بعد تجديد حبسه للمرة التاسعة.. المتهم بـ “الرشوة الدولية” الذي استعانت به مؤسسات الدولة
 
 

جددت نيابة أمن الدولة العليا برئاسة المستشار تامر الفرجاني اليوم، الثلاثاء، للمرة التاسعة، حبس الباحث والصحفي هشام جعفر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية لمدة 15 يومًا، على ذمة القضية رقم 720 لسنة 2015 حصر أمن دولة، وحددت جلسة الأول من مارس المقبل لنظر أمر حبسه.

ووجهت نيابة أمن الدولة لجعفر تهمة “تلقي رشوة دولية”، وكانت هذه التهمة -المستجدة على الساحة القانونية المصرية- بالإضافة إلى تهمة الانضمام لجماعة أسست على خلاف القانون وراء استمرار حبسه منذ أكتوبر الماضي.

كان محمد الباقر، محامي جعفر، قد قال لـ “مدى مصر” في وقت سابق: “من غير الواضح تحديدًا الواقعة التي تستند إليها النيابة في هذه التهمة؛ لأن نيابة أمن الدولة العليا تحجب عن المتهمين مذكرة التحريات”.

وتعتبر قضية جعفر هي الأولى التي يتم فيها تفعيل التعديل الذي أقره الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر ٢٠١٤ على المادة ٧٨ من قانون العقوبات، مُجرماً تلقي التمويل من أي جهة أجنبية “بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها أو القيام بأعمال عدائية ضد مصر، أو الإخلال بالأمن والسلم العام”.

بحسب التعديل الأخير أصبح جعفر مهددًا بالسجن ١٥عامًا إذا ما ثبتت عليه تلك التهمة.

وبمراجعة الوضع القانوني لمؤسسة “مدى” وتاريخها، والمشروعات التي عملت عليها، يتضح أنها مؤسسة مرخصة، كما أن جميع مشروعاتها ومصادر تمويلها حاصلة على تصريحات.

أنشئت “مدى للتنمية الإعلامية” في عام ٢٠١٠ كمؤسسة غير حكومية، بترخيص من وزارة التضامن الاجتماعي. ومنذ ذلك التاريخ ركزت بشكل أساسي على مشروعات توعية وتدريب متعلقة بقضايا المرأة والأسرة والتوتر الطائفي.

يؤكد “الباقر” على حصول مؤسسة “مدى” على جميع التصريحات اللازمة من وزارة التضامن الاجتماعي، وعلى عملها على مشروعات تحت إشراف الوزارة. وكذلك يؤكد أن كل أعمال “جعفر” كانت تتم بتنسيق مع الدولة، بداية من حكومة عصام شرف المؤقتة في ٢٠١١، ثم المجلس العسكري، ومرورًا بكل الحكومات المتتالية منذ ذلك الوقت.

“جعفر” -الحاصل على ماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة- يعمل أيضًاً كمستشار لعدة جهات، منها اليونيسيف، والمجلس القومي للسكان، الذي عمل معه على إعداد استراتيجية قومية للسكان في ٢٠١٣.

وقبل إنشائه لمؤسسة “مدى”، كان “جعفر” رئيسًا لتحرير موقع “إسلام أون لاين” منذ تأسيسه عام ١٩٩٩ وحتى إغلاقه في ٢٠١٠ وانتقال فريق العمل لـ “مدى”.

كوثر الخولي، مديرة مركز “نون” لقضايا المرأة والأسرة، التابع لمؤسسة “مدى”، توضح أن هناك خلط بين موقع “إسلام أون لاين”، الذي كان بمثابة مصدر معرفي لكل ما يتعلق بالإسلام، وبين موقع “إخوان أون لاين”، وهو الخلط الذي تعتقد أنه قد يكون أحد أسباب اتهام جعفر بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين. كما تؤكد أن جماعة الإخوان كانت تختلف كثيراً مع مشروعات “جعفر” التي تقدم رؤية للإسلام مغايرة عن رؤيتهم، بل وتقول إن “الجماعة” دخلت في صراعات مع “جعفر” وحاولت التدخل لمنع المؤسسات المختلفة من التعاون معه.

المثير في الأمر هو أن العديد من المشروعات التي قامت بها “مدى” طوال الخمس سنوات الماضية -والتي قد تكون النيابة قد اعتبرتها مخلة بالأمن القومي- تعاونت فيها، بشكل مباشر، مع مؤسسات تابعة للدولة، وتحديدًا مع المجالس القومية والأزهر الشريف.

من أكبر المشروعات التي قامت بها “مدى” هو مشروع “نون الحضارة”، والذي امتد على مدار ثلاث سنوات بدءًا من يوليو ٢٠١٢، بالتعاون مع المجلس القومي للسكان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة. وعمل المشروع على عدة مخرجات تركز على قضايا المرأة من منظور إسلامي. وكانت إحدى تلك المخرجات سلسلة أفلام قصيرة تهدف لتوضيح اللبس بشأن المنظور الديني لبعض القضايا المتعلقة بالمرأة. كما تضمن المشروع أيضاً تدريب أزهريين على مناقشة قضايا المرأة في الإسلام.

تواصل “مدى مصر” مع فيفيان فؤاد، المسؤولة بالمجلس القومي للسكان، والتي رفضت التعليق على علاقة المجلس بالصحفي المحبوس. “فؤاد” هي منسقة منتدى “تمكين الأسرة المصرية” الذي نظمه “القومي للسكان” بالتعاون مع مؤسسة “مدى للتنمية الإعلامية”، وهو  التعاون الذي نتج عنه إصدار وثيقة تمكين الأسرة المصرية في ٢٠١١.

وشمل تعاون مؤسسة “مدى” مع الجهات الحكومية أيضًاً التعاون مع الأزهر ووزارة الأوقاف على تدريبات وأوراق عمل متعلقة بتجديد الخطاب الديني.

وهنا، تؤكد منار الطنطاوي، زوجة “جعفر”، أنه قد عمل بشكل مباشر مع شيخ الأزهر، وأنه كان يعمل على عودة دور الأزهر للصدارة.

أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة فكان تكريم مؤسسة “مدى” من قِبل منظمة حكومية بعد القبض على “جعفر” وإغلاق المؤسسة.

في شهر نوفمبر الماضي، منحت منظمة المرأة العربية -وهي منظمة حكومية- مركز “نون” لقضايا المرأة والأسرة، التابع لـ “مدى”، جائزة “أفضل إنتاج إعلامي حول المرأة العربية لعام ٢٠١٥”، وذلك عن “سلسلة حلقات حول قضايا المرأة في الاسلام”. وبناء عليه ذهبت “الخولي”، مديرة المركز، لتسلم الجائزة وهي غير متأكدة ما إذا كانت الجائزة سيتم سحبها أو أن كان هناك لبس ما. ولكن بدا وكأن القائمين على الجائزة غير مدركين للمفارقة، وبالفعل تسلمت “الخولي” الجائزة من كل من حرم الرئيس العراقي ووزيرة المرأة والأسرة المغربية والسفيرة مرفت التلاوي مديرة منظمة المرأة العربية.

كانت عدة منظمات حقوقية قد أصدرت نهاية الشهر الماضي بيانًا تضامنيًا مع جعفر، استنكرت فيه استخدام نص قانون التمويل الأجنبي ضده، متخوفين من كون هذه السابقة “تؤسس لمصادرة الحق في البحث العلمي وتداول المعلومات وتتعدى على حرية التنظيم وحرية الرأي والتعبير”. “إذ اعتبرت أجهزة الأمن -على خلاف القانون- أن ثمة ضرورة تقتضي أخذ موافقة الأمن على إجراء مثل هذه البحوث، بل وعرض نتائجها على أجهزة الأمن قبل الإعلان عنها بشكل رسمي سواء داخليًا أو خارجيًا، رغم أن هذه الأبحاث تمت بالتعاون مع جهات رسمية، وبمشاركة شخصيات عامة ورسمية”، بحسب البيان.

وفي هذا السياق، يرى المحامي الحقوقي أحمد راغب أن اللغة الفضفاضة لنص المادة المعدلة من قانون العقوبات تضع شريحة عريضة من الناس تحت طائلته، ومنهم الطالب الحاصل على منح دراسية، والباحث الحاصل على مقابل عمله من جهات أجنبية وغيرها من الأنشطة الشرعية.

