وجوه أخرى للفساد

خرج علينا يوم 23/12/2015 المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، إحدى الهيئات الحكومية المنوط بها مراجعة وتدقيق الحسابات المالية لكل الهيئات والمؤسسات الحكومية بل وكل القطاع العام، بتصريحات مفادها أن تكلفة الفساد في مصر عام 2015 بلغت 600 مليار جنيه. وبعد الهجوم عليه لعدة أيام، وفي محاولة بائسة منه لتحسين صورته، صرح بأن الـ600 مليار هي تكلفة الفساد على مدار ثلاث سنوات، أي أن متوسط الفساد حوالي 200 مليار جنيه في العام الواحد.

ولكي ندرك حجم المشكلة فلا بد من تنسيب تلك المبالغ الضخمة. فإجمالي العجز المالي في ميزانية 2014/2015 بلغ 240 مليار جنيه، وهو ما يعادل حوالي 10% من الناتج المحلي، أما العجز في ميزانية 2015/2016 فقد بلغ 281 مليار جنيهاً وهو ما يعادل 9.9% من إجمالي الناتج المحلي.

إذا صح ما قاله جنينة عن قيمة الفساد، فهذا يدل على أنه إذا حورب الفساد بفاعلية وجدية وصُرفت الأموال في نصابها الصحيح سيسهل للغاية سد عجز الموازنة، بل وتحقيق فائض. ولكن علينا التدقيق في هذه الأرقام وقراءة ما بين سطورها وطرح العديد من الأسئلة، من أهمها: ما هي المنهجية المتبعة لتقييم وقياس وتحديد قيمة الفساد؟ كيف قام الجهاز بقياس القيمة المالية لشتى أنواع الفساد؟، علماً بأن هناك أنواعاً يصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، تحديد قيمتها المالية مثل المحسوبية والابتزاز والقيمة الغير مباشرة للفساد، والسؤال الأهم هنا: مهما كانت قيمة الفساد، ما هي المجهودات المبذولة من قبل الدولة، ممثلة في أجهزتها، لمحاربته؟

هناك مدرستان رئيسيتان لقياس حجم الفساد، لكل مدرسة فكرها وطريقتها، ومزاياها وعيوبها قطعاً. تتبع الأولى طريقة غير مباشرة، وهي مجرد قياس مدى إدراك الاشخاص للفساد (perception)، أما الاخرى فتتبع طريقة مباشرة، وهي قياس خبرات الأشخاص الفعلية مع الفساد (actual experiences) من تعامل وتعرض مباشر للمعاملات الفاسدة بشتى أنواعها. وعموماً فهناك خاصية هامة للتفريق بين المدرستين عن طريق مصادر البيانات، فمصادر البيانات في مدرسة الإدراك تكون  ذاتية (subjective)، أما مصادر البيانات في مدرسة الخبرات الفعلية تكون مصادر موضوعية (objective). وفي حالتنا هذه يكون من المنطقي أن الجهاز قام بقياس الفساد عن طريق قياس الخبرات الفعلية، لأن مصدراً رئيسياً من مصادر بيانات الجهاز هي الموازنات المالية التي قدمتها المؤسسات الحكومية المختلفة. فقدرة الجهاز على الوصول لأية معلومة مالية يريدها تجعلنا نجزم بأن جزءاً كبيراً جداً من هذه  الـ600 مليار ليس إلا فساداً مالياً متمثلاً في سرقة وتزوير وإهدار للمال العام، فقيمة هذا النوع من الفساد تصل إلى حوالي %70 في تقدير الكاتب، أما بقية المبلغ فمن المفترض أن يكون هو قيمة الرشاوى بشتى أنواعها. 

