عاقل أن لهيكل قيمة ضخمة في الدولة والمجتمع المصري. لأمور كثيرة، كونه شاهداً متحيزاً غير موضوعي، بالطبع، على التاريخ، كونه صاحب نقلة هامة شهدتها الصحافة المصرية والعربية، كونه كان قريبًا من السلطة منذ ما سبق الدولة الناصرية. وهذا هو أصل المسألة، وعلى المستويات كافة.

التعبير الأدق الذي ينسحب على الموضوع برمته في كل جوانبه يمكن وصفه بالأزمة بين الجيلين، في الصحافة، والسياسية، والأيديولوجيا، بين جيل تربى على جمهورية العسكر والانقلاب، وجيل رأى ثورة جماهيرية بعينه ورأى هزيمتها أيضًا. الأزمة في مسألة هيكل هي أزمة أجيال كاملة عايشت البلد، أجيال لها منطق واحد، تعبّر عنه بدءًا من “الغالي تمنه فيه”، مرورًا بـ “راجل طيب الكرسي واسع عليه”، وصولا إلى “لا بس هيكل جامد، 93 سنة وفاكر عبد الناصر كل إيه يوم بيوم”.

استفزني خلال الأيام الأخيرة نقطتان منفصلتان إلى حد ما في مسألة هيكل. الأولى تتعلق بمشروعه السياسي وموقعه كمثقف من السلطة. الثانية تتركز بشكل أساسي حوله كصحفي.

في الواقع لم يقدم هيكل طوال حياته إلا مشروع مثقف السلطة، وهنا لا أعني سلطة بعينها وإنما السلطة كفكرة وكطبقة حاكمة بالمفهوم الماركسي. ببساطة، هيكل الذي يرى الكثير أنه آخر وأقوى رائحة من المشروع الناصري، كان مادحًا كبيرًا لسلطة الملك. وبعد موت عبد الناصر كان أساسيًا في ترسيخ السادات على مبادئ تناقض تمامًا مبادئ الدولة الناصرية، حتى أنه كان حاضرًا في تصفية رموز الدولة الناصرية بعد السادات.

وفي سنوات حكم عبد الناصر لعب هيكل ذات الدور الذي لعبه صحفي آخر مع مبارك مثل مكرم محمد أحمد مثلًا، ولأننا نسير نحو الانحدار بسرعة فائقة فيمكن مد التشبيه حتى نصل لرموز نخجل من وصفها بـ”السياسي” أو “الإعلامي” في العهد الآني.

كتب هيكل خطب عبد الناصر وأبرزها خطاب التنحي، كما كتب مكرم محمد أحمد خطب مبارك، ويقال إنه أيضًا من كتب خطاب ليلة موقعة الجمل. مثّل هيكل كل السياسات الناصرية في الصحافة، ومرر خطاب الدولة، وعادى أعدائها ولمّع رموزها، تمامًا كما فعل مكرم. حتى في القتل، تشابها.

في العام 1959 قتلت المخابرات السورية، بتخطيط وتحريض من الدولة المصرية، المفكر الشيوعي اللامح فرج الله الحلو، وذوبت جثته في الأحماض لتخفي الجريمة. وظل هيكل شهورًا طويلة يدور في الأروقة ويلقي حبرًا على الورق مؤكدًا أن الحلو حي يرزق في لبنان. وبعد أن باتت المسألة مفضوحة ظل حتى العام 1989 يردد أن الحلو مات “موتة ربنا”، ثم صمت.

ذات ما فعله مكرم محمد أحمد مع الجندي سليمان خاطر عام 1986 حين زاره في محبسه، وكان آخر من زاره بشكل معلن قبل مقتله من قبل المخابرات الإسرائيلية، وكان مكرم أداة الدعاية المباركية التي ظلت تردد أن خاطر لم يكن متوازنًا نفسيًا، وأنه بالتأكيد انتحر، والموساد بريء من دمه.

تلعب شخصية المثقف هذه الدور الشيطاني في تزييف الوعي والرأي العام بكل دأب. تختبئ وراء دورها كعارف ببواطن الأمور، ومُطلّع على المطبخ من داخله، لتصدر خطاب الدولة، في أكثر الأشكال انحطاطًا بكل التعالي على “صغار المجتمع”.

