مثلث حلايب وشلاتين.. هدوء مؤقت في خلاف متجدد
 
 

جدد وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور التأكيد على أن “حلايب وشلاتين” أرض سودانية، وقال الوزير أمس، السبت، خلال مؤتمر صحفي جمعه بوزير الخارجية المصري سامح شكري إن السودان لجأ إلى مجلس الأمن الدولي لتقديم شكوى ضد مصر من 9 فبراير 1958، مضيفًا أن المندوب المصري في مجلس الأمن آنذاك قدم طلبًا للمجلس لإيقاف التحقيق في القضية، بدعوى أن مصر ستقوم بحلها مع السودان، وأشار “غندور” إلى أن السودان ظل منذ ذلك التاريخ يجدد الشكوى سنويًا لمجلس الأمن، دون تقديم أخرى جديدة، موضحًا أن عدم تجديد الشكوى يعني أنه تم سحبها. وشدد على أنه لا سبيل لحل هذه القضية إلا بالحوار بين الجانبين السوداني والمصري.

فيما عقّب وزير الخارجية المصري بالإشادة بما قاله نظيره السوداني، وتأكيده على طبيعة العلاقة التي تربط بين البلدين، معتبرًا أن “تلك الأمور شكلية ويتم تناولها من قبل مصر في نفس الإطار، ولا تنتقص إطلاقًا من اعتزاز الجانبين لبعضهما”، مضيفًا أن هناك “توافق ووضوح في الرؤي لدى القيادتين السياسيتين”، وأن على الشعبين “أن يشعرا بعوائد مباشرة وتحديات في التنمية الاقتصادية في مواجهة المخاطر الدولية والإقليمية التى تحيط بنا وغيرها من مشاكل تجعل هذه الأمور لها أولويتها وأي مسائل عالقة فنحن على أتم قدرة فى تناولها في إطار من الاحترام المتبادل”.

ويعد تصريح وزيري الخارجية بمثابة تهدئة مؤقتة للمشكلة المثارة منذ سنوات، والتي يتجدد الحديث عنها عند أي توتر تشهده علاقات مصر والسودان في أي ملف.

كان الرئيس السوداني عمر البشير قد كرر في حواره لقناة العربية مطلع ديسمبر الماضي، إصرار دولته على التحرك الأممي ضد مصر ردًا على قيام الأخيرة بعقد الانتخابات البرلمانية في منطقة مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد المتنازع عليه بين الدولتين.

وأتى إعلان البشير بعد أيام من تقدم دولته بشكوى ضد مصر في مجلس الأمن الدولي.

كما شدد “غندور” نفسه في نوفمبر الماضي، في خطاب له أمام برلمان بلاده، على كون “حلايب وشلاتين سودانية مئة بالمئة”، وخيّر مصر في خطابه بين التنازل عن المثلث الحدودي بالتراضي أو بقوة التحكيم الدولي والقرارات الأممية.

قبل تلك التحركات الدولية ببضعة أشهر، أعلنت السودان ضم منطقة حلايب وشلاتين وأبو رماد كدائرة انتخابية في نهاية العام قبل الماضي. حين أعلنت مفوضية الانتخابات السودانية، أن منطقة حلايب ظلت دائرة انتخابية سودانية منذ عام 1953، وأنه سيجري عقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية السودانية فيها.

منذ قيام الرئيس السوداني عمر البشير بانقلابه العسكري الذي قاده إلى الحكم في 1989، تطفو قضية نزاع السيادة على مثلث حلايب وشلاتين في كل أزمة سياسية مع النظام الحاكم في مصر. ظهر ذلك عقب محاولة الاغتيال التي تعرض لها الرئيس الاسبق حسني مبارك في إثيوبيا في منتصف التسعينيات، حينما اتهمت مصر السودان بإيواء وتدريب العناصر المتورطة في تلك المحاولة، وعاد النزاع لدائرة الضوء بعدها عدة مرات، أحدثها خلال التوتر الحالي الذي تشهده العلاقات بين البلدين، خاصة بعد حادثة الاعتداء على مواطن سوداني في أحد أقسام الشرطة المصرية في مطلع نوفمبر الماضي، وتصاعدت حدة الخلاف مع قيام الحكومة المصرية بإجراء الانتخابات البرلمانية في المنطقة المتنازع عليها.

