هيكل بين غرفة الأخبار ودهاليز السلطة: حقائق العصر تختبئ بين الظلال

كل خطوة في المشوار الأسطوري للكاتب الراحل كانت مثارًا للجدل، وللاختلاف السياسي والثقافي، رغم أن الجميع يتفقون على موهبته المهنية النادرة، وذكائه الحاد، ونظامه الذي يلامس حدود الهوس، وأيضا عصاميته التي كان يحاول إخفاءها.

بزغ نجم هيكل بالتزامن مع صعود ناصر في الخمسينيات، وهنا تظهر نقطة الجدل الأولى: كان هيكل صحفي السلطة، بينما يتخذ الصحفي موقعه في قائمة العظماء ببعده عن السلطه ونقده لها، وهو ما كانه هيكل في النصف الثاني من عمره المديد الثري.

علاقته بالرئيس عبد الناصر تشبه علاقة المتنبي بالأمير سيف الدولة، شاعر يرى في الحاكم نموذج البطل والفارس والمنقذ، فيتمثله ويتغنى بأمجاده، ويمدحه ظالمًا ومظلوما، منتصرًا ومهزوما. وصلت حالة التماهي مع الزعيم إلى درجة أن البعض يرى أن ناصريته هي الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها، في زحام حياته وكتاباته.

خصومه لا يصدقون ناصريته، يقولون إنه اتخذ من الصحافة جسرًا إلى عالم السياسة، لأن بداخله زعيمًا مجهضا.

رجل السياسة

في فبراير 2012، وفي قاعة الاجتماعات بالدور السادس لمبنى جريدة الشروق، كنا نحتفل بعيد الميلاد الثالث للجريدة، وكانت المفاجأة حضور الأستاذ.

كانت قد مرت ثمانية شهور من حكم الإخوان، ودار الحوار عما يحدث لمصر، وقال فهمي هويدي إن هناك أكذوبة اسمها أخونة الدولة، لكن حقيقة ما يجري هو “دولنة” الإخوان، الدولة ركبتهم وبدأ يتغيروا.

وقال المهندس إبراهيم المعلم: الإخوان سألوني أمس عما إذا كنت أمول ملصقات دعاية ضدهم، وقلت لهم إن هذا ليس من عملي، وهناك كلام أن الملصقات تمولها جهات من الدولة.

وهنا قال هيكل: لا أظن، مافيش حكومة أصلا. من يتحدثون عن دولة عميقة لا يعرفون أنه لا توجد دولة أصلًا. مستوى الخدمة نزل حتى في القصر الرئاسي نفسه.

أضاف أن الاستقطاب وصل إلى درجة أكثر من اللازم، والإخوان يتصرفون بشكل يختلف عما سبق وصولهم للحكم، والمعارضة تخشى من استيلاء الجماعة على الدولة. لا يوجد بديل عن أن يطرح الرئيس محمد مرسي رؤياه فيما يشبه خطاب العرش، ثم تتناول المعارضة والأطراف الأخرى هذه الرؤيا بالتفنيد والحوار.

الجملة الأخيرة تعكس تصورات هيكل عن السياسات العليا، عن الشكليات التي لا يجب أن تمس، وعن “شياكة” ومنطقية الإجراءات السياسية، شياكة كانت مصر مؤهلة لوراثتها من الإمبراطورية البريطانية، لولا حركة الجيش المباركة، وديمقراطية الضباط الأحرار، بالمسدسات والنظارات السوداء.

سألني وسط الحوار: لماذا تكتب؟

قلت: أكتب لنفسي، وللذكرى.

شباب الأهرام

بعدها بدأت ذكريات الأهرام من جميل مطر وفهمي هويدي وحسن المستكاوي، الذي قال إنه دخل الأهرام عام 1968، فكان يمشي على أطراف أصابعه، “خايف صوت الجزمة يوصل قسم الديسك المركزي”.

ورد هيكل: مافيش تقدم من غير نظام discipline. كان عندي مشكلة إن متوسط العمر في الأهرام فوق الخمسين، وبدأت أبحث عن شباب، منهم فهمي هويدي. لكن بعد خروجي جاء علي أمين انتقامًا من الأهرام، وأصيب شباب الأهرام بصدمة، وهم يرون تعاقب سبعة رؤساء تحرير على الأهرام في أربع سنوات.

