كيف يخنق أخطبوط “الجماعة” نفسه؟
 
 

“اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق الله رابطتها وأدم ودها واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير”.

ورد الرابطة، أهم “مأثورات” حسن البنا، مؤسس جماعة اﻹخوان المسلمين.

***

كيف يمكن تتبع خيوط الخلاف الدائر داخل تنظيم عملاق بحجم جماعة اﻹخوان المسلمين؟ يبدو اﻷمر معقدًا، خصوصًا حين تعرف أنه في حكايات هذه اﻷزمة هناك اثنان يدّعي كل منهما أنه يقوم بأعمال المرشد العام، وآخران يقول كل منهما إنه متحدث رسمي باسم الجماعة، فضلًا عن مجموعتين تمثل كل منهما مكتبًا مختلفًا للإخوان بالخارج، ولجنة ﻹدارة هذه اﻷزمة يدين رئيسها بالولاء ﻷحد أطراف الخلاف، بينما ينتمي معظم أعضائها للطرف اﻵخر. أضف إلى هذا أن هناك ثلاثة أشخاص اسمهم “محمود”، واثنين ينتهي اسميهما بـ “عبد الرحمن”، وعدد آخر غير قليل من “محمد”.

على الرغم من تعقيد المشهد؛ فإن أمرًا واحدًا يشترك فيه طرفي الخلاف: احترام اللائحة الداخلية للتنظيم، والادعاء أن مواقفها كلها تتماشى معها. وفي توافق ضمني، ينحصر الصراع بين الطرفين في مربع المناورات اﻹدارية داخل التنظيم، لتصبح المعركة اﻷساسية خلافًا فقهيًا حول تفسير بنود اللائحة وليس ثورة حقيقية عليها.

وفي تنظيم بحجم اﻹخوان، تتسبب كل مناورة في إحداث متتالية من التأثيرات على المستوى الداخلي للتنظيم، وعلى مستوى الحياة السياسية ككل. وعلى خلفية سياسية مشتعلة، تحولت الجماعة بسبب صراعاتها الداخلية إلى جماعتين: كل جماعة منهما تعمل تحت سيطرة أحد اﻷجنحة، كل منهما يعمل تحت اسم “جماعة اﻹخوان المسلمين”، ولا يشعر معظم اﻷعضاء العاديين تحت لواء كل جماعة أن هناك صراعًا يدور ناهيك عن أن يكون الصراع قد أدى إلى انقسام حقيقي.

وفي محاولة لتتبع خيوط الصراع والطرق التي سلكها، قام “مدى مصر” بمقابلة مع ثلاثة مصادر مختلفة: اﻷول مصدر مقرب من القيادة التقليدية بمكتب اﻹرشاد، والثاني قيادي شاب سابق بإحدى محافظات الدلتا، والثالث مسؤول لإحدى اللجان الفنية بالخارج.

كيف تنظم الجماعة نفسها؟

تبدأ المقاربة بفهم اللائحة التي يدور حولها الصراع وكيف يعمل التنظيم من خلالها. طبقًا للائحة الداخلية اﻷخيرة للجماعة، والتي صدرت عام 2009، ينقسم التنظيم جغرافيًا إلى 7 قطاعات: شرق القاهرة، غرب القاهرة، شرق الدلتا، غرب الدلتا، وسط الدلتا، شمال الصعيد، وجنوب الصعيد.

يحتوي كل قطاع منها على عدد من المحافظات، لكل محافظة مجلس للشورى، يتم انتخابه من بين أعضاء الجماعة في المحافظة. ويقوم مجلس شورى كل محافظة بانتخاب مجموعة من داخله لتمثيله في مجلس الشورى العام للجماعة، ثم ينتخب شخص واحد من بين هذه المجموعة ليعمل كرئيس لمجلس شورى المحافظة ومكتبها اﻹداري معًا. وتتولى المكاتب اﻹدارية للمحافظات مسؤولية تنفيذ سياسات الجماعة وتوجيهات مكتب اﻹرشاد في محافظاتها، طبقًا لما نصت عليه اللائحة.

كما تحدد اللائحة عدد أعضاء مجلس الشورى العام للجماعة من 75 إلى 90 عضوًا. وتختلف نسبة كل محافظة من مقاعد مجلس الشورى العام بشكل لا يمكن تفسيره في ظل غياب توثيق دقيق لتوزيع العضوية داخل الجماعة: نصيب محافظة الدقهلية 10 أعضاء، أي أقل بعضوين فقط من مجموع عضوية محافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) مجتمعة. وبينما تحصل محافظة اﻷسكندرية على 6 أعضاء فقط، يبلغ نصيب محافظة الشرقية بمفردها 8 أعضاء. ولا تحصل محافظتي جنوب سيناء أو مطروح على أي تمثيل.

يمثل مجلس الشورى العام- حسبما نصت اللائحة- السلطة التشريعية لجماعة الإخوان في مصر. وينتخب مجلس الشورى العام 16 من بين أعضائه لعضوية مكتب اﻹرشاد. يشكل هؤلاء -باﻹضافة إلى المرشد العام و3 يمكن لمكتب اﻹرشاد تعيينهم- مكتب إرشاد الجماعة. ويتم انتخاب مكتب اﻹرشاد لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

وباستثناء رئيس المكتب اﻹداري لمحافظة القاهرة، لا يجوز الجمع بين عضوية مكتب اﻹرشاد وعضوية أي مكتب إداري من مكاتب المحافظات.