يقع مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد في الركن الجنوبي الشرقي من الأراضي المصرية، على مساحة 20 ألف كيلو متر مربع، ويضم محمية جبل علبة الطبيعية، ويقطن به قبيلتي العبابدة والبشارية.

وتشير الدراسات الجيولوجية والجغرافية إلى غنى المنطقة بخام المنجنيز النقي عالي الجودة، الصالح لإنتاج كيماويات الماغنيسيوم غير العضوية، مثل كبريتات وكلوريد الماغنيسيوم، إضافة إلى استخدام الماغنيسيوم في صناعة الأسمدة.

تسلسل تاريخي:

لم تكن مسألة الحدود السياسية والأراضي الواقعة ضمن سلطة البلدين مطروحة في بدايات القرن التاسع عشر، حينما ضم محمد علي، والي مصر، السودان إلى نطاق حكمه عام 1820، ثم اعترف السلطان العثماني باندماج مصر والسودان في ولاية واحدة، في 27 مايو 1866.

لكن بريطانيا شرعت منذ هزيمة الثورة المهدية في السودان، في بذل جهود مكثفة لتقليص الحدود الجنوبية المصرية، وقد تحقق ذلك بموجب اتفاقية 19 يناير 1899، التي وقعت بين مصر وبريطانيا وقتها، للحكم الثنائي للسودان.

وقد نص هذا الاتفاق في مادته الأولى على أن يطلق لفظ السودان على جميع الأراضي الواقعة جنوبي دائرة عرض 22 درجة شمالا، وهو الاتفاق الساري حتى الآن.

ولم يكن لهذا الاتفاق دلالة فعلية على أرض الواقع، لأنه لم يكن سوى حد إداري يفصل بين إقليمين في دولة واحدة، حيث آلت ملكية الأراضي السودانية إلى المملكة المصرية عقب انتهاء الخلافة العثمانية.

في يناير 1956، تحول الحد الإداري بين مصر والسودان إلى حد سياسي، حين اعترفت مصر باستقلال السودان.

وفي عام 1899، أدخلت بريطانيا تعديلات على خط الحدود الإدارية بين مصر والسودان، لإخضاع القبائل الواقعة على جانبي خط الحدود، ثم أصدر وزير الداخلية المصري قرارًا إداريًا في 14 نوفمبر 1902، بوضع منطقة حلايب وشلاتين وأبورماد ومحمية جبل علبة تحت الإدارة “إقليم السودان”، مراعاة لعوامل القرب الجغرافي .

وتنفيذا لاتفاق 1899، فإن دائرة عرض 22 درجة شمالا، تقطع مدينة حلفا وهي عبارة عن أرض زراعية حول نهر النيل، وبناءً على ذلك أصدرت وزارة الداخلية المصرية في 26 مارس 1899 قرارًا إداريًا يقضي بأن تمر الحدود الإدارية بقرية أدندان على الشاطئ الشرقي للنيل، وبعد إنشاء السد العالي أغرقت منطقة حلفا بمياه بحيرة ناصر، لكن خلافا وقع بين مصر والسودان حول حقوق الصيد في البحيرة.

تطور الأمر في يناير 1958، حين أرسلت الحكومة المصرية مذكرة اعتراض إلى حكومة السودان، بعد إدخال الأخيرة منطقة حلايب ضمن دوائرها للانتخابات البرلمانية، ومنذ ذلك الحين والخلاف يتجدد ويسكن بين البلدين كلما عصفت بهما المواقف السياسية المختلفة.

وفي عام 1992، توغلت القوات المصرية داخل حلايب وشلاتين، ووقع صدام محدود بين قوات حرس الحدود المصرية وقوات الجيش السوداني في أعقاب إعلان مصر حدودها الرسمية التي ضمت حلايب، وهو ما أعقبه تقديم السودان شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، ولا تزال المطالبات السودانية بمثلث حلايب وشلاتين قائمة حتى الآن.

ترى مصر أن التعديلات الإدارية التي أدخلت على خط الحدود عام 1902، مجرد استجابة من مسؤولين محليين لرعاياهم بهدف التيسير على الرعاة في المنطقة، كما أن مصر لم توقع اتفاقًا دوليًا مع بريطانيا أو السودان بموجب اتفاقية فيينا 1878 الخاصة بتقسيم الحدود السياسية الدولية.