انتقل هيكل للحديث عن ثلاثة تحديات تواجه الصحافة في الوقت الراهن: أن تسبق بالخبر، أن تقدم خلفياته في صورة معلومات دقيقة، أن تحلله.

نجاح الصحيفة الورقية الآن هو أن تذهب إلى حيث لا تستطيع كاميرا التليفزيون أن تذهب، أن تقدم الموضوع بعمق ودقة.

أصبح الصحفيون مثل عمال التراحيل، بيشدوهم بالليل على الفضائيات. صحفيون قليلون متفرغون للمهنة، وهناك استعداد لدى أغلب الصحفيين للتقرب من السلطة والتسكع في دهاليزها”.

الخلاصة: لن ينقذ الصحافة من أزماتها الحالية سوى الشباب، والنظام discipline.

قريبًا من السلطة

اقترب هيكل كثيرًا من السلطة، ولم يكتف بأن يتسكع في دهاليزها بتعبيره، حتى وصفه البعض بالمشاركة في “فكر” عبد الناصر، من كتابة الخطب والكتب باسم الزعيم، إلى صياغة أدق لحظاته بالقرار والكلمة، خطاب التنحي مثالًا.

الصحفي الذي نشأ في نظام ملكي، بدأ محاولاته بمدح الملك فاروق بمقال تحت عنوان في يوم عيدك يا مولاي،

غير أنه لم يصل إلى الملك الشاب في زحام المادحين، حتى وجد نفسه، بالصدفة والذكاء المهني، أمام عبد الناصر قبل أيام من ثورة 1952، وفي منزل محمد نجيب. كان أنفه الصحفي يقوده إلى أن الجيش سيكون صاحب المبادرة التالية. وفي فجر 23 يوليو كان في قيادة المنطقة العسكرية بالعباسية، وسط مجموعة الضباط الأحرار، يحاول أن يخمن شخصية القائد منهم، ويتصل بالإسكندرية، حيث كان الملك والحكومة، ورئيسه المباشر مصطفى أمين في حالة تصييف رسمية.

راهن هيكل بكل شيء ليصبح بجوار الرجل الأقوى، عبد الناصر، ليصبح صوته وقرينه وشريكه في كل لحظة حتى وفاته. كتب خطاباته، وشرحها في مقاله الأسبوعي “بصراحة”، الذي كانت مصر كلها تقرأه صباح الجمعة في الأهرام، ثم تستمع إليه في الرابعة عصرًا على موجة البرنامج العام.

أصبح هيكل المرجع الأول لوقائع وسنوات ناصر، وربما “لم يحصل على هذه الفرصة بالبراعة الصحفية أو بالذكاء الشخصي فقط، بل بانعدام الديمقراطية، وسيادة التكتم والقرار الفردي المفاجئ، ما جعل من الضروري أن يضيق نطاق المطلعين على الأسرار لأضيق حد”، كما يرى د. فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة الراحل.

سيد حروب الأرشيف

التحق هيكل بمعية ناصر بعد ولادة حركة الجيش في 1952، لكنه كان مهندس تثبيت أركان النظام تحت الأقدام المرتعشة للسادات في بداية حكمه، في مايو 1970. رغم ذلك، بدأت العداوة بين الرجلين بعد حرب أكتوبر، وانتهت باعتقال هيكل في سبتمبر 1981، قبيل اغتيال السادات بأسابيع. ولدى الإفراج عنه قرر هيكل أن الموت لا يطوي صفحة الخصام، وكانت واقعة كتاب “خريف الغضب.

تعرض هيكل في الكتاب لأسرار شخصية للسادات، مثل عقدته من لون بشرته السوداء، التي ورثها عن والدته السودانية، وتناول الفودكا مع الغداء، على أنها العوامل الفردية والعائلية التي صنعت شخصيته. وقال د. فؤاد زكريا وقتها إن هيكل سلط على السادات سلاح الأرشيف الجبار، أرشيف كان الجميع يخشاه، ويجعل هيكل واثقا أنه لن يعتقل.