وطبقًا للائحة، يمثل مكتب اﻹرشاد “الهيئة الإدارية والقيادة التنفيذية العليا”، ويمتلك صلاحيات واسعة. يحق لمكتب اﻹرشاد تعيين 15 عضوًا بمجلس الشورى العام، ويحصل كل من سبق له عضوية مكتب اﻹرشاد على عضوية دائمة بمجلس الشورى العام.

كما يمكن لمكتب اﻹرشاد تغيير عدد المقاعد التي تحصل عليها كل محافظة. ويحدد مكتب اﻹرشاد عدد اﻷعضاء بكل مكتب إداري، ويجوز له أن يقرر وقف بعض أو كل أعضاء أي من المكاتب اﻹدارية للمحافظات عن مباشرة أعمالهم، وأن يعين من يباشر مهام المكاتب بصفة مؤقتة حتى انتخاب مكتب آخر. وفي حالة تعذر اجتماع مجلس الشورى العام، يتولى مكتب اﻹرشاد جميع اختصاصاته.

يشكل مكتب اﻹرشاد، ومجلس الشورى العام، والمكاتب اﻹدارية للمحافظات، ومجالس شورى المحافظات.. المفاصل اﻹدارية اﻷساسية للتنظيم. وعلى الرغم من امتلاك مجلس الشورى العام، وبالتالي مجالس شورى المحافظات، حق تعيين أو عزل مكتب اﻹرشاد؛ فإن السلطة الحقيقية ظلت في يد مكتب اﻹرشاد بسبب صعوبات اجتماع مجالس شورى الجماعة بسبب الظروف اﻷمنية، خصوصًا منذ اعتقال السلطات المصرية لعدد كبير من أعضاء المجلس في آخر اجتماع كبير له عام 1995.

معارك اللائحة:

استقرت الجماعة على لائحتها اﻷخيرة بعد تغييرات عدة طالتها، عكس كل منها مرحلة من مراحل تطورها. بعد اغتيال مؤسس الجماعة ومرشدها اﻷول حسن البنا، اندلعت خلافات تعلقت بتولي قيادة الجماعة بين عدد من قياداتها وانتهت إلى وضع لائحة داخلية عام 1951.

استمرت اللائحة في العمل طوال فترتي حكم جمال عبد الناصر وأنور السادات. ومع بدء مع ما عرف بالتأسيس الثاني للجماعة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، والتي أعاد فيها التنظيم بناء نفسه بعد سنوات من الانهيار بسبب الاعتقال أثناء حكم عبد الناصر، اعتمدت الجماعة لائحة داخلية مؤقتة عام 1978. وفي عام 1982، تم إقرار لائحة داخلية جديدة.

يلاحظ عمار فايد -الكاتب وعضو الجماعة- في مقال له، أنه “مع التأسيس الثاني للجماعة -من أواسط السبعينيات وحتى حوالي عام 1987- أصبح التنظيم شديد المركزية والإحكام؛ لم تعد الجماعة ’جمعية‘ مفتوحة العضوية كحال جمعية «حسن البنا»، بل تنظيم مغلق بُني أساسًا على ثقافة السرية التي فرضت عليه بحكم الظرف السياسي العام وموقف الدولة الرافض لعودة الجماعة كمؤسسة طبيعية”.

ويضيف فايد أن تنوع مجالات وأنشطة الجماعة بين العمل السياسي والعمل الديني والدعوي، إضافة إلى الدور الذي اعتادت تقديمه كمؤسسة تنموية اجتماعية في مختلف القرى والمدن جعل من التنظيم “محصلة فريدة من كل هذا”، ومنحها “هامشًا واسعًا لاستقطاب الأعضاء وتلبية ميولهم، سواء أكانت سياسية أم تنموية أم دعوية”.

وفي عام 1994، أقرت الجماعة لائحة جديدة بعد “اتساع نشاط الجماعة، وعلى ضوء ما مر بها من تجارب”، حسبما جاء في مقدمتها. وكانت أهم التعديلات في هذه اللائحة تحديد مدة ولاية المرشد العام بست سنوات قابلة للتجديد.

معارك العقدين الأخيرين:

عبر اﻷعوام التالية، تعرضت الجماعة لعدد من الخلافات الداخلية تسرب بعضها إلى وسائل اﻹعلام، وانتهى كثير منها بخروج عدد من القيادات على درجات مختلفة من اﻷهمية والعدد. أولى هذه اﻷزمات الكبيرة كانت أزمة حزب “الوسط” في أواخر التسعينيات، والتي تسببت في استقالة أبوالعلا ماضي وعصام سلطان من الجماعة.

بدأ مشروع الحزب في أوائل التسعينيات كجزء من نقاش داخلي لتنظيم النشاط السياسي للجماعة، وكان ماضي- عضو مجلس شورى الجماعة وقتها- أحد أهم القائمين عليه. إلا أن الجماعة قررت مرة بعد أخرى رفض تبني مشروع الحزب. قرر ماضي، طبقًا لشهادته، تجاوز رفض الجماعة بالتقدم مباشرة إلى لجنة شؤون اﻷحزاب للحصول على ترخيص، وهو اﻷمر الذي أثار غضب مكتب اﻹرشاد. وحسبما ذكر ماضي؛ فإنه تقدم للجماعة باستقالته حين ضغطوا عليه من أجل إلغاء مشروع الحزب.

أشارت أزمة ماضي بوضوح إلى وجود مشكلة تنظيمية حقيقية تتعلق باتخاذ القرار. يذكر أحد أعضاء الجماعة أنه بعد انتهاء هذه اﻷزمة، قام مكتب اﻹرشاد بتوزيع ورقة داخلية على أفراد الجماعة تحمل عنوان “ظاهرة أبوالعلا ماضي”، ناقشت أسباب تمرد ماضي وخروجه. قدمت الورقة دراسة لنشأة ماضي وترقيه داخل الجماعة. وحسبما يقول؛ فإن الورقة انتهت إلى أن ماضي تمكن من الصعود في مناصب تنظيمية لكنه لم يمر بـ “تربية إخوانية” حقيقية، وهو التفسير الذي تم اعتماده في بلاغيات الجماعة منذ ذلك الوقت كمحاولة لفهم ظاهرة ستتكرر بأشكال ودرجات مختلفة.

يشير هذا التفسير إلى وعي قيادة التنظيم بتصاعد تيار يختلف عن القيادة التقليدية في رؤيتها لدور الجماعة وإمكاناتها، وامتلاك عدد غير قليل من هذا التيار القدرة على الترقي التنظيمي رغم غياب “التربية اﻹخوانية”.

وفي عام 2004، تسببت وفاة محمد مأمون الهضيبي- المرشد السادس للجماعة من 1996 إلى 2004- في إثارة الحديث عن اختيار المرشد الجديد. تنص اللائحة على انتخاب مرشد جديد من بين أعضاء مكتب اﻹرشاد. وحسب شهادة محمد هلال -أكبر أعضاء مكتب اﻹرشاد سنًا وقتها- كانت كل اﻷسماء مطروحة للتصويت. ورغم رفضه أن يكون مرشحًا، حصل محمد مهدي عاكف على أعلى اﻷصوات، يليه محمد حبيب -مرشح تيار التجديد داخل الجماعة- بفارق صوت واحد.

تمتع عاكف بقبول نسبي من أصحاب وجهات النظر المختلفة، خصوصًا بعد اختياره حبيب نائبًا له باعتباره ثانيًا في عدد اﻷصوات، وهو ما يعني أن حبيب يقوم بعمل المرشد في حالة غيابه. كما أعلن أنه سيكتفي بفترة واحدة كمرشد للجماعة ولن يقبل إعادة انتخابه لفترة أخرى.

بدأت الجماعة الانخراط في حراك سياسي مختلف عن دورها التقليدي تزامنًا مع الحراك السياسي الذي تشهده البلاد ككل في هذا الوقت، وظهور حركات مدنية ترفض استمرار حسني مبارك وتوريث الرئاسة لابنه جمال، وأجيال من المدونين، وشبكات التواصل الاجتماعي. أطلقت الجماعة مبادرتها للإصلاح الداخلي في مصر 2004، وأعلن المرشد رفضه استمرار مبارك خلال انتخابات الرئاسة 2005، باﻹضافة إلى المشاركة الواسعة للجماعة في انتخابات مجلس الشعب في العام ذاته.

وفي مايو 2008، قام مجلس الشورى العام للجماعة بانتخاب 5 أعضاء جدد لمكتب اﻹرشاد، بعد سجن عضوين من أعضاء مكتب اﻹرشاد هما خيرت الشاطر ومحمد علي بشر في قضية عسكرية عام 2006، وتدهور الحالة الصحية ﻵخرين. أثار هذا التصعيد أزمة داخلية بعد أن احتفظ للأعضاء المسجونين بعضوية المكتب، وهو ما جعل عضوية المكتب تصل إلى 20 عضوًا بالمخالفة للائحة التي تنص على أن يتشكل مكتب اﻹرشاد من 16 عضوًا.

وبرر حبيب -نائب المرشد وقتها- موافقته على التصعيد ورفضه ﻹجراء تعديلات على لائحة الجماعة، رغم مطالبات البعض، بأن “الجماعة تعيش ظروفًا سياسية غير صحية حاليًا، وغير ملائمة للقيام بمثل هذا الأمر الآن”.

وعبر عام 2009، تصاعدت أصوات داخل الجماعة تطالب بتعديل اللائحة وإجراء انتخابات جديدة لمكتب اﻹرشاد تشمل المقاعد الخمسة التي تم تصعيدها. واستجابت الجماعة في شهر مايو لمطالب تعديل اللائحة واعتمدت لائحة جديدة، وتم تأجيل الانتخابات حتى تنتهى فترة مكتب اﻹرشاد بحلول آخر العام.

وفي أكتوبر 2009، حاول عاكف وحبيب تصعيد عصام العريان -عضو مجلس شورى الجماعة والمحسوب على تيار التجديد وقتها- إلى مكتب اﻹرشاد بديلًا عن محمد هلال أكبر أعضاء المكتب سنًا والذي توفي في سبتمبر من العام نفسه. رفض باقي أعضاء المكتب تصعيد العريان، خصوصًا أن المكتب يزدحم باﻷعضاء الخمسة الذين تم تصعيدهم قبل أشهر.

وأدت أزمة تصعيد العريان إلى تقدم عاكف باستقالته من موقعه كمرشد للجماعة، وقام بتفويض حبيب قائمًا بأعماله لحين انتخاب مرشد جديد.

استطلع مكتب اﻹرشاد رأي مجلس شورى الجماعة في إجراء انتخابات جديدة لمكتب اﻹرشاد. تسببت نتائج تصويت مجلس الشورى في خلاف حول تفسيرها. رأى حبيب -نائب المرشد والقائم بأعماله- أن نتيجة تصويت مجلس الشورى تعني تأجيل الانتخابات، بينما رأى أنصار الجناح التقليدي أنها تعني إجراءها على الفور.

وبالفعل، تم إجراء الانتخابات في يناير 2010، وهي الانتخابات التي أسفرت عن اﻹطاحة بحبيب وعبد المنعم أبوالفتوح من مكتب اﻹرشاد، وتولي محمد بديع منصب المرشد العام للجماعة. وعلى الرغم من استمرار سجنه، احتفظ كل من الشاطر ومحمد علي بشر بعضوية المكتب. وكانت نتيجة الانتخابات وتشكيل المكتب تعني بوضوح انتصار القيادة التقليدية في هذه المعركة.

بدأ عمل مكتب اﻹرشاد الجديد منذ بداية 2010، وهو ما يعني- طبقًا للائحة- أن فترة ولاية المكتب تنتهي في عام 2013، وهو العام الذي سينتهي فيه حكم اﻹخوان لمصر أيضًا.

إدارة الأزمة الحالية:

بعد عزل الرئيس اﻷسبق محمد مرسي في صيف 2013، وطبقًا لمصدر مقرب من الجناح التقليدي في مكتب اﻹرشاد؛ فإن مجلس شورى الجماعة عقد اجتماعين منفصلين خلال وقت الاعتصام انتهيا إلى تشكيل لجنة ﻹدارة اﻷزمة التي تمر بها الجماعة تعمل لمدة 6 أشهر.

كما قرر مجلس شورى الجماعة تكليف كل من محمود حسين- اﻷمين العام للجماعة وعضو مكتب إرشادها- وجمعة أمين -عضو مكتب اﻹرشاد بالسفر إلى خارج مصر- لمتابعة أمور الجماعة إذا ما تطورت اﻷمور وقررت الدولة فض اعتصام رابعة، وهو ما تم في أغسطس 2013.

بعد فض الاعتصام، تم اعتقال عدد من أعضاء مكتب اﻹرشاد وقيادات أخرى متعددة. وطبقًا لمسؤول إحدى اللجان الفنية التابعة للجماعة في الخارج -رفض نشر اسمه- لم يتبق من أعضاء المكتب سوى محمود عزت -نائب المرشد- ومحمود غزلان وعبد الرحمن البر ومحمد عبد الرحمن المرسي ومحمد سعد عليوة، باﻹضافة إلى محمد كمال -مسؤول شمال الصعيد- والذي سيتزعم الجناح الجديد في الصراع فيما بعد.

وبسبب ظروف أمنية وصحية، توارى كل من عزت وغزلان والبر وعبد الرحمن المرسي عن اﻷنظار. يقول مسؤول الفرقة الفنية إن “التواصل معهم كان محدود جدًا وعلى فترات لإطلاعهم فقط على ما تم، أو لأخذ رأيهم في قرارات ذات طابع استراتيجي”.

يضيف كل من مصدر مكتب اﻹرشاد ومسؤول اللجنة الفنية، أن باقي أعضاء لجنة إدارة اﻷزمة برئاسة محمد كمال تولوا مسؤولية إدارة شؤون الجماعة.

وبحلول نهاية 2013، انتهت نظريًا فترة ولاية مكتب اﻹرشاد، لكن الظروف التي تمر بها الجماعة حالت دون طرح السؤال عما إذا كان المكتب الحالي سيستمر في عمله أم أنه سيتم إجراء انتخابات جديدة.

واصلت لجنة إدارة اﻷزمة عملها من أجل إعادة الانتظام لماكينة العمل اليومي والاجتماعات التنظيمية. وبعد انتهاء فترة عملها، قامت اللجنة بدعوة المتبقين من مجلس شورى الجماعة في فبراير 2014 لإجراء انتخابات أسفرت عن ضم 6 آخرين إليها. وتشكلت اللجنة من ممثلين عن القطاعات الجغرافية كلها، وهي اللجنة التي ستعرف فيما بعد باسم “لجنة فبراير”. وجاء ضمن اﻷعضاء الجدد كل من علي بطيخ -مسؤول مكتب 6 أكتوبر اﻹداري ثم مسؤول قطاع القاهرة وقت اﻷزمة- وحسين إبراهيم -أحد أهم قيادات حزب “الحرية والعدالة” وعضو مجلس الشعب السابق. وطبقًا لما أخبر به مصدر مكتب اﻹرشاد، شكل بطيخ وإبراهيم مع كمال نواة الجناح اﻵخر في الخلاف الذي سيبدأ بعدها بأشهر.

العنف وأشياء أخرى:

بدأت بوادر الخلاف داخل لجنة إدارة اﻷزمة، طبقًا لمصدر مكتب اﻹرشاد، خلال شهري مايو ويونيه 2014، ودار بشكل أساسي حول تعريف “السلمية” في الحراك التنظيمي لمواجهة “الانقلاب العسكري” وما إذا كان بعض القدر من العنف مطلوبًا خلال الحراك.

يرى الجناح الجديد، أصحاب ما يسمونه بـ “المنهج الثوري المبدع”، أن السلمية هي كل ما دون القتل. وبالتالي، تصبح كل عمليات الاعتداء على المنشآت وحرق السيارات وتعطيل المرافق جائزة وفي بعض اﻷحيان مطلوبة. بينما يرى الجناح التقليدي أن السلمية هي الالتزام الكامل بعدم ممارسة أي شكل من أشكال العنف مهما كانت درجته، ومهما كانت ضغوط الظرف الراهن.

في يناير 2015، دعا كل من كمال وإبراهيم وبطيخ، قياديو الجناح الجديد، إلى اجتماع لمناقشة سيناريوهات ذكرى الثورة، طبقًا لقيادي شبابي سابق بإحدى محافظات الدلتا، أقروا فيه أهمية تحول الجماعة لاستخدام العنف كخيار استراتيجي، وقاموا باعتماد لجنتين جديدتين لتبني هذه الاستراتيجية الجديدة، هما لجنة العقاب الثوري، وجبهة المقاومة الشعبية. وفي يوم 24 يناير 2015، أعلنت هذه اللجان عن تأسيسها، كما أعلن عن تعيين محمد منتصر -المحسوب على الجناح الجديد- متحدثًا رسميًا باسم الجماعة.