وتقول مصر إن الادعاء بتنازل مصر عن سيادتها على المناطق المتنازع عليها شمالي دائرة عرض 22 درجة شمالا يفتقر إلى الدليل المقنع، لأن مصر كانت واقعة تحت سيادة الدولة العثمانية وقت إجراء التعديلات، ولم تكن تستطيع التنازل عن أو أرهن أو بيع أي جزء من أراضيها، إلا بموافقة الدولة العثمانية، وهو ما لم يحدث.

إضافة إلى ذلك، اعتمدت السودان في مطالبتها بمثلث حلايب على الخرائط التي كانت تصدرها هيئة المساحة المصرية حتى عام 1958، عندما أغفلت مصر الإشارة إلى الحدود الإدارية والتمسك بالحدود السياسية المعترف بها دوليًا، ووفقًا للقانون الدولي، فأن التنازل عن الإقليم لا يكون صحيحًا وملزمًا قانونًا إلا بموافقة الطراف المعنية على ذلك صراحة.

ويستند الموقف المصري كذلك إلى أن مصر هي التي كان لها وجود ظاهر في المنطقة المتنازع عليها طوال الفترة التي تلت إجراء التعديلات وحتى استقلال السودان، وقد طالبت بمصر بتعديل الحدود مرارًا.

ومن مظاهر الوجود المصري في المنطقة، النشاط التعديني لشركة “علبة” المصرية، التي أنشئت عام 1954، ثم أدمجت مع شركة النصر للتعدين عام 1963، كما يعود النشاط التعديني المصري في المنطقة إلى عام 1915، فقد أصدرت مصر في الفترة من 1915 حتى 1980 نحو 80 ترخيصًا للبحث والتنقيب في المنطقة لاستغلال الثروة المعدنية.

أما دولة السودان فترى أن الأرض المتنازع عليها، الواقعة بين دائرة عرض 22 درجة شمالًا، هي جزء لا يتجزأ من الأراضي السودانية، وبنى السودان موقفه في المطالبة بحلايب على أن السودان كانت تدير المنطقة منذ اتفاق 1899، ومارست عليها كافة أعمال السيادة.

كما يعتقد السودان أن قبول مصر بالإدارة السودانية لمنطقة حلايب في الفترة بين 1899 حتى 1959، هو بمثابة تنازل عن المنطقة واعتراف بسيادة السودان عليها، إضافة إلى أن مصر حين اعترفت بالسودان كدولة مستقلة عام 1956 لم تشر في اعترافها إلى أي تحفظات بشأن الحدود.

ويتمسك السودان بمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، طبقا لما أكدت عليه منظمة الوحدة الأفريقية وقتها (الاتحاد الأفريقي)، في عام 1964، وهو ما لم تعترض عليه مصر.

إضافة إلى ذلك، فإن قبائل البشارية التي تشكل العنصر السكاني الأكبر في منطقة المثلث هي قبائل سودانية.

ومنذ انفصال الدولتين في أعقاب ثورة يوليو والاعتراف المصري باستقلال السودان 1956 عاد النزاع للتجدد عدة مرات. ولم تشهد المواقف المصرية تغيرًا إلا في 10 أبريل من عام 2013، عندما صرح موسى محمد أحمد، مساعد رئيس الجمهورية السوداني أن الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وعد أثناء زيارة الـ48 ساعة إلى السودان بإخضاع مثلث حلايب إلى السيادة السودانية، ما أثار الرأي العام في مصر ضد مرسي. وواجه الرئيس الأسبق هجومًا إعلاميًا تحدث عن صفقة بين النظامين المتقاربين أيديولوجيا في مصر والسودان وقتها.

وفي 17 أبريل 2013، نشرت جريدة “سودان تريبيون” السودانية، تصريحا على لسان وزير البيئة والغابات والتنمية السوداني حسن هلال، على هامش مشاركته في مؤتمر بالإسكندرية، أكد فيه على صدور وعد من مرسي أثناء زيارته للخرطوم بتسليم حلايب للسودان. لكن التغير السياسي الذي شهدته مصر في الثالث من يوليو 2013 أزاح ذلك الوعد عن مائدة العلاقات بين البلدين عقب إنهاء حكم مرسي.

زادت حدة التوتر بين مصر والسودان حين أعلنت المفوضية القومية للانتخابات السودانية، في 4 نوفمبر من العام قبل الماضي، إجراء الانتخابات بمنطقة حلايب ضمن ولاية البحر الأحمر السودانية، وإقبال المواطنين على تسجيل أسمائهم في كشوف الناخبين بـ90 مركزا بحلايب.

وفي أكتوبر الماضي، نقل موقع “سودان تربيون” عن الرئيس السوداني عمر البشير، طلب بلاده من المملكة العربية السعودية لعب دور الوسيط للتوصل لتسوية بين بلاده ومصر لإنهاء النزاع القائم بين البلدين بشأن مثلث حلايب الحدودي. وشدد البشير على أن السودان لن يتنازل عن حلايب، معربا عن أمله في أن تنجح السعودية في مساعيها للتسوية.

يعلق ممدوح عمارة، عضو مجلس النواب المصري عن دائرة “حلايب وأبو رماد” على التصريحات السودانية واصفًا إياها بـ “المزاعم غير الحقيقية”، ويرى أن نسبة الإقبال على التصويت في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر في دائرته، والتي وصلت إلى 57 %، “أكبر دليل على أن حلايب مصرية حتى النخاع”.

ومع عدم الاهتمام الشعبي الواضح في مصر بقضية حلايب وشلاتين، يشهد موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وجود عدد من الصفحات التي تروج لسودانية حلايب، مثل “حلايب وشلاتين السودانية”، و”جبهة تحرير حلايب وشلاتين”.

وتعتبر هذه الصفحات حلايب أرضا سودانية احتلتها مصر، ويطالبون بالانضمام إلى دولة السودان.

كما طالبت “الجبهة الشعبية لتحرير حلايب وأبو رماد” بمقاطعة البضائع والعمال والمطاعم المصرية في حلايب.

يقول الباحث السوداني المختص بالعلوم السياسية الدكتور سليمان محمد سليمان، إن الحكومة المصرية لم تجر أي انتخابات مصرية في منطقة حلايب من قبل على الإطلاق، وظلت حلايب وحدة إداريةً تابعة لمحافظة البحر الأحمر السُّودانية إلى أن “احتلتها” القوات المصرية عام 1992.

ويضيف سليمان أن كل الانتخابات السودانية التي أجريت منذ عام 1953 وحتى عام 1986 شملت منطقة حلايب، ولم تُجر أية انتخابات مصرية في المنطقة خلال تلك الحقبة التاريخية. وأن محاولة مصر إجراء استفتائها في حلايب عام 1958 كانت المحاولة الوحيدة التي لم يُكتب لها النجاح. بل إن مصر نفسها تراجعت عن عقد الاستفتاء قبل يوم واحد من التاريخ المحدد له، بعد أن اعترض السُّودان بشكوى أمام مجلس الأمن الدولي.

ويستكمل الباحث السوداني المقيم بالخرطوم، بقوله إن هذا الوضع تغيّر تغيرًا جذريًا منذ عام 1992 عندما دخلت القوات المصرية حلايب و”احتلتها”، إثر تدهور العلاقات بين نظام الإنقاذ السوداني ونظام مبارك، ثم أعلنت القاهرة ضمَّ حلايب رسمياً لها عام 1995، عقب فشل محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك، التي تمَّ اتهام نظام الإنقاذ بالمسؤولية الكاملة عنها.

ورفض الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تصريحات الرئيس السوداني عمر البشير، وقال إن حلايب وشلاتين هي أرض مصرية بناءً على ما نصت عليه اتفاقية 1899، التي تحدد دائرة عرض 22 درجة شمالا خطًا فاصلًا بين مصر والسودان.

وقال رسلان إن كون المواطنين المصريين القاطنين بمنطقة حلايب وشلاتين يرتدون زيًا سودانيًا، لا يعني كونهم سودانيين، ولا يعتد به بالنسبة للمواقف الدولية والحدود بين البلاد، لأن القبائل كثيرة ومعظمها ينقسم إلى دويلات عديدة.

اعلان
 
 
محمد السعيد