تحت القبة جريمة
 
 

داخل مسجد “الشافعي”، يجلس مسن مقتربًا بوجهه من ضريح الإمام، وأمامه مصحف يقرأ منه بينما يحتضن آخر شباك الضريح بخشوع، معلقًا بصره بالداخل.

إلى جانب ضريح الإمام الشافعي مقصورة أخرى يفصلها عنه فراغ بسيط مظلم على عكس الضريح المضاء.

ربما سَهَّل هذا إلى حد كبير حدوث الجريمة التي تظهر معالمها على مصراعي المقصورة التي تحيط بقبر السلطان الملك الكامل محمد.

المقصورة المحيطة بقبر السلطان الملك الكامل محمد

المقصورة المحيطة بقبر السلطان الملك الكامل محمد

كانت هذه المقصورة موجودة في الأصل حول قبر الإمام الشافعي، ثم استبدلت بمقصورة أخرى صنعتها لجنة حفظ الآثار العربية في عهد الخديوى عباس حلمى الثانى، ووضعت المقصورة القديمة فوق قبر السلطان الكامل بالقبة نفسها، وهي تتألف من أربعة جوانب من الخشب المطعم بالصدف والزرنشان، ومقسمة إلى ثلاثة أقسام أفقية: القسم السفلي عبارة عن حشوات مستطيلة تشتمل على زخارف هندسية من نجوم ومعينات وغيرها مطعمة بالصدف، أما المنطقة الوسطى والعليا فهى عبارة عن قوائم خشبية رأسية مطعمة بالصدف أيضًا، وتنتهي المقصورة بشرافات علي هيئة أوراق نباتية ثلاثية مطعمة بالصدف، وفي الضلع الشمالى الغربى من المقصورة يوجد بابها الذي يتألف من ضلفتين يعلوهما عقد نصف دائري، أعلاه ست حشوات كتابية مطعمة بالصدف تشتمل على أبيات من الشعر نصها:

إن للإمام الشافعي محمدا            سلطان مصر له جل مقام

ناهيك من ورد الحديث عجائب        العالم القرشي والإســلام

بالعلم قد ملأ الطباق فأرخت           لمحمد للناس خير إمــام 1185هـ

كُتب أسفلها: تجدد في عهد خديو مصر عباس حلمي الثاني سنة 1309هـ

***

في يوم التاسع والعشرين من شهر أبريل عام 2008 توجه أستاذ الآثار الإسلامية في جامعة الأزهر، محمد عبد الحفيظ، لزيارة القبة الضريحية للإمام الشافعي والتقط صورًا لما تحتويه أضرحتها من تفاصيل وكتابات وزخارف لاهتمامه بالتوثيق وبحكم عمله الأكاديمي. لم يكن يخطر في باله حينها أن تلك الصور، بما عليها من تواريخ، ستصبح وثائق وأدلة على جريمة وواقعة سرقة.

الصورة في 2008، قبل السرقة

الصورة في 2008، قبل السرقة

الصورة في 2015، بعد السرقة

الصورة في 2015، بعد السرقة

صورة أخرى للمقصورة

صورة أخرى للمقصورة

القبة الضريحية للإمام الشافعي هي مبنى أثري ملحق بجامع الإمام الشافعي في منطقة شرق العاصمة.تحتوي على أضرحة الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، وضريح شمسة زوجة صلاح الدين الأيوبي، وضريح الملك الكامل بن العادل ووالدته، ومقابر أولاد ابن الحكم وعدد من أئمة المذهب الشافعي.

بطرازها المعماري ومكانتها كمعلم وأيقونة للفن الإسلامي تحولت القبة تاريخيًا إلى موضع اهتمام حكام مصر المختلفين، تقول الجدران وكتب ابن إياس والجبرتي إن السلطان قايتباي أمر باصلاحها وتجديدها، تلاه في ذلك قنصوة الغوري، وأعقبهما علي بك الكبير، كما يقول المقريزي إن دفن ابن الكامل لابنه بجوار قبر الإمام، وأمره بإيصال المياه كان سببًا في إقبال الناس على بناء مقابر موتاهم في تلك المنطقة.

وكما كانت القبة محط اهتمام السلاطين والحكام كانت أيضًا مطمعًا لعيون اللصوص، يحكي ابن إياس أن بعض عسكر العثمانية هاجموا المقام أثناء حوادث سنة 923 هجرية ونهبوا ما فيه من البسط والقناديل بدعوى البحث عن فلول المماليك البرجية.

وفي كتابه الموسوعي “تاريخ المساجد الأثرية” يورد الباحث الراحل حسن عبد الوهاب في الفصل الذي خصصه لمسجد الإمام وقبته أشعار من مروا بالمكان ومنهم الإمام البوصيري الذي قال:

“بقبة قبر الإمام الشافعي سفينة  رست في بناء محكم فوق جلمود

ومنذ غاض طوفان العلوم بقبره استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي”

حين اكتشف عبد الحفيظ هذه السرقة في العام الماضي، توجه إلى المسئولين في وزارة الآثار فكلفوه بتشكيل وترأس لجنة بحث، انتهت إلى اثبات الواقعة في محضر رسمي، مع سرقات أخرى لحشوات وأجزاء من المقصورة، يحكي عبد الحفيظ أن مفتش الآثار المسئول عن القبة أبدى اندهاشه من انزعاج الوزارة وسأله: أنتم مكبرين الموضوع ليه؟

قرار تشكيل اللجنة

قرار تشكيل اللجنة

سألت عبد الحفيظ عن تاريخ سرقات الآثار الإسلامية وذكرته بواقعة سرقة غطيتها في عام 2010، أخرج فيها اللصوص منبر مسجد الأمير قانباي الرماح كاملًا، فقال عبد الحفيظ إن بُعد الأضرحة وغياب الرقابة وإسناد الأمر لمسئولين لا يدركون قيمة ما يحمونه يضاعف هذه الكارثة. وأضاف أن أجزاء كالصدف لا تقدر بثمن، وأن الحشوات تتحول إلى مقتنيات في المجموعات الخاصة للمهتمين بجمع الآثار في أوروبا والخليج.

يرى الباحث في الآثار الإسلامية سامح الزاهر أن هذه الواقعة استمرار لنزيف الآثار الإسلامية، ويشير إلى أن الكارثة، حسب وصفه، تتمثل في أن هذه السرقات يتم كشفها بالصدفة، ويقول إن غياب التأهيل لمشرفي الأمن في المناطق الأثرية، وتوزيع مهامهم على الآثار والسياحة أدى إلى سرقات عدة، من بينها باب مسجد المؤيد شيخ في شارع المعز لدين الله الفاطمي، يضيف الزاهر أن المسجد تسرق حشوات منه بشكل منتظم؛ فلا وجود لكاميرات مراقبة ولا إجراءات لحماية ومراجعة محتوياته، أو حتى قاعدة بيانات محدثة بمحتويات المساجد الأثرية ومقتنياتها. فالبيانات والمعلومات المتاحة كلها أوراق قديمة.

يرى الزاهر كذلك أن اعتبار سرقة الآثار جنحة في قانون حماية الآثار عقاب لا يتناسب مع حجم الجُرم وخطورته، ويطالب بإعادة النظر في هذا التشريع، كما يضيف أن توزُّع تبعية الآثار الإسلامية بين وزارتي الأوقاف والآثار ينتهي إلى تبادل الاتهامات بالمسئولية عن الإهمال والسرقات بينهما، ثم إثباتات في محاضر رسمية، وتغلق الملفات دون حل أو محاسبة.

يتذكر الزاهر ما شهده من سرقات خلال السنوات الأخيرة، من بينها اكتشاف سرقة النص التأسيسي لقبة الحريم بخانقاه الناصر فرج بن برقوق في منطقة جبانات المماليك قبل أسبوع، وقبلها سرقات حشوات منبر مسجد أبو حريبة، وكرسي المصحف من مسجد جانم البهلوان في الدرب الأحمر، والنص التأسيسي لإيوان السادات الثعالبة في نفس منطقة الإمام الشافعي، وأجزاء من الباب الخشبي لمسجد الأشرف برسباي.

شغل أستاذ الآثار الإسلامية محمد عبد اللطيف منصب رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية حتى نهاية يناير الماضي، ويقول إن اتصالًا أتاه من زميله السابق محمد عبد الحفيظ أخبره فيه باكتشاف واقعة قبة الإمام الشافعي فأمر بتشكيل اللجنة التي ترأسها الأخير، ورفع التقرير الذي خرج عنها إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار وانتهى الأمر عند ذلك.

سألت المسئول السابق عن مصير هذه الأشياء المسروقة فقال إن لجنة تم تشكيلها أيضًا كشفت في يناير أن أجزاء من منبر قايتبابي موجودة في احد البلدان الأوروبية، وأخطرت أجهزة الوزارة لاتخاذ إجراء.

ويتساءل عبد اللطيف عن مصير المقترح الذي طالما طالبوا به وهو تواجد شركة أمن خاصة تتولى المسئولية، بدلًا من موظفين يتركون أعمالهم عند الظهر ويتركون المفاتيح لمرتادي المساجد أو الأئمة فتكون عرضة للسرقة.

كان وزير الآثار ممدوح الدماطى قد قال في تصريحات صحفية في مايو من العام الماضي إن وزارة الأوقاف تنتهى من تأسيس شركة خاصة، تحت إشرافها، لتأمين كافة المساجد التابعة لها بما فيها كل المساجد الأثرية. وأن تلك ذه الشركة ستعمل على حماية وتأمين كل المساجد الأثرية، التى تتعرض دائما للسرقة وأن وزارة الآثار ستحتفظ بحقها فى وجود أثرى داخل كل مسجد مسجل أثر وتابع لوزارة الأوقاف. كما أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، مصطفى أمين في السياق نفسه أن وزارة الآثار شكلت لجنة مشتركة بينها وبين وزارة الأوقاف، لمتابعة أعمال تلك الشركة ووضع خطة لحماية المساجد الأثرية والوقوف على كل المشكلات التى قد تواجهها، ولمتابعة تأمين المساجد الأثرية بين الوزارتين خطوة بخطوة.

ما الذي تفعله الدولة في هذا الملف؟، وما مصير هذه البيانات واللجان؟ وكيف تتحول هذه السرقات إلى واقع يومي؟ وما مصير التعاون بين وزارتي الآثار والأوقاف؟

حاولت الوصول إلى إجابة على هذه الأسئلة لمدة ثلاثة أيام من وزير الآثار ممدوح الدماطي عبر هاتفه الشخصي، ومستشارة الوزارة للإعلام مشيرة موسى فقيل لي إنه مشغول بجولات مع رئيس الوزراء.. ثم انقطعت الردود بعدها.

اعلان
 
 
أحمد خير الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن