بعد رفض “الخدمة المدنية”: هل عبث رئيس البرلمان بقرار الأغلبية؟
 
 

لم يغير رفض مجلس النواب لقانون الخدمة المدنية شيئًا يذكر في ظروف عمل ملايين من العاملين في الجهاز الحكومي، ببساطة لأن رفض القانون ليس ساريًا بعد، ومن غير الواضح إلى أي مدى زمني سيبقى الرفض مجمدًا فعليًا، وهو ما يعني أن القانون الملغي، نظريًا، يظل هو الساري فعليًا.

هذه المعضلة العملية أوضحها مسئول بارز في وزارة التخطيط قائلًا لـ “مدى مصر”: “قرار المجلس برفض القانون لم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية؛ لأن رئيس الجمهورية لم يتسلم رسميًا قرار المجلس مشفوعًا بالأسباب التي دعت المجلس لرفض القانون”.

كان مجلس النواب، في جلسته العامة يوم الأربعاء 20 يناير، قد رفض بأغلبية 332 صوتًا قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 18 لسة 2015 بشأن إصدار قانون الخدمة المدنية، وهو القرار بقانون الوحيد الذي رفض المجلس إقراره من بين 342 قرارًا بقانون صدرت في غيابه، وعُرضت عليه تطبيقًا للدستور.

وأضاف المسؤول في وزارة التخطيط، والذي طلب عدم ذكر اسمه: “السبب الواضح في هذا التأخير هو رئيس المجلس نفسه، والذي فضّل اصطناع هذا التأخير في محاولة منه لمد أجل العمل بقانون الخدمة المدنية قدر الإمكان”.

وتنص المادة 174 من لائحة مجلس النواب على أنه “إذا قرر المجلس الاعتراض على القرار بقانون أبلغ رئيس المجلس رئيس الجمهورية بقرار الاعتراض مشفوعًا ببيان عن الإجراءات التى اتبعت، والآراء التى أبديت، والأسباب التى بنى عليها قرار المجلس بالاعتراض”.

ولم يجب رئيس المجلس، علي عبد العال، على أكثر من اتصال هاتفي أجراه “مدى مصر” به للتعليق على الأمر.

كان وزير الشئون النيابية ومجلس النواب، مجدي العجاتي، قد قال في تصريحات صحفية يوم الأربعاء الماضي إن نشر قرار البرلمان برفض القانون يستلزم أسبوعًا، يفترض أن يكون العاملين في الدولة قد تقاضوا خلاله رواتبهم وفقا لقانون الخدمة المدنية، وأن يكون قانون جديد قد صدر. وهو ما لم يحدث .

فيما قال أمين عام مجلس النواب، المستشار أحمد سعد، في تصريحات أدلى بها اليوم، إن المجلس لن يستطيع إرسال مذكرة رسمية بأسباب رفض القانون لإخطار الرئيس رسمياً بقرار رفض القانون، إلا بعد التصديق على مضبطة مجلس النواب، وهو ما لن يتم قبل 7 فبراير المقبل، فى أول جلسة عامة للبرلمان، بحسب سعد، الذي أضاف أن ذلك يعني سريان “الخدمة المدنية حتى شهر فبراير”.

من جانبه، أضاف المصدر في وزارة التخطيط: “مجلس النواب قرر إلغاء قانون الخدمة المدنية مع بقاء آثاره، ما يعني القضاء على أية فرصة لإعادة إحياء قانون العاملين المدنيين في الدولة (رقم 47 لسنة 1978 وهو القانون الذي حل قانون الخدمة المدنية محله)”.

كان مجلس النواب قد وافق بأغلبية 468 عضوًا، في الجلسة نفسها التي رفض خلالها إقرار “الخدمة المدنية”، على تسوية ونفاذ آثار قانون الخدمة المدنية خلال الفترة الماضية.

وقال المصدر موضحًا: “في حال تسلم رئيس الجمهورية قرار مجلس النواب برفض “الخدمة المدنية” فسيكون عليه إما التصديق على إسباب رفض القانون وبالتالي نشر القرار في الجريدة الرسمية ، وفي هذه الحالة يفترض أن يتم إرسال مشروع قانون بإعادة العمل بقانون العاملين المدنيين للمجلس”، واستكمل: “ثمة احتمال آخر، هو أن يرى رئيس الجمهورية، بعد تسلم قرار مجلس النواب، إمكانية تعديل قانون الخدمة المدنية، وبالتالي يرسل إلى المجلس مشروع قانون جديد متضمنًا التعديلات”، وأضاف أنه في الحالتين سيبقى من غير الواضح أي قانون سيكون ساريًا قبل إقرار المجلس لمشروع القانون الذي سيعرض عليه.

وعقب المصدر قائلًا: “واقع الأمر يشير إلى فراغ تشريعي محتم في كل الحالات، وهو الأمر الذي استشعره علي عبد العال مبكرًا، وما أدى به بالتالي إلى تعطيل إرسال قرار مجلس النواب لرئيس الجمهورية عمدًا”، مضيفا: “الحكومة لم تطلب منه ذلك.. هو قرر بنفسه أن يسلك هذا المسار”.

كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد لام على نواب الشعب رفضهم قانون الخدمة المدنية، وذلك خلال الكلمة التي ألقاها يوم السبت الماضي بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة، والتي اعتبر فيها أن “الخدمة المدنية” قانون يهدف للإصلاح.

طارق عبد العال -مدير الوحدة القانونية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية- علّق على تأخير نشر قرار البرلمان برفض القانون قائلًا: “الدستور المصري ينص على نشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال مدى زمني معين من تاريخ صدورها تمهيدًا لسريانها… إذا تجاوز رئيس الجمهورية هذه المدة قبل نشر قرار مجلس النواب يمكن مقاضاته، وإن كانت المسئولية في هذا الأمر تقع على عاتق رئيس المجلس فيمكن مقاضاته هو الآخر”.

وتنص المادة 225 من الدستور على أن “تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إصدارها ويعمل بها بعد ثلاثين يومًا من اليوم التالي لتاريخ نشرها، إلا إذا حددت لذلك ميعادًا آخر. ولا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها”.

مايسة عطوة، عضو لجنة القوى العاملة في مجلس النواب، قالت لـ “مدى مصر”: “وزير التخطيط أشرف العربي استبعد تماما خلال مناقشة القانون عودة قانون47”.

وأوضحت قائلة: “طالبنا بتعديلات تسوية عودة الموظفين المعارين إلى درجة وظيفية مساوية لأقرانهم، بعكس الوضع الحالي الذي يتيح فقط عودتهم إلى سابق درجاتهم الوظيفية، وبتعديل نسبة الزيادة السنوية في الأجر التي حددها القانون بخمسة بالمئة فقط بغض النظر عن معدلات التضخم، كما طالبنا بمحو المخالفات البسيطة من السجل الوظيفي، لكن الحكومة رفضت باصرار”.

وهو ما علق عليه المصدر من وزارة التخطيط قائلًا: “لا يمكن تسوية عودة الموظفين المعارين إلى درجة وظيفية مساوية لأقرانهم كما كان الوضع في السابق، والذي كان يتيح ذلك بحد أقصى أربع سنوات، في ظل التحايل الذي كان البعض يلجأ إليه، ممن كانوا يقطعون فترة الإعارة ثم يواصلونها، أما الزيادة السنوية في الأجر فالأمر يرتبط فالأوضاع المالية للموازنة العامة أولًا وأخيرًا، وبناء على ذلك يبدو التعديل مستبعدا”، مضيفًا: “أم فيما يتعلق بمحو المخالفات فالحكومة تعتزم فعلًا إتمام هذا التعديل”.

فيما قال أحد أعضاء لجنة القوى العاملة في البرلمان، إنه خلال مناقشة اللجنة للقانون “اقترح النائب بهاء أبو شقة والوزير مجدي العجاتي الموافقة على القانون واعتماد حزمة من التوصيات بشأن تعديلات عليه تلتزم بها الحكومة في مشروع قانون جديد تتقدم به لاحقًا للمجلس، لكن الأغلبية رفضت”، وأضاف العضو الذي طلب عدم ذكر اسمه: “ومع ذلك يبدو الوضع الحالي كما لو أن قرار الأقلية قد نفذ فعليًا، في ظل استمرار العمل بقانون الخدمة المدنية انتظارا لمشروعات تعديل تتقدم بها الحكومة”.

اعلان
 
 
بيسان كساب