تتفق المصادر على أن بعض المحافظات التي اتجهت للعنف هي في أغلبها مناطق تخضع للنفوذ اﻹداري للجناح المؤيد للعنف قبل اﻷزمة، وأنها استجابت أكثر من غيرها إلى أفكار لجان العنف لهذا السبب. ويتحكم ثلاثي العنف- كما تتفق المصادر- في مناطق شمال الصعيد والقاهرة والإسكندرية والقليوبية والمنوفية وبعض أجزاء وسط الدلتا.

كانت هذه هي المرة اﻷولى التي يتخذ فيها الخلاف طريق السيطرة على المؤسسات والهيئات الرئيسية في الجماعة من مكاتب إدارية ولجان متخصصة. وبدأ الجدل الداخلي حول طبيعة “لجنة فبراير”، والدور الحقيقي الذي تضطلع به.

لكن الخلاف لم يتعلق بالموقف من العنف فقط. طبقًا لمسؤول اللجنة الفنية؛ فإن أعضاء اللجنة رفضوا أن يحتكر عزت كل الصلاحيات الرئيسية لمجرد كونه نائبًا للمرشد. “أعضاء [لجنة إدارة اﻷزمة] انتخبوا من قطاعاتهم، وبالتالي ليس من المقبول لدى مكاتب عدة أن يتم انتخابهم دون أن يتمتعوا بأية صلاحيات حقيقية”.

وأوضح المسؤول أن حالة التمرد في بعض المكاتب اﻹدارية على القيادة القديمة كانت بسبب انعدام الثقة في قدرتها على إدارة المشهد، خصوصًا بعد القبض على عدد كبير منهم واختفاء عدد آخر. وأضاف أن المكاتب اﻹدارية “رأت ضرورة إجراء انتخابات جديدة كي لا تظل الجماعة رهن قرار فردي”.

بدأت أخبار الخلاف في الظهور علنًا للمرة اﻷولى عبر رسالة افتراضية من المرشد العام تداولها شباب الجماعة وطالبوا فيها القيادة باﻹعداد لـ “انتخابات جديدة لمجلس الشورى العام ومكتب الإرشاد والمكاتب الإدارية للمحافظات والمناطق والشُعب والتنظيم الدولي”.

بالنسبة للجناح الجديد، تعمل لجنة فبراير كمكتب للإرشاد طبقًا للائحة، باعتبارها لجنة منتخبة من مجلس الشورى ﻹدارة شؤون الجماعة، وﻷن انتخابها جاء بعد انتهاء فترة ولاية مكتب اﻹرشاد بنهاية 2013. وطبقًا لهذه الانتخابات، يظل بديع مرشدًا عامًا للجماعة على أن يعمل كمال كقائم بأعماله بسبب سجنه.

لكن بالنسبة للجناح التقليدي؛ فإن مجلس شورى الجماعة لم يقرر اعتبار لجنة إدارة اﻷزمة مكتبًا للإرشاد وإنما أعطاه فقط صلاحيات إدارة المشهد، وأن نصاب اجتماع مجلس الشورى لم يكن يسمح له أصلًا بانتخاب مكتب إرشاد حتى إذا أراد بسبب سجن عدد منهم وهروب آخرين. بالنسبة إليهم، وطبقًا للائحة نفسها، يعني هذا استمرار مكتب اﻹرشاد القديم في منصبه.

وبسبب عدم امتلاك أي من أطراف الخلاف القدرة على حسمه بشكل نهائي، تمسك الطرفان بالدفاع عن مواقفها عبر تقديم تفسيرات مختلفة للائحة الداخلية.

حل لجنة إدارة الأزمات وتداعياته:

بعد تصاعد الخلاف، وعدم قدرة أي من الطرفين على احتواء اﻷزمة، اجتمع سبعة من أعضاء مكتب اﻹرشاد القديم في منتصف مايو 2015 -حسب مصدر مكتب اﻹرشاد- وقرروا حل لجنة إدارة اﻷزمة، وتحويل كمال وإبراهيم وبطيخ للتحقيق، واختيار لجنة من مجلس الشورى بقيادة محمد وهدان لحل الخلاف.

وطبقًا للمصدرنفسه؛ فإن لجنة وهدان قررت تجميد القرارات الصادرة عن كل اﻷطراف. وفي محاولة للتقريب بين وجهات النظر، قام وهدان بمقابلة كمال وكان على وشك مقابلة غزلان، إلا أن إلقاء القبض عليه قرب نهاية شهر مايو حال دون استكمال اللجنة عملها.

بعدها بأيام، أعلنت تسريبات نشرها موقع “مصر العربية” عن قرار بسحب الملف المالي من حسين- أحد أبرز رموز الجناح التقليدي- وتولي مكتب اﻹخوان بالخارج مسؤولية الملف، إلى جانب سحب اﻷمانة العامة للجماعة منه. ولم يتأخر الرد سوى ساعات؛ حيث أعلن حسين في بيان صحفي، أن عزت هو القائم بأعمال المرشد وذيّله بتوقيعه مصحوبًا بصفته “أمين عام الجماعة”، في إشارة لعدم الاعتراف بالقرار.

