شياطين التاكسي وملائكة “أوبر”

تخذلني بطارية سيارتي صباحاً، فأجد نفسي أمام خيارين:

 

  • السير نحو باب المدينة السكنية التي أقطنها على طريق الواحات، حيث تنتظر خمس سيارات تاكسي أبيض الرزق. سأخبر من عليه الدور بوجهتي إلى وسط البلد، ثم نبدأ التفاوض على السعر.

  • أستخدم هاتفي المحمول في طلب إحدى سيارات “أوبر” أو “كريم”، ليصلني سائق أنيق في سيارة ملاكي، لن يسألني على وجهتي ولن يفاوضني علي السعر.

 

الاختيار الثاني هو الأفضل لي بالطبع، لكن ما السبب وراء اختلاف المعاملة؟ هل أخلاق سائقي “أوبر” و”كريم” تدفعهم للرضا بالقليل، بعكس سائقي التاكسي الجشعين معدومي الضمير؟

تستخدم “أوبر” مايسمى بـ”النظام الديناميكي لتحديد السعر”، أي أنها باختصار تعتمد على “تعويم” سعر الرحلة طبقاً لقواعد السوق الرأسمالي في العرض والطلب.

مثلًا، يزداد عدد طالبي الخدمة الساعة الثالثة عصراً بميدان طلعت حرب، فيرتفع سعر الرحلة أتوماتيكياً من هذه المنطقة. يلاحظ السائقون أن سعر الرحلة يتضاعف، فيبدأون في الاتجاه للميدان للاستفادة من الربح المتزايد. في النهاية، يتوازن العرض والطلب فيبدأ السعر في الانخفاض، وهكذا.

ليلة رأس السنة في ولاية نيويورك الأمريكية، أدت هذه السياسة لارتفاع ثمن التوصيلة إلى أكثر من ٩ مرات ثمن التسعيرة العادية، ليفاجأ الركاب بأن ثمن الرحلة التي تستغرق ربع ساعة وصل بعض الأحيان إلى ألف دولار أو أكثر. دافعت “أوبر” عن سياستها، مؤكدة أن هذا هو السعر العادل لخدمتهم. أليست هذه التسعيرة المرتفعة هي ما أقنعت السائقين بالعمل في ذلك التوقيت الذي تفضل فيه الأغلبية الاحتفال حتى الصباح؟

أما “كريم” فهي تقدم خدمتها في مصر بسعر يقل ٥٪ عن سعر التاكسي الأبيض، لكنها تراعي العديد من العوامل الأخري في تحديد النسبة التي تحصل الشركة عليها من السائق. النسبة لا تزيد على ٢٠٪ وقد تنخفض إلى صفر بالمئة، طبقاً لظروف العرض والطلب، والزحام وساعات الذروة وغيرها من العوامل.

أما التاكسي الأبيض المنتظر أمام باب المدينة، فهو في الحقيقة يعتمد على مخاطرة استثمارية، حين يقضي ساعات طويلة دون عمل، بمكان لا يصله التاكسي إلا نادراً، وفي المقابل فهو يتفاوض مع الزبون على ثمن الانتظار الطويل ليغطي تكلفة استثماره.

باختصار، “أوبر” و”كريم” والتاكسي الأبيض جميعاً يحسبون العديد من العوامل المختلفة في سعر خدماتهم، غير أن التاكسي يعتمد على كرم زبائنه أو قدرته على التفاوض والابتزاز العاطفي أو حتى البلطجة للحصول على ثمن عادل، في حين يعتمد سائقو “أوبر” و”كريم” على تقنية حديثة بلوغاريتمات معقدة تغنيهم عن كل ذلك.

تتمتع “أوبر” و”كريم” بكافة الحريات التي يكفلها السوق الرأسمالي، تتنافسان في تقديم خدماتهما بأرخص ثمن، تهديان الزبائن الجدد رحلات مجانية، تخفضان الأسعار حين تشتد المنافسة، ترفعاها حين تحتاجان لزيادة هامش الربح، أما التاكسي الأبيض فهو محكوم بتسعيرة حكومية عتيقة ليس معمولاً بها في أي مكان بالعالم، لا تفرق بين مشوار لوسط البلد أو مجاهل التجمع الخامس، ولا بين من يعمل الساعة الخامسة عصراً أو فجراً.

يعتمد النموذج الاقتصادي لشركتي “أوبر” و”كريم” على توفير وسيلة للتواصل بين الزبون والسائق، مما يوفر على الاثنتين ثمن البحث والانتظار، ثم تحصل الشركة في المقابل على نسبة من ثمن التوصيلة مقابل توفير هذه الخدمة.

السائق هنا ليس موظفاً لدى الشركة، فهو يستطيع أن يعمل عدة ساعات في اليوم، أو لا يعمل على الإطلاق، كيفما شاء. نظرياً، يستطيع سائق “أوبر” أو “كريم” أن يربح ما بين سبعة آلاف إلى ١٢ ألف جنيه شهرياً، إن تفرغ للعمل يومياً لساعات طويلة، مقارنة بـ ٢٥٠٠ إلى ٤٠٠٠ جنيه شهرياً لسائق التاكسي الأبيض.

لكن الواقع يختلف كثيراً عن النظرية.

بعض شركات “الليموزين” في مصر وجدت في “أوبر” و”كريم” فرصة رائعة لتحقيق أرباح خيالية. بدأت هذه السيارات في الاستعانة بسائقين للعمل كموظفين على سيارات تملكها الشركات. يتقاضى السائق ما بين ٢٥٠٠ إلى ٣٠٠٠ جنيه شهرياً كراتب ثابت مقابل العمل لثماني ساعات يومياً، في حين تحصد شركات الليموزين الفارق لنفسها، وبالتالي يعود الربح الأكبر لشركات الليموزين، لا للسائقين.