بالطبع تمثل الرشاوى في مصر بالتحديد خطراً شديداً على المجتمع ككل، وهذا نابع ببساطة من كونها أصبحت ظاهرة مجتمعية مقبولة، حتى أن الراشي والمرتشي غالباً ما لا يعتبرانها خطأ، بل يعتبرها المرتشي حقاً مكتسباً وتعويضاً عن المرتب الضئيل الذي يتقاضاه وأجراً لتسريع إنهاء الإجراءت، أما الراشي فيعتبرها الوسيلة الوحيدة لإنهاء أوراقه في مدة زمنية مقبولة، حتى أصبحت الرشوة جزءًا لايتجزأ من المجتمع، وأصبح المجتمع ينظر لمن لا يدفع رشوة بوصفه إنساناً ساذجاً، وللأسف فمعظم من لا يرغبون في دفع رشوة سواء لعدم قدرتهم المادية أو لتمسكهم بالمباديء والقيم يُجبرون في النهاية على “دفع المعلوم” ليتمكنوا من إنهاء الخدمة، لأن لا شيء يحدث بدون دفع الرشوة، ومن مظاهر تقبل هذه الظاهرة هو أن أصبحت لها أسماء مستعارة، منها على سبيل المثال لا الحصر: شاي، إكرامية، هدية، منحة وعمولة.

هل أدخل الجهاز قيمة المحسوبية والابتزاز في تقييمه للفساد؟ في تقدير الكاتب لا، هناك بالطبع محسوبية وابتزاز، ولكن من الصعب جداً الوصول إلى قيمة مادية لهما وهذا لسببين؛ أولهما هو صعوبة الحصول على معلومات تخص هذين النوعين من الفساد، فمن ذا الذي سيتحدث عن ابتزازه لشخص آخر، أو استغلاله لمنصبه لمساعدة شخص يعرفه، بدون وجه حق؟ وإن تحدث أحدهم ففي الغالب ستكون هذه حالة فردية يصعب التوصل منها إلى استنتاجات تجعلنا ندرك حجم الظاهرة. وثانيهما، كيف للباحث، ليس فقط تحويل القيمة المعنوية إلى قيمة مادية، بل وتحديد حجم القيمة المعنوية المهدرة بسبب هذا العمل الفاسد؟ فمثلاً، إذا جرى تعيين شخص غير مؤهل في وظيفة لا يستحقها، فقط لأنه يقرب للمسؤول، كيف نستطيع تقدير حجم المشكلة؟ إذا كان هناك إحساس دفين لدى كل متقدم لهذه الوظيفة بأنه مظلوم، فكيف لنا قياس الظلم هنا وتحويله إلى قيمة مادية؟ في هذه الحالة لا يمكن إغفال الإحساس بالظلم وأحاسيس أخرى كثيرة، عند تقييم تكلفة العمل الفاسد، بل ويتوجب علينا حساب النتيجة غير المباشرة لهذا العمل الفاسد على المجتمع ككل، مثلما حسبنا النتيجة المباشرة سواء للرشوة أو السرقة، وهذا النوع من الحساب والتقييم صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً.  

من المؤكد أن التعرض لفعل معين وتجربته، يشجعان الناس على تقليده واتباعه، والمقصود هنا هو قدرة الموظف الفاسد على لعب دور خطير له تأثير سلبي على كل المحيطين به. وجود هذا الموظف الفاسد وسط زملائه، مع عدم عقابه، سيشجع بالتأكيد على الأقل واحداً، إن لم يكن أكثر، من زملائه على حذو حذوه. كيف يمكن لنا قياس هذا التأثير بالتالي؟ لكل هذه الأسباب يصعب قياس جميع أنواع الفساد، ولهذا، فإذا كان حجم الفساد المُعلن 600 مليار جنيه، يكون هذا حجم الفساد المالي والرشوة، مما يدل على أن قيمة بقية أنواع الفساد، بالإضافة إلى قيمة الفساد غير المباشر، أكبر بكثير، مما يجعلنا نجزم بلا شك أن حجم الفساد في مصر يزيد قطعاً عن 600 مليار، ولكن لا أحد يستطيع تحديد كم تبلغ قيمته بالضبط. 

بالتأكيد كان يفضل أن ينشر الجهاز تقريراً مفصلاً عن كيفية وصوله لهذا الرقم حتى يمنع أي نوع من أنواع اللغط وحتى يفيدنا علمياً، لأنه إذا استطاع موظفو الجهاز قياس كل أنواع الفساد المباشر منه وغير المباشر فهذا يعد في مجال دراسات الفساد انتصاراً علمياً يوجب علينا جميعاً الوقوف عنده بل والتعلم منه، طبعاً على أمل ألا يكون مثل “انتصار الكفتة العلمي“.

أما على صعيد آخر وهو محاربة الفساد، فالدولة ممثلة في أجهزتها تحاول و لا تحاول محاربته في نفس الوقت، مما يجعلنا نشعر بأن لا شيء يحدث. فهناك محاولات جادة لمحاربة الفساد الكبير ذي العائد المادي الكبير (grand)، وهو فساد الموظفين الكبار ومساعديهم (موظفي الصف الاول) من جهات عدة على رأسها هيئة الرقابة الادارية.

ولكن نفس الجهات غير مهتمة بمحاربة الفساد الصغير ذي العائد المادي الصغير (petty)، وهو المتمثل في الممارسات الفاسدة التي تدور على مستوى صغار الموظفين، في مثال واضح وصريح يبين مدى تواطؤ الدولة مع هؤلاء الموظفين، من باب أن الدولة لا تملك أموالاً كافية كي ترفع لهم مرتباتهم، وبالتالي فهي تغض البصر عن تلك الأفعال. علماً بأن هذه الممارسات الخاطئة على هذا المستوى، لها تأثير كبير على التجربة الشخصية للغالبية العظمى من الشعب مع الفساد، مما يجعل فئة غير قليلة من الشعب تفقد الثقة في الدولة مع مرور الوقت، لأن المواطن البسيط في هذه الحالة يصبح جزءاً من عملية الفساد، وبالطبع تختلف ممارسة شيء بعينه تماماً عن القراءة عنه. وبالتالي فعلى الدولة توجيه هذه الجهات، عبر تسليط الضوء على الفساد الصغير بشتى أنواعه.

على الدولة انتهاج منهج مؤسسي مخصص لمكافحة الفساد الصغير بالأخص، عن طريق اتباع استراتجية مكونة من عدة محاور:

  1.  تفعيل الدور الرقابي للمجالس المحلية المنتخبة عن طريق الشفافية في إتاحة المعلومات التي تقود في النهاية إلى المساءلة الفعالة.
  2.  حماية ومكافأة المبلغين عن حوادث الفساد الصغير.
  3.  العمل على نقل الموظفين من أماكن عملهم إلى أماكن أخرى كل عدة سنين للتقليل من مدى توغل وسيطرة كل موظف في مكان عمله على العملية الوظيفية.
  4.  خلق نظام عقابي سريع، قوي وعادل، بعيداً عن المحاكم، لا يفرق بين الموظف والمدير، والأهم هو تنفي هذا النظام، وحتى ينفذ هذا النظام لا بد من وجود إرادة سياسية.
  5.  تنفيذ هذا المنهج في البداية على هيئة أو مصلحة واحدة لمدة زمنية محددة، ويقاس بعدها مدى نجاح هذا المنهج من عدمه.         

ولأنه ليس بمقدور الدولة فعل كل شيء، فيجب عليها السماح للمؤسسات غير الحكومية بمساعدتها في محاربة الفساد الصغير، بل ويجب على الدولة، ممثلة في الجهة التنفيذية، منح استقلالية حقيقية للجهات المنوط بها مكافحة الفساد، شرطاً ألا تكون هذه الجهات أداة من أدوات النظام التي يخدم بها أجندته الشخصية، بل على هذه الجهات استشعار دورها الوطني في حماية الدولة والمواطنين، وليس النظام، من خطر الفاسدين الذين يزيد فسادهم يومًا بعد يوم. وحتى نستطيع محاربة الفساد بفاعلية يجب على كل إنسان أن يبدأ بنفسه ويقرر تقليل مشاركته في هذه الممارسات الفاسدة، وإذا حدث هذا فمع مرور بعض من الوقت سنشعر بالتغيير المنشود. 

اعلان
 
 
أحمد علاء فايد