وخلال ساعات، وطبقًا لما نشرته صحيفة “الشروق”، واصل منتصر تصميمه في بيان له أن “المتحدث باسم الجماعة ونوافذها الرسمية فقط هم الذين يعبرون عن الجماعة ورأيها”. وأضاف منتصر أن “الجماعة أجرت انتخابات داخلية فى فبراير 2014، وقامت بانتخاب لجنة لإدارة الأزمة، مارست مهامها، وكانت نتيجة هذه الانتخابات استمرار بديع فى منصب المرشد العام للجماعة وتعيين رئيس للجنة إدارة الأزمة [هو محمد كمال]”.

وتابع منتصر تأكيده “أننا أجرينا تلك الانتخابات، برغم الملاحقات الأمنية، بمشاركة وعلم جميع أعضاء مكتب الإرشاد ومجلس الشورى العام للجماعة دون استبعاد أحد، التزامًا باللوائح المنظمة لعمل الجماعة ومؤسسيه اتخاذ القرار”. وأضاف أن “عزت وغزلان وحسين شككوا فى شرعية الانتخابات، ويرون أنها باطلة نظرًا لأنها تمت قبل موعدها المنصوص عليه لائحيًا، وكان طبيعيًا ألا يتم اختيار أي أحد منهم فأحدهم خارج مصر، والآخر مختفٍ، [والثالث مسجون]”.

وبعد يومين من حرب البيانات، أعلنت قوات اﻷمن إلقاء القبض على غزلان والبر بإحدى شقق مدينة 6 أكتوبر، ليتقلص عدد الحاضرين في المشهد من القيادة التقليدية أكثر وأكثر.

وفي رد منها على ادعاءات منتصر، قالت القيادة التقليدية في ورقة تنظيمية داخلية موجهة لأعضاء مجلس شورى الجماعة، ونشر موقع “مصر العربية” صورة منها، أنه لم يتم إجراء أي انتخابات في مجلس شورى الجماعة أو مكتب الإرشاد منذ فض اعتصام رابعة، ونفت وجود متحدث رسمي باسم الجماعة، وهو ما يعني نفي أي دور قيادي للتيار الجديد ككل.

معركة الخارج:

خلال هذه الفترة، بدأ عامل آخر في مضاعفة تأثيره على مشهد الجماعة الداخلي، وهو تنظيمها الدولي المسؤول عن علاقاته عبر العالم. كانت بريطانيا قد أعلنت في أبريل 2014، عن بدء التحقيق في نشاطات جماعات اﻹخوان وتحديد ما إذا كانت الجماعة تستغل وجودها في لندن للتخطيط لعمليات إرهابية. وطبقًا لما نشرته “نيويورك تايمز” في تقرير لها؛ فإن التحقيقات جاءت نتيجة لضغوط تبذلها مصر والسعودية على الحكومة البريطانية.

تأتي التحقيقات في ظل وجود عدد كبير من قيادات التنظيم الدولي في العاصمة البريطانية، وهو ما جعلها نقطة ارتكاز مهمة لعلاقات الجماعة الخارجية طوال الوقت. دفعت التحقيقات البريطانية وغيرها من الضغوط الدبلوماسية والسياسية القيادة الدولية للجماعة من أجل التدخل ﻹنقاذ الجماعة المأزومة في مصر ووقف اتجاه العنف بداخلها.

باﻹضافة إلى هذا؛ فإن الجماعة تلقت في هذه الأشهر عددًا من اﻹشارات الدولية حول إمكانية التفاهم اﻷولي معها في ظل طموح قيادات الجماعة لقبولها في معادلة دولية ما تسهم في تخفيف الضغط عنها داخل مصر.

وفي ظل القلق مما يمكن أن يتسبب فيه وصم الجماعة بأنها تنظيم يعتمد على العنف، قرر قيادات التنظيم الدولي التدخل في محاولة لرأب صدع التنظيم الداخلي.

وفي يونيه 2015، قرر المتبقون من أعضاء مكتب اﻹرشاد القديم اختيار لجنة جديدة للإدارة برئاسة عبد الرحمن المرسي- عضو مكتب اﻹرشاد والمحسوب على الجناح التقليدي، والهارب من حكم عسكري بالسجن المؤبد بتهمة التخطيط للانقلاب. وحسبما أوضح مصدر مكتب اﻹرشاد؛ فإن اللجنة ضمت كمال في أول اﻷمر، والذي وافق بدوره على الانضمام لها في إطار وساطة عدد من اﻷطراف لتفادي الانشقاق.

وفي إطار التقارب، وفي 9 أغسطس، أعلنت الجماعة اختيار إبراهيم منير -أمين سر المكتب الدولي للجماعة والمقرب من الجناح التقليدي- نائبًا للمرشد وقائمًا بأعماله، وتصعيد أحمد عبد الرحمن -رئيس مكتب اﻹخوان بالخارج والمحسوب على الجناح الجديد- إلى منصب نائب المرشد.

لكن حالة التقارب لم تستمر طويلًا في ظل استمرار الصراع فيما يتعلق بشكل القيادة واستراتيجية الجماعة. ففي رسالة موجهة إلى اﻹخوان داخل مصر، وحسب مصادر لجريدة “الشروق”، طالب منير القائم الجديد بأعمال المرشد بـ “بضرورة إيقاف العمليات النوعية فى أسرع وقت”، والتي “باتت تسبب حرجًا كبيرًا لقيادات الجماعة أمام المسؤولين الغربيين خلال الفترة الأخيرة”.

وفي اليوم التالي لتصريحات منير، أصدرت الهيئة الشرعية- وهي لجنة فنية مؤقتة تشكلت من أساتذة بجامعة الأزهر أواخر 2013 كلجنة للفتوى ومحسوبة على الجناح الجديد- بيانًا أكدت فيه تمسكها بالمسار الثوري، وهو البيان الذي اضطرت القيادة التقليدية إلى التبرؤ منه.

استمرت أعراض الخلاف عبر معارك من البيانات المتبادلة من حين إلى آخر، إلى جانب محاولات متواصلة للسيطرة على المكاتب اﻹدارية ولجان العمل المختلفة.

وأعلن مكتب اﻹخوان المصريين في الخارج والمحسوب على الجناح الجديد، في بيان له أنه وجد -بعد “تقصي الحقائق”- أن ممارسات حسين ألحقت ضررًا بملفات اﻷزمة الداخلية للتنظيم. وأضاف البيان أنه تمت إحالة نتائج التحقيق الذي أجراه المكتب إلى اللجنة اﻹدارية لاتخاذ ما تراه من قرارات. وحسبما أوضح مسؤول الفرقة الفنية، كان قد تم انتخاب مكتب للإخوان المسلمين بالخارج في شهر ديسمبر 2014، ضم أعضاء ممثلين للدول اﻷربع التي هرب إليها اﻹخوان بعد فض الاعتصام، وهي: قطر وتركيا والسودان وماليزيا، بناءً على طلب من لجنة إدارة اﻷزمة بالداخل. وعمل المكتب برئاسة أحمد عبد الرحمن -المحسوب على الجناح الجديد- لكنه شمل في عضويته عددًا من اﻷعضاء المحسوبين على الجناح التقليدي من بينهم حسين.

معركة المتحدث:

آخر هذه المعارك بدأ في 12 ديسمبر الماضي، حين تعرض حسين -رجل الجناح التقليدي بالخارج- إلى قدر كبير من اﻹحراج خلال لقائه على شبكة “الجزيرة” حين أصر محاوره على السؤال حول ما يصدره منتصر المتحدث الرسمي باسم الجماعة من تصريحات وبيانات ومدى تعبيرها عن رأي الجماعة. لم يكن في إمكان حسين سوى أن يكذّب عددًا مما صرح به منتصر -المتحدث الرسمي باسم الجماعة- ليعلن بهذا ضمنيًا عن بدء جولة محورية جديدة من جولات النزاع داخل التنظيم.

بعد يومين، الاثنين 14 ديسمبر، اتخذت القيادة التقليدية للجماعة قرارًا بعزل منتصر عن منصبه كمتحدث باسم الجماعة، وتعيين طلعت فهمي بديلًا له، وأرسلت نص القرار إلى عدد من الصحفيين عبر عناوين إلكترونية تابعة لمكتب الجماعة في لندن. كما تداولت وسائل اﻹعلام قرارات من رئيس لجنة اﻹدارة محمد عبد الرحمن المرسي بتعليق عضوية منتصر وكمال وآخرين.

لم يتمكن الجناح التقليدي من نشر القرار عبر موقع الجماعة اﻹلكتروني الرسمي أو صفحاتها على شبكات التواصل الاجتماعي بعد أن فقدت السيطرة عليها بسبب انحياز محرري هذه المواقع والصفحات إلى الجناح الجديد.

وعلى الفور، أعلن عدد من المواقع والصفحات التابعة للجناح الجديد عدم صحة اﻷخبار المتعلقة بإقالة منتصر. وفي بيان نشره الموقع الرسمي للجماعة، كذبت لجنة اﻹدارة قرارات رئيسها، مؤكدة أنها “لم تصدر أي قرارات بشأن المتحدث الإعلامي للجماعة، وأن محمد منتصر هو المتحدث الإعلامي”.

وأوضحت اللجنة في بيان آخر، أن القرارات والبيانات والرسائل الرسمية “تصدر من المنافذ الرسمية للجماعة فقط، وهي موقع “إخوان أون لاين”، والصفحة الرسمية للجماعة على موقع التواصل الاجتماعي الـ”فيس بوك”، والحسابات الرسمية للمتحدث الإعلامي للجماعة”. وطالب البيان وسائل اﻹعلام “تحري الدقة فيما تنسبه إلى الجماعة ومؤسساتها”.

من جانبها، أصدرت مكاتب عدد من المحافظات التابعة لسيطرة تيار كمال التنظيمية بيانات ترفض فيها قرارات القيادة التقليدية على مواقعها وصفحاتها على “فيس بوك” (كمحافظات القاهرة والإسكندرية والفيوم وبني سويف والقليوبية).

وأصدر أعضاء اللجنة اﻹدارية التابعون للجناح الجديد بيانًا أوضحوا فيه أن اللجنة اجتمعت برئاسة اﻷمين العام وحضور سبعة من أعضائها، وقرروا استمرار منتصر في منصبه، واعتبروا قرارات رئيس لجنتهم محمد عبد الرحمن المرسي بشأن عزل منتصر وتعليق عضويته وعضوية كمال تصرفًا فرديًا لا يمثل الجماعة.

وردًا عليه، أصدر عبد الرحمن المرسي بيانًا قال فيه: إن “أصل الموضوع ليس صراعًا بين طرفين”، واصفًا ما فعله أعضاء اللجنة التي يتولى رئاستها بأنه “خروج فئة على الشرعية وعلى منهجية العمل”. تعرض البيان إلى تفاصيل الصراع، وقال إن أعضاء اللجنة يريدون صلاحيات مطلقة ويرفضون اعتبارهم لجنة مؤقتة بالمخالفة لقرار اجتماع مجلس الشورى الذي قرر تشكيلهم.

وأعقب عبد الرحمن بيانه بتنويه عن أحد التفاصيل البيروقراطية، وقال إن أي اجتماعات للجنة الإدارية العليا لا تتم إلا بدعوة منه كمسؤول للجنة، وأن الموقوفين من لجنة الإدارة لا يحق لهم حضور أي اجتماع للإدارة.

وفي اليوم نفسه، تقدم أربعة من المحسوبين على القيادة القديمة من أعضاء مكتب اﻹخوان المصريين بالخارج باستقالاتهم في رسالة بعثوا بها إلى عبد الرحمن -رئيس اللجنة، وليس إلى اللجنة ككل- باعتباره “جهة الإدارة التي كلفت[هم] بالمسؤولية”، كما جاء في نص الاستقالة.

وعلى الرغم من أن الاستقالة لم تقدم إليهم؛ فإن باقي أعضاء اللجنة اﻹدارية أعلنوا قبولهم لها، ووجه اﻷمين العام للجنة مكتبَ المصريين بالخارج إلى المسارعة باستكمال تشكيل المكتب بعد استقالة اﻷعضاء.

وبعد يوم واحد، أصدرت القيادة التقليدية قرارًا ممهورًا بتوقيع عزت، أعلن فيه عن حل مكتب اﻹخوان المصريين بالخارج وتكليف رابطة اﻹخوان بالخارج (أو التنظيم الدولي) بإدارة الملفات التى كان يتولاها المكتب.

وجاء رد اللجنة اﻹدارية برفض القرار، معلنًا أن مكتب اﻹرشاد “منتهية ولايته”، وأن لجنتهم هي اللجنة المنتخبة الوحيدة التي تعمل بشكل مؤسسي.

قواعد متباعدة:

وعلى الرغم من الانفجار الذي تشهده قيادة الجماعة، لكن تداعيات اﻷزمة لا تؤثر كثيرًا في قواعدها، وهي ملاحظة تتفق كل المصادر عليها. يقول القيادي الشبابي السابق، إن اﻷمر الذي يشغل معظم أفراد الجماعة العاديين في معظم المناطق هو حضور الاجتماع اﻷسبوعي للأسرة- وهي الوحدة البنائية اﻷصغر في التنظيم- وتسلم اﻷوراق التنظيمية التي ترد من مسؤوليهم.

وأضاف القيادي أنه بعد سقوط مرسي وفض اعتصام رابعة، واظب عدد من اﻷعضاء على الاشتراك في مسيرات احتجاجية صغيرة على مستوى المدن والقرى أو أية فعالية تتعلق باﻷحداث السياسية، إلا أنها لم تكن واجبًا تنظيميًا لا بد من المشاركة فيه.

ويتفق كل من مصدر مكتب اﻹرشاد والقيادي الشبابي على أن معظم قواعد الجماعة لم يعرفوا عن وجود خلاف إلا بعد أن بدأ اﻹعلام في نشر أخباره. وعَجَز طرفا اﻷزمة عن تقديم خطاب سياسي قوي يجمع قواعد الجماعة على أجندة سياسية موحدة قادرة على تجاوز الخلافات التنظيمية، والمصاعب اﻹدارية التي يواجهها التنظيم بسبب إلقاء القبض على عدد كبير من القيادات الكبرى والمتوسطة.

ويعتقد مسؤول الفرقة الفنية أن “غالبية أعضاء التنظيم غير منحازة وتميل إلى تجاوز الأزمة عن طريق تنحي الجانبين وانتخاب قيادة جديدة في الداخل والخارج”. ويضيف المسؤول أن الغالبية ترى أن الجناح التقليدي تمت تجربته سابقًا وأداؤه سيئ، وأن الجناح الجديد لم يحقق حالة نجاح تمكنه من استقطاب قواعد الجماعة، وهو ما يلاحظه القيادي الشبابي أيضًا.

تتفق المصادر على أن طبيعة التنظيم والطريقة شديدة السرية والمركزية التي يعتمد عليها في التواصل التنظيمي الداخلي تتسببان في إبقاء معظم أعضاء الجماعة على الحياد في خلافات كهذه.

وتتسبب طبيعة التنظيم في اختزال الصراعات في السيطرة على اﻷذرع البيروقراطية المختلفة للتنظيم. وفي ظل غياب القدرة على تحقيق نصر واضح، ارتضى الطرفان استمرار الصراع في شكل بيروقراطي يتمثل في السيطرة على المكاتب اﻹدارية والموارد المالية ولجان العمل المتخصصة ومن بينها اﻹعلام.

لهذا، تأتي الاستقالة اﻷخيرة كتطور نوعي في الصراع. يعلن خطاب الاستقالة بوضوح أنها جاءت بسبب انحياز بعض القيادات ﻷحد طرفي الصراع، وأن هذا الانحياز كبير لدرجة أنه يأتي في صورة انسحاب من لجان تخضع للطرف اﻵخر وتقع تحت سيطرته.

وﻷن إعلان الاستقالة جاء علنيًا كأنه يقدم إلى الجمهور وليس إلى رئيس اللجنة اﻹدارية، ويأتي ﻷول مرة من قيادات كبيرة على هذا المستوى؛ فإن التطور الجديد يحمل إشارات مهمة حول الوجهة التي يمكن للصراع أن يسلكها.

وفي ظل اكتفاء جميع اﻷطراف على إدارة النزاع عبر أذرع اﻷخطبوط البيروقراطية؛ فإن كل محاولة للسيطرة على مكتب أو لجنة تعني أن جزءًا آخر من اﻷخطبوط ككل يتم خنقه، وأن عملية الخنق هذه تقوم بها أذرعه نفسها، تاركًا مساحة واسعة أخرى لوجهات مختلفة قد يقرر بعض أجزاء التنظيم أن يسلكها.

اعلان
 
 
محمد حمامة