فيما تؤكد “الخولي” أن المؤسسة كانت حريصة على اتخاذ الطريق القانوني، وتوقفت عن قبول مشروعات جديدة منذ بداية تضييق الدولة على التصريحات الخاصة بتلقي التمويل من جهات أجنبية في ٢٠١٤.

وفي هذا السياق يوضح راغب أن التصريحات نوعان: التصريحات التي ينص عليها القانون، وتلك التي جرى عليها العرف. وبينما لا توجد آلية قانونية للمحاسبة على غياب النوع الثاني ذي الطبيعة غير الرسمية، إلا أن قوانين العقوبات الفضفاضة، مثل قانون التمويل الأجنبي، تسمح بمعاقبة الممتنعين عن الحصول عليها.

كما يرى راغب أن الدوافع السياسية هي التفسير الأقرب للتضارب في موقف الدولة من مؤسسة “مدى”، خاصة أن جهات تابعة للدولة تتعامل مع جهات أجنبية. كما لا يستبعد أن يكون ضعف التواصل بين المؤسسات المختلفة للدولة أحد التفسيرات المحتملة أيضاً.

“نحن لم نرى نفسنا كمجتمع مدني مناهض للدولة”، تقول كوثر الخولي، وتضيف أن “مدى” سعت للعمل مع الدولة على القضايا التي تتبناها، مما زاد من دهشة الفريق عندما اقتحمت قوة من الملثمين المكتب في أكتوبر الماضي، شاهرين أسلحتهم. وهي القوة التي احتجزت العاملين في المؤسسة لمدة ١٢ ساعة، وألقت القبض على “جعفر” كما استولت على عشرات الحواسيب المملوكة للعاملين بالمؤسسة وعلى الأموال الموجودة بالخزنة، حسبما تقول “الخولي”.

كانت قوات الأمن قد داهمت مقر مؤسسة مدى للتنمية الإعلامية يوم 21 أكتوبر من العام الماضي، وألقت القبض على رئيس مجلس إدارتها، هشام جعفر، قبل أن تقتاده إلى منزله الذي قامت بتفتيشه أيضًا، ثم اصطحبت “جعفر” بعد ذلك إلى جهة مجهولة، حيث بقى مختفيًا ليومين، قبل أن يكتشف المحامون، بالمصادفة، وجوده في نيابة أمن الدولة العليا، وهو ما تلاه حبسه انفراديًا في سجن العقرب شديد الحراسة.

فيما تؤكد “طنطاوي” -زوجة جعفر، وأستاذة الهندسة بأحد المعاهد الخاصة- أنها لم تكن تعرف من المستهدف من الحملة الأمنية التي اقتحمت منزلها بالتزامن مع اقتحام مكتب “مدى” حتى أخبرها أحد الضباط أن زوجها محتجز، مكبل اليدين ومعصوب العينين، في سيارة بجانب المنزل.

تتذكر “طنطاوي” إنه تم احتجازها بمنزلها لمدة ١٧ ساعة يوم اقتحام المنزل، وتم الاستيلاء على أجهزة ومواد علمية تخص كل أفراد المنزل، بالإضافة إلى مفاتيح سيارتها الخاصة ورخصة قيادتها، ولم يسمح لها باسترداد أي من هذه الأشياء حتى الآن.

وتشتكي “طنطاوي” من التعسف الذي يقابله زوجها منذ القبض عليه. وتقول: “أنا أرى أنه يجب على الدولة تكريم أي شخص ينتج الأعمال التي أنتجها هشام جعفر في قضايا مهمة، وليس التعسف معه بهذا الشكل”.

بعد 118 يومًا على اعتقاله، يقبع جعفر الآن في سجن العقرب شديد الحراسة، المعروف كأحد أقسى السجون المصرية من حيث ظروف الاحتجاز. فيما تعاني زوجته لإدخال أدوية أساسية يحتاجها لمعالجة حالة مزمنة من ضمور في الأعصاب البصرية تهدد قدرته على الرؤية في غياب العلاج. وتركز الزوجة جهودها على طلب نقل زوجها لسجن بظروف أفضل.

اعلان
 
 
هبة عفيفي