أصدر زكريا كتابه “كم عمر الغضب” عن مطبوعات القاهرة عام 1984، ردًا على “خريف الغضب”، وفيه  يرى فؤاد زكريا أن “خطأ هيكل هو أنه استثنى نفسه تمامًا من اللوم، وصب الاتهامات على الغير”. “المشكلة ليست مشكلة هيكل وحده، أو التضاد بين هيكل والقوى التي وقفت تحتج عليه وتعترض، وإنما هي أوسع من ذلك وأخطر. فقد تشوهت أشياء كثيرة في عقولنا بفعل فترة القمع الطويلة التي لم تسمح لفكرنا أن ينمو ويتطور بحرية”.

هيكل الذي يهاجمه البعض بوصفه ناصريًا، كان الساعد الأيمن للسادات، وهو يطيح بالنخبة الناصرية الحاكمة في 1971، بعد أن وصمهم بمصطلحه الشهير “مراكز القوى” في انقلاب داخلي يحمل اسم “ثورة التصحيح”.

المحرض على النضال

في ظهيرة ساخنة من يوليو 1995 كنا في حديقة مبنى نقابة الصحفيين القديم. لم تكن القاعة الصغيرة تحتمل أعداد الغاضبين على قانون لمبارك صدر مغلظًا عقوبات جرائم النشر، فدخلنا في اعتصام مفتوح. وقرأ علينا الزميل يحيى قلاش، عضو المجلس وقتها، كلمة تضامن أرسلها الأستاذ. وقابلنا اسمه بالتصفيق اللائق، لكننا انفجرنا في تصفيق متواصل لعدة دقائق، عندما وصل إلى عبارته الشهيرة: أشهد آسفًا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع عقاب، وأنه يعكس أزمة سلطة شاخت في مواقعها.

يقول قلاش إن هيكل كتب الكلمة في يوم عطلته، وإنها زادت من الضغوط العاتية، ومن المقاومة المتصاعدة بسلامة المنطق والحجة وتعدد أساليب المواجهة، حتى انتهت المعركة بانتصار الجماعة الصحفية.

الجورنالجي

عندما كان شابًا، كان دائمًا في مواقع الأحداث الكبيرة.

نجح في أن يغطي ميدانيًا وقائع مقتل خط الصعيد، والحياة السرية لفتيات البغاء. كان الصحفي الذي ركب الطائرة بجوار الأميرة فايقة في رحلة العودة لمصر عام 1950، بعد إنذار فاروق لها بسحب ألقابها ومخصصاتها.

بعد صعوده إلى القمة كان في قلب الأحداث التي قادها عبد الناصر داخليًا وخارجيًا، والتقى بكبار الساسة الذين يحكمون العالم، وبشخصيات ثقافية ودينية مرموقة.

وبخروجه من الأهرام، لم يتوقف المخبر الصحفي داخله عن اللهاث وراء الأخبار الساخنة بالمنطقة، من إيران الثورة الإسلامية إلى مفاوضات السلام بين العرب وإسرائيل. كان قادرًا على صنع السبق الصحفي بعد سنوات من وقوع الحدث. كان على اتصال بالسياسيين وصانعي الأحداث، ومراكز البحث العالمية. كان يعرف المعلومة وظلالها وتفاصيلها، كما كان أديبًا ساحر الحكايات، قادرًا في كل وقت على إثارة الدهشة. ربما تعلّم الكثير عن ذلك حين كان مترجمًا للروايات البوليسية في شبابه.

أما هيكل “المدير” فقد منح للأهرام مذاقًا أدبيًا وثقافيًا من الطراز الرفيع، بالإضافة إلى مكانتها السياسية. استكتبت الصحيفة في عهده الصف الأول من مثقفي ومبدعي مصر، نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ولويس عوض ويوسف إدريس، وكل الكبار في ذلك الزمن.

***

دروس هيكل مثل حياته، ممتدة وثرية جدًا، رغم الجدل المستمر حول مهنيته، ومدى أمانته في نقل “كل” المعلومة. ما كان الرجل مولعًا بنقشه في ذاكرة التاريخ هو “صورة عصر ترسمها الوقائع بفرشاة الرسم، خطًا وظلًا ومساحات فراغ”، كما كتب في “تذكرة” الصفحة الأولى لكتابه عن مبارك وزمانه.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن