في ذكرى “يناير”: تدوينة: أنا ما نزلتش التحرير

النهاردة ٢٥ يناير ٢٠١٦، والساعة دلوقتي واحدة إلّا خمسة، وأنا ما نزلتش التحرير.

الحقيقة أنا مش بس ما نزلتش التحرير، أنا مش في القاهرة أصلاً. أنا في حتة بعيد جداً عن التحرير. نفس الحتة دي كنت فيها يوم ٢٥ يناير ٢٠١١، ده مش تشبيه، أنا مش قصدي أقول ان كل حاجة رجعت زي ما كانت وإننا دلوقتي في نفس المكان اللي كنّا فيه قبل الثورة، لأ أنا قصدي أقول إن أنا قاعد دلوقتي على نفس الكرسي اللي كنت قاعد عليه يوم ٢٥ يناير ٢٠١١.
زي الأيام دي من ٥ سنين كان كل اللي شاغلني فيلم لسه مخلصين كتابته ومتحمسين لبداية تصويره، الفيلم الحمد لله اتصور واتعمل واتعرض السنة اللي فاتت وطلع زي الخرا. كنت كمان بافكر في شغلي ومستقبلي وحاجات من النوع ده، وما كنتش متوقع معجزات كتير تحصل لي على المستوى الشخصي، الحياة دارت بيّا، وعلى عكس توقعاتي حصلت معجزات كتير في حياتي غيرتها تماماً. كنت دايماً مشغول بمصر والسياسة ومبارك وجمال مبارك إلخ إلخ إلخ، بس لما جت لي دعوة المشاركة في مظاهرات ٢٥ يناير على فيس بوك كنت بأضحك عليها أنا وأصحابي وبنتكلم على الساندوتشات اللي هاناخدها معانا والزمزمية وكده.

مش نازل طبعاً.

مش نازل لأني بخاف أنضرب. وبخاف حد يهينني أو يدوس على كرامتي، وما كنتش شايف إنه في حاجة في الدنيا تستاهل إني أمر بحاجة زي دي. طول يوم ٢٥ يناير ما كنتش حتى بأسأل نفسي إذا كنت هانزل ولا لأ. المسألة بالنسبة لي كانت محسومة من بداية اليوم. كنا بنتفرج على تطورات الأحداث في تونس وإحنا مستنيين الخازوق وعارفين إنهم هايندموا. لحد ٢٥ يناير ما كانش شكلهم ندمانين.

على الساعة ٨ بالليل كده كنت قاعد مع أبويا بنتفرج على التليفزيون وبنتبارى في التنظير كالعادة، ووإحنا بنقلب في القنوات شفت عشرين واحد قاعدين ع الأرض في ميدان التحرير وبيهتفوا بصوت مرعوش “الشعب يريد إسقاط النظام”. قمت واخد الشنطة وطالع ع القاهرة.

برضه ما نزلتش.

أول ما وصلت رُحت ع القهوة، قبل ما ناخد قرار في مستقبل البلد لازم حجرين تفاح ع الأقل. قابلت أصحابي وقعدنا نتجادل في ننزل ولا لأ. اتفقنا في الآخر ننزل. الميدان مليان والناس دلوقتي كتير، نزلنا لما حسينا بالأمان، ونزلنا وإحنا عارفين إن الموضوع هاينتهي كمان نص ساعة.. ساعة إلا ربع بالكتير. فاكر رحلة عبورنا من ميدان طلعت حرب لميدان التحرير وسط عربيات الأمن المركزي وصفوف وكردونات العساكر واللواءات اللي واقفين يبصوا علينا وإحنا بندخل بكل سذاجة من الممر الوحيد اللي سايبينه مفتوح للميدان. عادي كده! فاكر منظر الناس في الميدان كويس جداً ووشوشهم معظمها عليها نفس التعبير المندهش بتاع “هو ده بجد؟ إحنا هنا فعلاً وبنعمل كده؟” وافتكرت فيلم “الإرهاب والكباب” وقُلت لصحابي: النهاية مش هاتبقى سعيدة قوي بس كفاية إننا أحرجناهم وخلينا شكلهم وحش قدام العالم.

إذا كنا نزلنا دلوقتي، فهما يقدروا يمشّونا.

الغاز بدأ والهيستيريا.. وجرينا مذعورين. كانت أول مرة أشم الغاز في حياتي، وقولت: لنفسي مش عاوز أشمه تاني مهما حصل. إحساس بالغضب والخيانة ورغبة عارمة في الانتقام.

قولت لكوا هايمشونا ومشونا.

يوم ٢٨ كنّا راجعين من حفل إطلاق مجلة “توك توك” في إسكندرية ووصلنا الضهر في وسط الرقع. ما رُحناش برجلينا، ولو كنّا نعرف غالباً ما كُنّاش هانروح. اضطرينا نجري بكراتين المجلات واللوحات من محطة رمسيس لشارع شريف وسط المهلبية. شفنا ناس بتنضرب بخرطوش، وشفنا ظباط بيجروا ويسيبوا العساكر، وشفنا الناس بتحدف بصل وخل من الشبابيك وشفنا الجيش وهو “نازل يحمي الثورة”، كنّا مرعوبين طبعاً. في حاجة كويسة بتحصل بس ممكن تكون منيلة بستين نيلة برضه. نزلنا نبص بصة ع الميدان بالليل عشان نشوف الدنيا فيها إيه.

نزلنا آه، بس بالليل لما الدنيا هديت.

طول التمنتاشر يوم كنت بايت عند صاحبي اللي بيته قريب جداً من الميدان. كل يوم كنت باروّح مرة أو مرتين وساعات أكتر. الجو حوالين الميدان كان مرعب، وكل شوية كانت بتحصل مشاحنات ما بين المتظاهرين اللي عرفنا بعد كده إنهم “مواطنين شرفاء”. طبعاً كنت فرحان جداً باللي بيحصل، وطبعاً كنت مبهور بكل اللي أكيد اتهريتوا قصص عنه في الميدان. التآلف والحب والمسيحي جنب المسلم إلخ إلخ إلخ. بس كنت هاموت من الخوف. كل يوم بيعدي كان كأنه سنة. وكل ساعة بأقول لنفسي كان لازمتها إيه! والله أعلم مبارك هايعمل فينا إيه!

صحيح نزلت كذا مرة بس عمري ما بيّت في الميدان.

المواضيع بدأت توسَّخ، والجمال نزلت والمولوتوف طلع. الاغتيالات بقت ممنهجة ومركزة ومقصودة. الڤيديوهات بتنتشر بسرعة البرق، في قوى بتحرك المشهد في اتجاهات معينة والموضوع ما عادش عشوائي خالص. إشاعات بتطلع في الميدان كل شوية إن مبارك مشي، وإشاعات تانية إنه في تنين بياكل المتظاهرين عند باب اللوق.

عمري ما كنت في الصفوف الأولى وعمري ما حدفت طوبة.

مبارك غار في ستين داهية ورقصنا للصبح، حضنت واحدة صاحبتي كنت بأسلم عليها بالإيد بس، تفتحت الزهور وكل حاجة بقت تمام، بدأنا نقلق من بكرة، وبكرة جه أسرع مما كنا متخيلين، والأخبار الوسخة بدأت تهل. كشوف عذرية والجيش بيكهرب الناس في شارع قصر العيني. محمد محمود واحد واتنين وتلاتة، موتوسيكلات شايلة جثث وناس نعرفهم بيموتوا.

أحا.

اللي بيحصل ده غلط وفي حاجة غلط، مش هو ده اللي اتفقنا عليه خالص ولا ده اللي كنا مخططينله، ثانية واحدة.. إحنا ما كنّاش مخططين لحاجة أصلاً! أصل هانخطط ليه؟ إحنا مش ظباط مخابرات قاعدين في مكاتب نعمل تقارير عن مدى رضى المواطنين عن الرئيس، وماحناش لواءات جيش بيدربوا عساكرهم كل كام سنة على تكتيكات مواجهة ثورات محتملة، أو بيظبطوا بينهم وبين بعض ازاي نضمن إنه ما يحصلش استغفر الله العظيم استغفر الله العظيم انقلاب. إحنا مش قياديين في جماعات إسلامية منفصلة عن الواقع بنقعد في مكتب الإرشاد نحسب لو نزلنا المظاهرة دي أو الاعتصام ده هايموت مننا كام واحد وهانستفيد قصاد ده كام كرسي في البرلمان. إحنا حتى مش رجال أعمال بيقرروا يستثمروا فين ومع مين بناء على مستقبل النظام ده أو ده. إحنا شوية عيال. زهقانين من كل المذكورة أسماءهم في هذا الباراجراف ومش عاوزين نبقى زيهم ومش عاوزين بكرة يبقى زي امبارح عشان مش طالبة غباء.

أنا نزلت التحرير يوم ٦ أبريل ٢٠٠٧ عشان كنت صغير ومش فاهم حاجة. ما كنتش أعرف حاجة عن الدولة ولا النظام ولا الداخلية ولا الإخوان ولا أي حاجة. كنت فاكر نزولي التحرير وقتها فعل ثوري بكل ما يحمله هذا التعبير من معاني مبتذلة. ما كنتش أعرف الداخلية ساعتها كان ممكن تعمل فيّا إيه لو مسكتني. ما كنتش أعرف وقتها يعني إيه مخابرات ويعني إيه نيابة عسكرية وسين 28. ما كنتش أعرف يعني إيه واحد يتحبس احتياطي بالـ ٥٠٠ يوم. ما كنتش أعرف يعني إيه اختفاء قسري وتصفية جسدية. ما كنتش أعرف أي حاجة، وكمية الدوافع اللي كانت عندي وقتها عشان أنزل ميدان التحرير كانت أقل بكتير من دلوقتي. اللي حصل واللي عرفته من ساعتها خلى رغبتي في إن نظام زي ده ما يستمرش أكتر من كده بتكبر كل يوم.

اللي عاوز أقوله.

إني ما نزلتش عشان عاوز أنزل، أو نفسي أنزل أو بأحب النزول. أنا نزلت لأن الظروف اضطرتني أنزل. ما كنتش عامل حسابي ولا عارف النزول ده أخرته إيه أو هايكسبني إيه. آه طبعاً في مجموعة من القيم والمبادئ اللي أنا باحب الثورة عشانها واللي خلتني يبقى عندي طول الوقت أمل في الثورة. لما البني آدم يقول لأ عشان كرامته أو عشان شايف نفسه ما يستحقش يتعامل كده، حتى لو “لأ” دي تمنها حياته، ده فعل إنساني في منتهي العظمة بيفكرنا إحنا ليه بنى آدمين، بيفكرنا إننا مش خنازير بتتساق بالعصاية مابين الأكل والشخاخ. وإننا كائنات بتحترم نفسها بغض النظر عن المصلحة.

الناس اللي نزلت في ٢٠١١ وفي ٢٠١٣ وفي ١٩٧٧ وفي ١٩٥٢ وفي ١٩٣٦ وفي ١٩١٩ وفي ١٩١٧ وفي كل المرات اللي المصريين غضبوا فيها نزلوا لأنه كان لازم ينزلوا، ولأن ما كانش قدامهم حل تاني. ونزولهم مش بالضرورة معناه حاجة كويسة كل مرة ومش بالضرورة حاجة وحشة. نزولهم معناه إنه في حاجة في البلد بتخللي الناس تنزل. كل السنين اللي بين كل نزلة من دول والتانية هي مجرد محاولات لتأجيل النزلة اللي جاية أو تخطيط لاستغلالها الاستغلال الأمثل، وكل جيل من اللي بيحكموا البلد بيحاول بناء على ما تعلمه في حياته ورؤيته للعالم يحافظ على الناس في بيوتها أطول فترة ممكنة. وهو ده في حد ذاته لُب المشكلة، إنه أقصى طموح اللي بيحكموا البلد دي مش إن متوسط دخل المواطن المصري يبقى من أعلى ١٠ في العالم. أو إن الرعاية الصحية في مصر تبقى أحسن رعاية صحية في الشرق الأوسط مثلاً أو الكلام الفارغ ده. أقصى طموح أي حد حكم البلد دي لحد النهاردة هو إن انت بس ما تنزلش. فلو مش عاوز تنزل ما تنزلش وخلي أقصى طموحك انت كمان إنك في يوم من الأيام ما حدش يمد إيده عليك أو يهينك، زيي، وزيي ناس كتير قوي قاعدين تحت البطانية ومستنيين.

الساعة دلوقتي اتنين وسبعة وعشرين دقيقة، لما نشوف من هنا لحد الساعة تمانية النهارده، أو بكرة أو كمان سنتين تلاتة هايكون حصل إيه.

اعلان