هذا يوصلنا للنقطة الثانية، هيكل الصحفي، أو “الجورنالجي”، كما يحب مريدوه تسميته. يمكننا القول أن هيكل أعاد تأسيس مؤسسة الأهرام، واستقطب كل الأسماء اللامعة من المفكرين والأدباء والمثقفين لاستكتابهم في صفحات الأهرام. وزاد أدوارًا في المبنى العملاق للمؤسسة، وباتت حالة الهلع تسود أروقة المؤسسة في موعد وصول “الأستاذ” وانصرافه، وعمّ النظام.

مسألة الصحافة نسبية بشكل كبير، بالطبع هناك معايير تحكم المهنة ومواثيق شرف، عادة ما تُخلق لتُخترق، وخلافه. لكنها في النهاية ليست مهنة تقنية لها قوانين علمية كالطب أو التدريس أو أي وظيفة خدمية كانت أو إنتاجية. من الصعب خاصة هذه الأيام، مع انتشار الإعلام البديل والمواقع الاجتماعية، الحكم المطلق على المهنية، لم يعد مقبولًا القول إن فلان أفضل صحفي في مصر، فالمهمة الأساسية في كشف البواطن وتعرية الحقيقة أمام الرأي العام باتت مفتوحة للجميع. من الصعب الجزم بالوصول لمنتهى المهارة والتفوق، لكن من السهل بمكان الحكم بارتكاب الصحافة لجريمتها الأكثر شيوعًا، بتزييف الواقع وتصدير صورة مقصودة، ووضع النتائج بشكل مسبق قبل السير على الخط المهني للتحقق والتحري.

كان هيكل في قلب السلطة الحاكمة لسنوات طويلة، وبوصفها الوحيدة في مدرسته الجديرة بصناعة الخبر -وهو البنية الأساسية لأي صحافة- فكانت مصدره الرئيسي: يستغل موقعه القريب من عبد الناصر لتصدير ما يريد عبد الناصر تصديره. ويستغل موقعه من السادات لينقلب عليه بعد أن قرر اعتقاله، وأيضًا بعد موت الأخير.

أخرج هيكل حقيقة السادات كما رآها في كتابه “خريف الغضب”، ومن خلال الموقع الذي احتله في السلطة، وفي مؤازرة السادات لتأسيس دولته الجديدة، خطّ هيكل بأكثر الأساليب انحطاطًا معركته. عشرات الصفحات خصصها هيكل ليفضح “الأصول السودانية” للسادات، وكيف أن الأخير غير اسمه من “الساداتي” إلى “السادات” ليتحايل على معنى الأولى ويجعل اسمه من “سادات القوم”.

ومرّت سنوات مبارك، كما ستمر لاحقًا في كتب التاريخ في أسطر موجزة، دون ضجة كبيرة أحاطت بالأستاذ، كما أحاطت به في سنوات مبارك الأخيرة، عندما قدم “شهادته” عن العصر في قناة الجزيرة القطرية.

وبالطبع لأن ذاكرة الاستاذ كانت حديدية، كانت شهادة هيكل عن التاريخ تحمل نفس آفات الكاتب الصحفي المتحدث باسم الدولة. عشرات السنوات مرّت على الرجل، وهو لا يزال يهاجم المشروعين اللذين شكلا بديلين عن مشروع عبد الناصر، الشيوعيين والإخوان.

وفي السنوات القليلة الماضية لم يتبق الكثير من “الأستاذ”، سوى حلقات مع “الإعلامية لميس الحديدي”، وحوار مع صحيفة “السفير” اللبنانية، في 2013، أكد فيه أن السيسي لن يترشح لرئاسة الجمهورية، ومن المحتمل أن “الأستاذ” خانته ثقة النفس وقتها، فسارع بالنفي على صفحات “الشروق المصرية”، قبل أن يترشح السيسي ويصبح رئيسًا، ويستكمل هيكل حديثه مع لميس، كأن السيناريو كان وفق تنبؤاته.

اعلان