“أوبر” و”كريم” تستفيدان من هذا النموذج، سواء شجعتاه أم لا. هذا النموذج يساعد بنسبة ما في أن يضمن لهما تواجد عدد كاف من السائقين في أنحاء القاهرة على مدار الساعة، وبالتالي تزداد جودة الخدمة، فالزبون ينتظر في المتوسط ٤.٢ دقيقة فقط قبل أن تصله السيارة.

في ذات الوقت، لا تتحمل “أوبر” أو “كريم” كلفة الحصول على مئات الموظفين المعينين بعقود ثابتة، مما يوفر عليهما تكاليف التأمينات الاجتماعية والصحية وحسابات الأجور، إلخ. تستفيد الشركتان من عمالة دائمة دون صداع دائم.

طبقا لتقدير فوربس الأمريكية، فإن شركة “أوبر” لو قررت توظيف جميع سائقيها في الولايات المتحدة بعقود ثابتة، فإن ذلك سيكلفها ٤.١ مليار دولار  سنوياً في التكاليف الإدارية والتأمينات الصحية وغيرها.

الحكومات حول العالم ليست سعيدة بهذا الوضع، لأن عدم تعيين السائقين بعقود واضحة يحرمها من الحصول على ضرائب عن أجورهم. السائقون أيضاً يحتجون أحياناً ويرفعون القضايا ضد “أوبر” وأمثالها من الشركات مطالبين بحقوقهم.

لسنا في أوروبا وأمريكا على كل حال. نحن في مصر، والسائقون يشعرون حقاً بالسعادة من عثورهم على وظيفة توفر لهم دخلاً جيداً وتحترم آدميتهم، ولا تضطرهم للتشاجر أوالتفاوض أو الاستجداء من الزبائن.

الحقيقة الغائبة إذن، أن العديد من هؤلاء السائقين لحساب شركات الليموزين العاملة في “أوبر” و”كريم” كانوا في الأصل سائقي تاكسي، قرروا تغيير نمط عملهم، بشراء سيارة ملاكي، أو الاستعانة بصديق يملكها، أو حتى بتأجيرها من شركات الليموزين.

ألا يفتح ذلك الباب للنظر إلى أن الفارق الحقيقي ليس في “نوع” السائق، بقدر ما هو الفارق في البيئة المحيطة به وشروط العمل؟

يقود سائق “الأوبر” سيارة “ملاكي”، وهو ما يجعله بطبيعة الحال أقل عرضة، نسبياً، للمخالفات والابتزازات التي يخضع لها سائقو التاكسي، حين يضطر آلاف من سائقي التاكسي لترخيص سياراتهم مرة كل ثلاثة أشهر لحين سداد ديونهم المتراكمة  للبنوك، حتى صار الكثيرون منهم على شفا الإفلاس أو السجن، وفي كل مرة يذوقون أنواعاً من المهانة ومذلة الانتظار والبيروقراطية القاتلة.

يدفع سائق التاكسي ما لا يقل عن ٣٥٠٠ جنيه سنوياً في التأمينات والضرائب ورسوم النقابة الإجبارية، دون استفادة حقيقية من كل ذلك. الأزمات الاقتصادية، الطرق المحطمة، غياب الأمن، شوارع القاهرة التي تزداد ازدحاماً يوماً بعد يوم فتضع على الجميع ضغطاً عصبياً لا يُحتمل، انخفاض دعم البنزين دون أن ترفع الدولة سعر “البونديرة”، كلها عناصر تدفع السائقين لحافة الانهيار العصبي، وتؤثر مباشرة على تعاملاتهم اليومية.

هنا تبرز أهمية نظام التقييم بـ”أوبر” و”كريم”، حيث يحق للراكب بعد كل رحلة تقييم السائق، الذي تقدم له شركته حوافز مادية متزايدة كلما زاد عدد الرحلات التي ينفذها، مع الوضع في الاعتبار نسبة رضا الزبائن. هذه الحوافز تعد ثمناً مناسباً يعوض الشركة عن المجهود العاطفي الذي تبذله لإسعاد الركاب. نظام عادل يكافئ العامل على إتقانه، ويعاقبه إن أساء الأدب، مقابل منظومة فاسدة تحكم بيزنس التاكسي الأبيض، تعاقب الجميع بالتساوي، صالحهم وطالحهم.

لا أشعر بذنب وأنا أطلب خدمتي “أوبر” و”كريم”، ولا أستطيع إنكار أن حياتي صارت أفضل كثيرا بسببهم.

أشعر باطمئنان حقيقي على سلامة زوجتي حين تستخدم خدماتهما، بعد أن كنت أعاني من إحساس مخزٍ بالذنب والتقصير حين أستمع لقصصها عن سخافات وتحرشات سائقي التاكسي

في ذات الوقت، لا أقبل الموقف المتحفز والعدائي ضد سائق التاكسي الأبيض، وأشعر أنه موقف شديد الأنانية. عندي يقين بأن بكل مهنة الصالح والطالح، لكن الفساد المؤسسي والمنهجي، أكثر قدرة على إفساد الصالحين، من قدرة الصالحين على إصلاح الفساد.

لا أعرف الحل، لكني آمل في إمكانية خلق نظام أكثر عدالة للجميع، وحتى ذلك الحين، سأحرص، لكي أريح ضميري، على ركوب التاكسي الأبيض كل فترة، ونصح السائقين بأن يستقيموا ليرحمهم الله!

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن